القرآن يصف الميدان
في سورة الأحزاب، من الآية التاسعة إلى السابعة والعشرين، وصف الله غزوة الخندق وصفًا يكاد يرى القارئ منه المشهد. وهذه الآيات تجمع ما لم تجمعه كتب المغازي من وصف القلوب، إذ تبيّن موقف المؤمنين وموقف المنافقين وموقف الله من الجميع. فمن أراد أن يعرف حقيقة ذلك اليوم فليقرأ هذه الآيات قبل غيرها.
النعمة قبل البلاء
بدأت الآيات بتذكير المؤمنين بنعمة الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا﴾. فبدأ بالنصر ثم عاد إلى وصف الشدة، كأن الله يقول لهم: تذكروا النهاية قبل أن تتذكروا الأهوال. وهذا من أسرار الأسلوب القرآني في التثبيت.
وصف الشدة
ثم قال تعالى: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا﴾. ذكر المفسرون أن المراد بـ ﴿من فوقكم﴾ جهة أعلى الوادي، وبـ ﴿من أسفل منكم﴾ جهة أسفله، أي أن العدو أحاط بهم من الجهتين، وقيل إن من أعلى جاؤوا من جهة بني قريظة الذين نقضوا العهد. وأما ﴿زاغت الأبصار﴾ فمعناها شخصت وحارت من الذعر، وأما ﴿بلغت القلوب الحناجر﴾ فهو تعبير عن شدة الخوف. وقد فسّر العلماء ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾ بأن فيهم من خطر له أن النصر تأخر، وأن بعضهم ظن ظنًّا غير لائق حتى ثبّتهم الله. وفي الآية بيان أن الموقف الواحد تتباين فيه أحوال القلوب، فمنهم المؤمن الصادق ومنهم المنافق.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: «نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا». قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح. والحديث حسّنه جمع من أهل العلم.
صوت المنافقين
ثم تحدث القرآن عن المنافقين: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا﴾. وفي السيرة أن معتب بن قشير قال: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط. وهذا نقله ابن إسحاق وابن كثير في تفسيره. فالمنافق ينظر إلى الأحداث من خلال ضيقه الحاضر ولا يرى الوعد الغيبي.
وقال تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا﴾. ومعنى عورة أنها مكشوفة غير حصينة، فرد الله عليهم بأنها ليست كذلك وأنهم يريدون الفرار. وهذا يكشف أن عذر الحرص على البيوت قد يُتخذ ستارًا للتخلف.
المعوقون
وقال تعالى: ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلًا أشحة عليكم﴾. فهؤلاء يثبطون غيرهم، ولا يجاهدون إلا قليلًا. وفي الآيات وصف دقيق لحالتهم عند الخوف: ﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت﴾، وعند الأمان: ﴿فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير﴾. فإذا زال الخطر طالبوا بحظهم من الغنائم بألسنة حادة.
ويحسبون الأحزاب لم يذهبوا: ﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا﴾.
الأسوة الحسنة
وفي وسط هذه الصورة القاتمة تأتي الآية العظيمة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾. وقد قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله. ووقت نزولها يوم الأحزاب مقصود، فقد كان النبي ﷺ في الخندق يحفر ويحمل التراب ويربط على بطنه حجرًا، فهو في الصف الأول في الشدة، وكان على بطنه الحجر كما ثبت في الصحيح. والمعنى أن الأسوة تظهر في وقت الشدة لا في وقت الرخاء.
المؤمنون الصادقون
ثم وصف الله موقف المؤمنين: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾. وهذه الآية عجيبة، فالأحزاب بالنسبة للمنافق دليل الهزيمة، وبالنسبة للمؤمن دليل أن الوعد الإلهي يتحقق، وقد ربط المفسرون ذلك بما قاله الله في سورة البقرة: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾. فكأنهم رأوا في تجمّع الأحزاب بداية تحقق ما وُعدوا به من الابتلاء ثم النصر، ولذلك ازدادوا إيمانًا. وقال السعدي رحمه الله في هذه الآية إن في قوله ﴿وما زادهم إلا إيمانًا﴾ دليلًا على أن الإيمان يزيد.
ثم قال: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: نرى أن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر. وروى الترمذي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، فأقبل طلحة وعليه ثوب أخضر، فلما رآه النبي ﷺ قال: «أين السائل عمن قضى نحبه؟» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: «هذا ممن قضى نحبه»، وفي رواية: «من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة». والحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
النصر الإلهي
وختم الله هذا المشهد بقوله: ﴿وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًّا عزيزًا﴾. فلم يكن هناك قتال بالمعنى المعتاد، وإنما كفى الله المؤمنين القتال بالريح وبالتخذيل بين الأعداء. وهذا ما ذكره المفسرون، ومنهم السعدي إذ بيّن أن الله كفاهم القتال بما أرسل من الريح والجنود.
مصير بني قريظة
ثم انتقلت الآيات إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرًا﴾. والصياصي هي الحصون. وبهذا تنتهي القصة بوعد جديد بأرض لم يطؤوها بعد، وللمفسرين فيها أقوال، فقيل هي خيبر، وقيل مكة، وقيل هي كل أرض فتحها المسلمون بعد ذلك.
