بين الغابة وذي قرد
الغابة موضع قرب المدينة فيه شجر كثير، وذو قرد ماء في ناحية غطفان على بعد من المدينة. وقد جاء ذكر الموضعين لأن اللقاح (النوق ذات اللبن) التي أُغير عليها كانت ترعى في تلك الناحية، وانتهت المطاردة عند ماء ذي قرد. ولهذا تُسمى الغزوة بالاسمين. وأصح ما في الباب حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وترجم له البخاري في كتاب المغازي بقوله: باب غزوة ذات قرد، وهي الغابة، قبل خيبر بثلاث.
أما التاريخ
اختلف أهل السير في وقتها. فذكر ابن إسحاق أنها كانت قبل الحديبية في ربيع الأول من السنة السادسة، لكن الثابت في الصحيحين من حديث سلمة أنهم لم يلبثوا بعدها إلا ثلاث ليال حتى خرجوا إلى خيبر، وخيبر كانت في أول السنة السابعة بعد الحديبية، ولذلك رجّح البخاري وجمع من الشراح أن الغابة كانت بعد الحديبية وقبل خيبر. وهذا من الخلاف الذي يُذكر بأمانة.
الصرخة
روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أُخذت لقاح رسول الله ﷺ. قلت: من أخذها؟ قال: غطفان. قال سلمة: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه. فأسمعت ما بين لابتي المدينة. ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا، وأقول: أنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضّع. فاستنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة.
والرضّع جمع راضع، وهو اللئيم، فمعنى الرجز أن اليوم يوم يظهر فيه لؤم اللئام. وهو رجز معروف في الحرب، يُقصد به تعريف النفس وتقوية العزم وإثارة الخصم.
وحده في الجبل
ووصف سلمة في الحديث كيف بقي يطاردهم وحده: يرميهم بالنبل، ويقف تحت الشجرة إذا أقبل عليه فارس فيرميه، ثم يعلو الجبل ويرميهم بالحجارة. وبقي على ذلك حتى ما خلّف رسول الله ﷺ من بعير إلا جعله وراء ظهره، أي استنقذ كل ما أُخذ من النوق. وأخذ المغيرون يطرحون بُرَدهم ورماحهم يخففون عن أنفسهم، وكان يجعل على كل ما يلقونه حجارة يعرفها أصحاب النبي ﷺ حين يلحقون به. وقد وصف سلمة نفسه في الحديث بأنه كان راميًا، وكان من أسرع الناس عدوًا على قدميه.
مدد الفرسان
وبينما هو كذلك أقبل فرسان رسول الله ﷺ، وفي الحديث أن أولهم الأخرم الأسدي، وعلى إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود. وجاء في الحديث أن الأخرم واجه عبد الرحمن الفزاري واستُشهد، وأن أبا قتادة قتل عبد الرحمن. وتختلف الروايات في تفاصيل من قتل من، لكن الثابت في مسلم أن الأخرم رضي الله عنه استُشهد في تلك الغارة. ويتبين من الحديث أن الفرسان حين لحقوا سلمة كان قد أنجز معظم المهمة.
ملكتَ فأسجح
ثم جاء سلمة النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن القوم عطاش وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في إثرهم. فقال: «يا ابن الأكوع، ملكتَ فأسجح، إن القوم يُقرَون في قومهم». ومعنى أسجح: ارفق وأحسن العفو إذا قدرت، أي إنك قدرت على ما أردت فارفق ولا تتمادَ في الانتقام، فإن هؤلاء القوم لهم في قومهم من يقريهم ويكرمهم. وقد أخذ العلماء من هذه الجملة قاعدة في الحلم عند القدرة.
ثم نحر لهم رسول الله ﷺ ناقة يطعم بها أصحابه. وروى مسلم أن سلمة قال: يا رسول الله، خلّني فأنتخب من أصحابك مائة رجل فأتبع القوم فلا أترك منهم مخبرًا إلا قتلته. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه في ضوء النار وقال: «أتراك كنت فاعلًا؟» قال: نعم والذي أكرمك. فقال: «إنهم الآن ليُقرَون في أرض غطفان». فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين.
الثناء والمكافأة
فلما أصبحوا قال رسول الله ﷺ: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجّالتنا سلمة». ثم أعطى سلمة سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما له، وأردفه وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. وقد وقف العلماء عند هذه المكافأة، فالأصل أن للراجل سهمًا واحدًا وللفارس ثلاثة أسهم عند الجمهور، سهم له وسهمان لفرسه، كما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. وما أعطاه النبي ﷺ سلمة زيادة على الراجل تقديرًا لبلائه، وذلك من الاجتهاد النبوي في تقدير الجهد والمكافأة عليه.
السباق إلى المدينة
وفي ختام الحديث ذكر سلمة أنه في أثناء الرجوع كان رجل من الأنصار لا يُسبق شدًّا، فجعل يقول: ألا من مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فقال سلمة: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ. فاستأذن سلمة النبي ﷺ فقال: «إن شئت» فسبقه إلى المدينة. وهي قصة تدل على سعة صدر النبي ﷺ وأنه كان يأذن بما فيه تدريب وإظهار للقوة دون إيذاء. وختم سلمة حديثه بقوله: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ.
الدروس
أولًا: أن المسلم يتحمل مسؤولية ما يُؤتمن عليه، فسلمة لم ينتظر غيره حين سمع بالنهب، بل صرخ وانطلق.
ثانيًا: أن الله ينصر الفرد الصادق حين يحتسب، فقد استنقذ سلمة اللقاح كلها وحده بتوفيق الله.
ثالثًا: قاعدة الرفق عند القدرة في قوله ﷺ: «ملكتَ فأسجح».
رابعًا: أن النبي ﷺ كان يثني على أصحابه بأسمائهم ويعطي كل ذي فضل فضله.
