قريش تطلب الثأر
بعد بدر لم تنسَ قريش قتلاها. فجمعت جيشًا في شوال من السنة الثالثة للهجرة، وذكر ابن إسحاق أنه ثلاثة آلاف مقاتل فيهم مائتا فارس، وخرج معهم النساء ليحرضن الرجال على الثبات. ووصل الجيش إلى المدينة ونزل قرب جبل أحد، فعلم النبي ﷺ بخبرهم قبل وصولهم، وذكر أهل السير أن عمه العباس رضي الله عنه، وكان لا يزال بمكة، أرسل إليه كتابًا يخبره بخروجهم.
الرؤيا
روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «رأيت في سيفي ذي الفقار فلًّا فأولته فلًّا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشًا فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، ورأيت بقرًا تُذبح فبقر والله خير». فهذه الرؤيا فيها إشارة إلى ما سيصيب المسلمين، وفيها إشارة إلى أن البقاء في المدينة أولى. وهذا ما رآه النبي ﷺ، فكان رأيه أن يبقوا في المدينة ويقاتلوا من الأزقة.
المشورة
لكن عددًا من الصحابة، ومنهم من فاته بدر، أرادوا الخروج للقاء العدو. وذكر ابن إسحاق أنهم ألحّوا حتى دخل النبي ﷺ بيته فلبس لأمته. فلما رأوه قد لبس ندم بعضهم، وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ، فقالوا له: إن شئت فاقعد، فقال لهم كما رواه أحمد من حديث ابن عباس: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل». وفي هذا درس في العزم بعد المشورة: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.
انسحاب ابن أبي
خرج النبي ﷺ في نحو ألف رجل، فلما كانوا بين المدينة وأحد انسحب عبد الله بن أبي بن سلول بنحو ثلث الجيش، وقال: أطاعهم وعصاني. وقد جاء في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن ناسًا ممن خرج مع النبي ﷺ يوم أحد رجعوا، فكان أصحاب النبي ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا، فنزل قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾.
وقد همّت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا، وهما بنو سلمة وبنو حارثة، فثبتهما الله. روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: فينا نزلت ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾، بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل لقول الله ﴿والله وليهما﴾.
الصغار في الجيش
وفي هذا اليوم عرض النبي ﷺ الجيش فرد من استصغره. روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
خطة المعركة
نزل النبي ﷺ بالشعب من أحد وجعل ظهر الجيش إلى الجبل. وكان على ميمنة الجيش وجانبه جبل صغير فيه ثغرة يمكن أن يأتي منها العدو. فجعل عليه خمسين رجلًا من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير رضي الله عنه. وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم».
وقد دفع النبي ﷺ سيفه إلى أبي دجانة رضي الله عنه. روى مسلم عن أنس أن النبي ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: «فمن يأخذه بحقه؟» فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. وذكر ابن إسحاق أنه كان يتبختر بين الصفين وقد عصب رأسه بعصابة حمراء، فقال النبي ﷺ: «إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن». وهذه الزيادة من أخبار السير.
صفوف قريش وما جرى قبل الاشتباك
وذكر ابن إسحاق أن قيادة جيش قريش كانت لأبي سفيان، وأن خالد بن الوليد كان على ميمنتهم وعكرمة بن أبي جهل على ميسرتهم، وأن النساء ومنهن هند بنت عتبة كنّ خلف الصفوف يضربن بالدفوف ويحرّضن الرجال على الثبات. وذكر أيضًا أن أبا عامر الراهب، وكان من الأوس وقد خرج من المدينة عداوةً للنبي ﷺ، حاول أن يستميل قومه الأنصار قبل القتال فردّوه بما يكره. وهذه من أخبار السيرة التي لا تُروى في الصحيحين، ولكنها تبيّن أن الصف الأول للمشركين كان مدروسًا، وأن ما حدث بعد ذلك لم يكن من قلة تخطيطهم بل من تغيّر الموقف عند الثغرة.
وذكر ابن إسحاق أن الخيل مع المسلمين كانت قليلة جدًّا، وأن الفرق في العدة بين الجيشين كان كبيرًا، فكان الاعتماد على الثبات والالتزام بالخطة.
الهزيمة الأولى للمشركين
بدأ القتال فكانت الكفة في أول النهار للمسلمين. وقد وصف البراء بن عازب في البخاري ما حصل: فلقيناهم، فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، يرفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن. فأقبلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إلي النبي ﷺ أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرف الله وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا.
منعطف المعركة
هذا هو الموضع الذي يتغير فيه مسار المعركة. ففي الرواية التي رواها البخاري أن أكثر الرماة نزلوا يطلبون الغنيمة، وبقي عبد الله بن جبير مع نفر قليل دون العشرة، فرأى خالد بن الوليد، وكان يومئذ على خيل المشركين، أن الثغرة صارت مكشوفة، فالتف بخيله وأتى المسلمين من خلفهم. وهذا ما سيرد تفصيله في الحلقة التالية من القصة.
وقد ختم الله حديثه عن هذه المرحلة بقوله في سورة آل عمران: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾. ففي الآية أن الله صدقهم وعده في أول المعركة، ثم كان ما كان بسبب الفشل والتنازع ومخالفة أمر الرسول ﷺ، ثم أعقب ذلك بالعفو.
