Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

صلح الحديبية: الرواية الكاملة من حديث المسور ومروان في البخاري

النبي ﷺ وعمر بن الخطاب وسهيل بن عمرو وأبو بصير

الخروج إلى العمرة

في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة خرج النبي ﷺ يريد العمرة، ولم يخرج لقتال. روى البخاري في حديث طويل عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنه خرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، وفي الصحيح عن جابر: كنا ألفًا وأربعمائة، وعن سعيد بن المسيب أن أصحاب الشجرة ألف وأربعمائة. وساق الهدي وأشعره وقلّده، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه.

وكان سبب الخروج رؤيا رآها النبي ﷺ أنه يدخل المسجد الحرام آمنًا، وقد أنزل الله فيها في سورة الفتح: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا﴾.

القصواء تبرك

بلغ النبي ﷺ أن قريشًا خرجت بخيلها تحت قيادة خالد بن الوليد إلى كراع الغميم. فقال: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟» فسلك بهم طريقًا وعرًا حتى أفضى إلى أرض سهلة. وحتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحّت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ثم زجرها فوثبت.

ماء الحديبية

نزل النبي ﷺ بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، فلم يلبثوا أن نزحوه فشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. وهذا في صحيح البخاري.

رسل قريش

جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ، فأخبروه أن قريشًا نزلت أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس». وأرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي، فجعل يكلم النبي ﷺ وجعل يتناول لحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأسه بالسيف يضرب يده بنعل السيف ويقول: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فلما رجع إلى قريش قال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيمًا له. وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

بيعة الرضوان

ثم دعا النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه ليبعثه إلى قريش (وكان عمر قد اعتذر لأنه ليس له بمكة عشيرة تحميه)، فاحتبس عثمان، وأُشيع أنه قُتل. وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم». ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة. وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع أنهم بايعوه على الموت، وفي رواية عن جابر: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. وفي الصحيح عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه. وضرب النبي ﷺ بإحدى يديه على الأخرى عن عثمان. وأنزل الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾.

كتابة الصلح

جاء سهيل بن عمرو يفاوض، فلما رآه النبي ﷺ مقبلًا قال: «قد سهل لكم من أمركم». فدعا النبي ﷺ الكاتب، وهو علي بن أبي طالب، فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. ثم قال: «اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». وفي رواية البراء أن عليًّا أبى أن يمحو، فأخذ النبي ﷺ الكتاب فمحاه بيده.

وكان في الصلح: أن يرجع النبي ﷺ عامه هذا ويأتي من قابل فيدخل مكة بسلاح الراكب لا يزيد على ثلاثة أيام، وأن من أتى النبي ﷺ من قريش بغير إذن وليه رده إليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع النبي ﷺ لم يردوه. وذكر ابن إسحاق وغيره أن الهدنة عشر سنين.

أبو جندل وغضب الصحابة

ثم جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده فرمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فرده النبي ﷺ، وذكر ابن إسحاق أنه قال له: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا». فجاء عمر فقال: يا رسول الله ألست نبي الله حقًّا؟ قال: «بلى». قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى». قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري». قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا، أي من الصدقة والصوم والصلاة والعتق، من مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ. ولما فرغ من القضية قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فدخل على أم سلمة وذكر لها ما لقي من الناس، فأشارت عليه أن يخرج فينحر بدنه ويدعو حالقه فيحلق، ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.

عاقبة الصلح

وفي رجوعهم نزلت سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾. روى البخاري ومسلم عن عمر أنه سأل: أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم». ثم جاء أبو بصير مسلمًا فطلبه المشركون فردّه، ففر منهم ونزل بسيف البحر، واجتمع إليه من فرّ من مكة، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فيضمّهم إليه، فمن أتاه فهو آمن. وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غِرّته، فأخذهم سلمًا فاستحياهم، فأنزل الله: ﴿وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾. وجاءت المؤمنات مهاجرات، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾.

وبعد سنتين فُتحت مكة، وكانت أعظم ثمرات هذا الصلح. وذكر ابن هشام عن الزهري ما معناه أنه لم يكن في الإسلام فتح قبل الحديبية أعظم منه، لأن القتال كان حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة أمن الناس بعضهم بعضًا والتقوا وتحدثوا، فلم يكلَّم أحد بالإسلام وهو يعقل إلا دخل فيه، حتى دخل في السنتين بعد الحديبية مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.

العبرة

ما يبدو هزيمة في ظاهره قد يكون فتحًا مبينًا في حقيقته. وقد علّمنا النبي ﷺ أن الطاعة والصبر على الشروط التي تبدو ثقيلة قد تحمل في طياتها نصرًا لا تراه الأبصار.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة (حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم)، وكتاب المغازي، باب غزوة الحديبية (أحاديث البراء وجابر وسلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار)؛ صحيح مسلم: كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية؛ القرآن الكريم: سورة الفتح (1 و18 و24 و27)، سورة الممتحنة (10)؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق): قول الزهري في عاقبة الحديبية ومدة الهدنة.

الدرجة: ثابت في صحيح البخاري ومسلم والقرآن الكريم؛ وقول الزهري ومدة الهدنة (عشر سنين) من رواية ابن إسحاق وابن هشام.