Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

غزوة بني المصطلق (المريسيع): جويرية، والمنافقون، وآية الأعز والأذل

النبي ﷺ وجويرية بنت الحارث وزيد بن أرقم وعبد الله بن أبي

الغزوة وتاريخها

غزوة بني المصطلق، وتسمى غزوة المريسيع، وقعت في شعبان، واختلف أهل العلم في سنتها، فذكر ابن إسحاق أنها كانت في السنة السادسة، وذكر موسى بن عقبة أنها في السنة الرابعة، وقيل في السنة الخامسة، ولهذا الخلاف أثر في ترتيب أحداثها، وقد بحثه ابن حجر في الفتح. وكان بنو المصطلق، وهم بطن من خزاعة، يعيشون في ناحية قديد قرب البحر، وقد بلغ النبي ﷺ أنهم يجمعون له، وأن قائدهم الحارث بن أبي ضرار.

وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارّون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث. وقد سأل ابن عون نافعًا هل كان يدعو الناس إلى الإسلام قبل القتال، فقال نافع: كان ذلك في أول الإسلام. وفي ذلك أن الإنذار قد تقدّم، وأن بني المصطلق قد بلغتهم الدعوة، ولذلك أغار عليهم غرة.

جويرية بنت الحارث

وقعت جويرية بنت الحارث، وهي ابنة سيد القوم، في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له. فكاتبته على تسع أواق. وروت عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي أخرجه أبو داود وأحمد، وحسّنه جماعة، أنها قالت: كانت جويرية امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها. قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على تسع أواق، فأعني على كتابتي. قال: «فهل لك في خير من ذلك؟» قالت: وما هو؟ قال: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك». قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت. قالت عائشة: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، فأرسلوا ما كان في أيديهم. قالت: فلقد أُعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.

فتنة على الماء

وفي هذا السفر وقعت فتنة كادت تشتعل. روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: «دعوها فإنها منتنة».

وسمع بذلك عبد الله بن أبي بن سلول فقال: قد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقام عمر فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».

زيد بن أرقم

وروى البخاري عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي للنبي ﷺ، فأرسل إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول الله ﷺ وصدّقه. فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت. فقال لي عمي: ما أردتَ إلى أن كذّبك رسول الله ﷺ ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾، فبعث إلي النبي ﷺ فقرأها ثم قال: «إن الله قد صدّقك يا زيد».

وفي هذا ما يبيّن أن النبي ﷺ حكم بالظاهر فيما أخبره به ابن أبي، ثم جاء الوحي ليصدّق من صدق. وفي سورة المنافقين: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾. وأضاف الله في السورة: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾.

وروى الترمذي عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ أخذ بأذنه وقال: «وفت أذنك يا غلام، وفى الله بأذنك»، وهو حديث حسن عند الترمذي.

ابن ابن أبي

وذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان مؤمنًا صادقًا، جاء النبي ﷺ يقول: إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».

وروى الترمذي بإسناد حسن غريب عن جابر أن عبد الله بن عبد الله بن أبي سلّ سيفه عند باب المدينة حين رجعوا وقال لأبيه: والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ وتعلم أنك الأذل ورسوله العزيز. وهذه الرواية تُذكر على أنها حسنة الإسناد عند أهل العلم.

كلمة النبي ﷺ لعمر

وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال لعمر بعد أن تبيّن أمر ابن أبي، ما معناه: كيف ترى يا عمر؟ لو قتلته يوم أشرت علي لغضبت له رجال كثيرة، ولو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه. فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. وفي ذلك درس في حكمة السياسة النبوية وبعد نظرها.

وكان النبي ﷺ يرجع من هذه الغزوة، وفي رجوعهم من هذه الغزوة، على ما ذكره ابن إسحاق، كانت حادثة الإفك، إذ رُمِيت عائشة رضي الله عنها وبرّأها الله من فوق سبع سماوات، وقد بسطها الصحيح عند البخاري ومسلم.

العبرة

العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا لأصحاب الأموال والأنساب. وقد حفظ النبي ﷺ صورة الدولة بترفقه بالمنافق، وكانت بركة زواجه بجويرية سببًا في عتق مائة بيت.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم: حديث ابن عمر في إغارة النبي ﷺ على بني المصطلق، وحديث جابر في دعوى الجاهلية، وحديث زيد بن أرقم في ابن أبي؛ سنن أبي داود ومسند أحمد: حديث عائشة في جويرية بنت الحارث؛ سنن الترمذي: حديث زيد بن أرقم في ﴿وفت أذنك﴾، وحديث جابر في موقف ابن ابن أبي عند باب المدينة؛ القرآن الكريم: سورة المنافقون (1-8)؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق).

الدرجة: ثابت في الصحيحين في أصل القصة؛ وحديث جويرية رواه أبو داود وأحمد وحسّنه جماعة، وحديث الترمذي حسن غريب. أما قصة ابن ابن أبي وكلام النبي ﷺ لعمر فمن رواية ابن إسحاق، وتاريخ الغزوة فيه خلاف بين سنة أربع وخمس وست.