ستون آية عن يوم واحد
نزل في غزوة أحد نحو ستين آية من سورة آل عمران، من قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ إلى قوله: ﴿ويخوف أولياءه﴾. وهذه الآيات مثال فريد على الأسلوب القرآني في معالجة الهزيمة: لا يخفي الأخطاء، ولا يترك المؤمنين لليأس، بل يعاتب ويواسي ويعلّم في آن واحد.
الإقرار بالسبب
أول ما تلاحظه أن القرآن لا يقول إن الهزيمة لا سبب لها. قال تعالى: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾. فالمسلمون كانوا قد أصابوا من المشركين يوم بدر ضعف ما أصيبوا في أحد، فاستغربوا: كيف نُهزم ونحن مسلمون؟ فجاء الجواب: هو من عند أنفسكم. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن المراد مخالفة الرماة أمر الرسول ﷺ، وروى هذا المعنى عن عدد من السلف.
وقال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم﴾. ومعنى الحسّ القتل بالسيف، فهي تقول: كنتم تقتلونهم بإذن الله حتى حدث الفشل والتنازع والمعصية. وهذه ثلاث خطوات تتدرج: فشل في القلوب، ثم نزاع في الرأي، ثم معصية للأمر. وقد وقف المفسرون عند قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ فقال ابن مسعود رضي الله عنه، كما نقل ابن كثير: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية يوم أحد. فهذا يدل على أن الصحابة أنفسهم فوجئوا بما كشفته الآية من قلوبهم.
لا تهنوا ولا تحزنوا
ثم يأتي الدواء، فبعد الاعتراف بالخطأ يأتي التثبيت: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾. وهذه الآية تقول للمهزومين: أنتم الأعلون. ثم تضيف سُنة جارية: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾. فالأيام دول، والمداولة سنة من سنن الله. وقال السعدي في تفسيره إن الله قدّر هذه المداولة ليميّز المؤمن الصادق من غيره، وليتخذ من المؤمنين شهداء.
وقال: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾. أي ليصفّيهم ويطهّرهم من الذنوب. ثم جاء السؤال: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾. وهي آية ترسخ في النفس أن الجنة لا تُنال بالتمني.
وما محمد إلا رسول
وعند شائعة مقتل النبي ﷺ نزل قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾. وقد استشهد بهذه الآية أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم وفاة النبي ﷺ، كما رواه البخاري عن عائشة وابن عباس، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي. وهكذا صارت آية من أحد تثبّت الأمة كلها بعد وفاة نبيها ﷺ.
لنت لهم
ومن لطائف الآيات أن الله عقّب على فرار المسلمين وعتابهم بذكر لين النبي ﷺ معهم: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾. وقد قال ابن كثير ما معناه أن من رحمة الله أن جعل رسوله لينًا معهم حين وقع منهم ما وقع. وفي الآية الأمر بالشورى حتى بعد أن أدت المشورة في أحد إلى ما أدت إليه، لأن الشورى باقية وإن كان فيها اجتهاد قد يخطئ.
الشهداء أحياء
وفي أحد قال الله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش»، وقد حسّنه جماعة من أهل العلم. ويدخل في معنى الآية كل من قُتل في سبيل الله.
وفي حديث جابر عند الترمذي وابن ماجه أن عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله عنهما، وكان استُشهد يوم أحد، كلّمه الله كفاحًا بغير حجاب وقال له: «يا عبدي تمنَّ علي أُعطك»، فقال: يا رب تحييني فأُقتل فيك ثانية، وإسناد الترمذي فيه كلام، وحسّنه بعض أهل العلم.
الحمراء
ثم بعد أحد خرج النبي ﷺ في طلب العدو، فقال تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال: «من يذهب في إثرهم؟» فانتدب منهم سبعون رجلًا. ثم قال تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. وفي البخاري عن ابن عباس أنها كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم.
النهاية: يميز الله الخبيث من الطيب
وختمت الآيات بقوله تعالى: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾. وقد فسرها ابن كثير بأن الله يبتلي عباده ليظهر المؤمن الصادق من المنافق. ففي أحد ظهر النفاق الذي كان مستترًا، وانكشفت الصفوف.
