بعد الخندق
لما انصرفت الأحزاب رجع النبي ﷺ إلى المدينة ووضع السلاح. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعتَ السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم. قال النبي ﷺ: «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله ﷺ.
لماذا بنو قريظة؟
كان بنو قريظة بين النبي ﷺ وبينهم عهد، فحين اشتد الحصار على المدينة نقضوا العهد وانحازوا إلى الأحزاب. ذكر ابن إسحاق أن حيي بن أخطب، وكان قد ذهب مع الأحزاب، أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، فلم يزل به حتى نقض العهد. ثم أرسل النبي ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ليتثبتوا من الخبر، فوجدوهم قد نقضوا. وقد حكى القرآن هذا الموقف في سورة الأحزاب: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾، أي أن بني قريظة ظاهروا الأحزاب على المسلمين.
وكان هذا في أشد لحظات الحصار خطرًا، فإن بني قريظة كانوا في ظهر المسلمين، وكان بيوت المدينة وذراريها قريبة منهم. فنقضهم العهد وقت الحرب كان خيانة عظمى بالمعنى المعروف اليوم، لا مجرد خلاف. وقد ذكر العلماء ذلك في توجيه الحكم الذي صدر فيهم.
الصلاة في بني قريظة
أمر النبي ﷺ أصحابه بالمسير. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنّف واحدًا منهم. وفي هذا أصل في اختلاف الاجتهاد.
الحصار
حاصرهم المسلمون نحو خمس وعشرين ليلة على ما ذكره ابن إسحاق، وكان لواء المسلمين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وحين اشتد الحصار عليهم طلبوا أن يرسل إليهم النبي ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر، وكان حليفًا لهم، ليستشيروه. فلما رآهم بكى النساء والصبيان في وجهه فرق لهم، وسألوه: هل ننزل على حكم محمد؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. ثم ندم ندمًا شديدًا وعلم أنه خان الله ورسوله، فذهب إلى المسجد وربط نفسه بسارية فيه، وقال: لا أبرح حتى يتوب الله عليّ. وقد ذكر ابن كثير والطبري أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ نزل فيه، وأن الله تاب عليه بعد أيام. وهذا مما ذكره أهل السير والتفسير.
الحكم بيد سعد
ثم نزلوا على حكم النبي ﷺ، وكانت الأوس حلفاء لبني قريظة، فطلبوا أن يرفق بهم كما فعل مع بني قينقاع. فقال النبي ﷺ: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ». وكان سعد قد أصيب في ذراعه في الخندق، وروى البخاري عن عائشة أنه قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبته فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار، إلا الدم يسيل إليهم.
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال النبي ﷺ للأنصار: «قوموا إلى سيدكم، أو خيركم». فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك». قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم. قال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله»، وفي رواية: «بحكم الملك».
تنفيذ الحكم
نُفّذ الحكم في المقاتلة. وذكر ابن إسحاق أن عددهم ما بين ست مئة وسبع مئة. وروى أبو داود والترمذي عن عطية القرظي رضي الله عنه قال: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قُتل، ومن لم ينبت خُلّي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخُلّي سبيلي. فهذا يبيّن أن الغلمان الذين لم يبلغوا لم يُقتلوا، وأن الحكم اقتصر على من بلغ.
وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يُقتل من نسائهم إلا امرأة، إنها لعندي تحدث تضحك ظهرًا وبطنًا ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا. قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته. قالت: فانطلق بها فضُربت عنقها. فكانت عائشة تقول: فوالله ما أنسى عجبًا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل. وجاء في بعض الروايات أنها قتلت رجلًا من المسلمين بحجر ألقته عليه، وهو خلاد بن سويد. وهذا ذكره ابن إسحاق.
ما قاله العلماء
اجتهد العلماء في بيان هذا الحكم. ومن المعلوم أن حكم سعد بن معاذ كان على قوم نقضوا عهدهم في أخطر لحظة، وهم من أهل الكتاب الذين كان العهد قائمًا بينهم وبين رسول الله ﷺ. وفي رواية ابن إسحاق أنه ﷺ قال لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». وقد قال أهل العلم إن القتل كان بسبب الخيانة ونقض العهد في الحرب، لا بسبب الدين. والدليل أن النبي ﷺ لم يقتل من لم يشاركهم الخيانة، فقد ترك من لم ينبت، وتركت النساء إلا واحدة بعينها بجريرتها، ولم يقتل غيرهم من اليهود الذين لم ينقضوا.
وفاة سعد
ثم انفجر جرح سعد بعد الحكم بقليل، فمات رضي الله عنه. وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ». وروى الإمام أحمد والترمذي أن المنافقين قالوا: ما أخف جنازته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إن الملائكة كانت تحمله». وجاء في سورة الأحزاب بيان ما آل إليه أمر بني قريظة: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها﴾.
