الطريق إلى خيبر
بعد صلح الحديبية بنحو شهرين خرج النبي ﷺ إلى خيبر في المحرم من السنة السابعة للهجرة، وخيبر مجموعة من الحصون والمزارع شمالي المدينة كان يسكنها يهود، وفيها من رؤوس يهود بني النضير من أجلاهم النبي ﷺ سابقًا، وقد حرّضوا الأحزاب على المدينة. وكانت خيبر معقلًا للعداء، فرأى النبي ﷺ أن يكفّ شرّها بعد أن أمن جانب قريش بالهدنة. ولم يخرج معه في هذه الغزوة إلا من شهد الحديبية، ذكر ذلك ابن إسحاق، ودل عليه قوله تعالى: ﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل﴾. وقد وعدهم الله في سورة الفتح بمغانم كثيرة فقال: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه﴾، وفسّر المفسرون هذه الغنيمة المعجّلة بغنائم خيبر.
وفي الطريق ارتجز عامر بن الأكوع رضي الله عنه ليحدو بالقوم، وكان عمه، فقال: تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فقال رسول الله ﷺ: «يرحمك الله». وفي الصحيح أن النبي ﷺ ما استغفر لإنسان يخصه في موقف قتال إلا استشهد، فقال عمر: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به، وهو ما رواه البخاري ومسلم من حديث سلمة بن الأكوع.
الصباح في ساحتهم
روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم. قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلًا، فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ، قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخميس. قال: فلجؤوا إلى الحصن. فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين».
الحصون
كانت خيبر ذات حصون متعددة، فذكر ابن إسحاق أن أول ما افتتح النبي ﷺ حصن ناعم، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، ثم حصون الشق والنطاة، ثم قلاع الكتيبة والوطيح والسلالم. وكانت بعض الحصون تُفتح عنوة، وبعضها بصلح. وذكر ابن إسحاق أن المسلمين حاصروا بعضها أيامًا. وكان المسلمون في تلك الأيام في جهد من الطعام، وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما أصاب المسلمون حمرًا أهلية فطبخوها نادى منادي رسول الله ﷺ: أكفئوا القدور، فإن الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنها رجس. وفي رواية عن ابن أبي أوفى: كنا مع النبي ﷺ فأصابتنا مجاعة يوم خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ: أكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئًا. وبهذا كان تحريم لحوم الحمر الأهلية.
عامر بن الأكوع
وفي هذه الغزوة خرج مرحب اليهودي فارس خيبر يرتجز: قد علمت خيبر أني مرحب، شاكي السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. فبرز له عامر بن الأكوع يقول: قد علمت خيبر أني عامر، شاكي السلاح بطل مغامر. فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، وكان سيفه قصيرًا، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامر؟ قال: «من قال ذلك؟» قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال ذلك، إن له لأجرين»، وجمع بين إصبعيه، «إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله». هذا ما رواه مسلم من حديث سلمة، وفيه أيضًا أن النبي ﷺ أرسله إلى علي وكان أرمد فجاء به يقوده، وهذا ما يفصّله حديث سهل بن سعد.
راية علي
وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: «فأرسلوا إليه». فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم».
وحمر النعم هي الإبل الحمر، وهي من أنفس أموال العرب. وفي هذا الحديث أصل عظيم: أن المقصود من الجهاد هداية الناس وإقامة الحق، لا القتل. وقد قال ابن حجر وغيره إن في الحديث فضيلة لعلي رضي الله عنه، وأن ما يُفتح على يد القائد من فضل الله.
مبارزة مرحب
وذكر مسلم في حديث سلمة أن عليًّا خرج إلى مرحب وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره، كليث غابات كريه المنظره، أوفيهم بالصاع كيل السندره. قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. وقال ابن إسحاق إن قتل مرحب نُسب أيضًا إلى محمد بن مسلمة رضي الله عنه في بعض الروايات، وما في صحيح مسلم هو الأصل.
من أخبار الغزوة
ومن الأخبار الثابتة في خيبر ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار». فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فكثرت به الجراح، فجاء رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح؟ فقال النبي ﷺ: «أما إنه من أهل النار». فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهمًا فانتحر بها. فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله صدّق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله». ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
وكذلك ما رواه البخاري ومسلم من قصة مِدعَم، وهو غلام أهداه رفاعة بن زيد الجذامي، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ بوادي القرى بعد خيبر إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال رسول الله ﷺ: «كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارًا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم». ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبته يوم خيبر. فقال: «شراك من نار، أو شراكان من نار».
انتصار المسلمين
وانتهت المعركة بفتح الحصون على المسلمين. وذكر ابن إسحاق أنه قُتل من المسلمين في خيبر عدد قليل، نحو خمسة عشر رجلًا، وقُتل من اليهود عدد أكبر. وكانت خيبر أعظم الغنائم التي أصابها المسلمون إلى ذلك الوقت، قالت عائشة رضي الله عنها: لما فُتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر. رواه البخاري. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.
