Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

غزوة أحد (2): الدائرة على المسلمين وثبات النبي ﷺ ومن حوله

النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم

ثغرة الجبل

حين ترك أكثر الرماة موقعهم لجمع الغنائم أتى خالد بن الوليد، وكان يومئذ مع المشركين، بخيله من خلف المسلمين. وبذلك وقع المسلمون بين فكي الكماشة، وانقلبت المعركة. وقال الله تعالى عن هذه اللحظة: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾. وفي البخاري عن البراء: ودعاهم الرسول ﷺ في أخراهم فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلًا.

شائعة مقتل النبي ﷺ

انتشر في الميدان خبر مقتل النبي ﷺ، وذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن قمئة هو الذي ضربه ثم صاح: قتلت محمدًا. فأحدث ذلك اضطرابًا كبيرًا، حتى جلس بعض الصحابة ولم يقاتلوا. ثم عرف كعب بن مالك رضي الله عنه النبي ﷺ من تحت المغفر فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إليه أن اسكت (من أخبار ابن إسحاق).

وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾. وقد ربط ابن كثير هذه الآية بما جرى في أحد، وبيّن أنها أصل في أن الدين لا يقوم على الأشخاص.

جراح النبي ﷺ

روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه حين سُئل عن جرح النبي ﷺ يوم أحد قال: جُرح وجه رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم، وعلي بن أبي طالب يمسك، فلما رأت فاطمة أن الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها حتى صارت رمادًا ثم ألصقتها بالجرح فاستمسك الدم. وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كُسرت رباعيته وشُجّ في رأسه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله»، فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾.

الذين دافعوا عنه

روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: «من يردهم عنا وله الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا».

وفي البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. وروى البخاري عن أبي عثمان النهدي أنه لم يبقَ مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد. وروى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ نثل له كنانته يوم أحد وقال: «ارمِ فداك أبي وأمي»، وفي الصحيح عن علي رضي الله عنه: ما سمعت النبي ﷺ يفدي أحدًا بأبويه إلا سعدًا.

وفي الصحيح أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان يتترس عن النبي ﷺ بترس واحد، وكان رجلًا راميًا شديد النزع، وكان النبي ﷺ يتطلع على القوم فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. وكذلك قاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها دفاعًا عن النبي ﷺ.

ومن الأخبار الثابتة أن الله أنزل على المؤمنين النعاس في تلك اللحظة، فقد روى البخاري عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا. وفي ذلك قال تعالى: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم﴾.

مقتل حمزة

وقتل في ذلك اليوم أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. روى البخاري عن جعفر بن عمرو الضمري قصة وحشي بن حرب الذي قال إن جبير بن مطعم قال له: إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق، فخرج مع قريش يوم أحد، فلما التقى الناس رمى حمزة بحربته من بعيد فقتله. وقد أسلم وحشي بعد ذلك، وروى البخاري في الحديث نفسه أنه قتل مسيلمة الكذاب بحربته يوم اليمامة.

أنس بن النضر

روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمه أنس بن النضر غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين. ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أي سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾.

مصعب بن عمير

وقتل مصعب بن عمير رضي الله عنه حامل اللواء. روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نبتغي وجه الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال النبي ﷺ: «غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر».

صيحة أبي سفيان

وفي آخر النهار وقف أبو سفيان على الجبل ونادى: أفي القوم محمد؟ فقال النبي ﷺ: «لا تجيبوه»، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثم: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم قال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فقال النبي ﷺ: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل». قال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. رواه البخاري من حديث البراء.

الدفن

أصيب من المسلمين سبعون شهيدًا، كما في البخاري. وروى البخاري عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلهم ولم يصلّ عليهم.

العبرة

في أحلك اللحظات يظهر معدن الرجال: ثبات النبي ﷺ ومن معه من الصحابة، وتضحياتهم، وشهادة من صدق مع الله. وتبقى الآية: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ أصلًا في أن الإيمان بالله لا يتوقف على بقاء أشخاص.

المصدر: القرآن الكريم: سورة آل عمران (144 و152-154 و128)؛ صحيح البخاري: حديث سهل بن سعد في جرح النبي ﷺ، وحديث أنس بن النضر، وحديث خباب في مصعب بن عمير، وحديث البراء في نداء أبي سفيان، وحديث جابر في دفن الشهداء، وحديث قيس بن أبي حازم في يد طلحة، وحديث وحشي (عن جعفر بن عمرو الضمري)؛ صحيح مسلم: حديث أنس في السبعة من الأنصار وفي كسر الرباعية؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق) في صيحة ابن قمئة ونداء كعب بن مالك.

الدرجة: ثابت في القرآن الكريم + صحيحي البخاري ومسلم؛ وما نُسب لابن إسحاق في خبر ابن قمئة ونداء كعب هو من السيرة وليس من الصحيحين.