Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺمشهورمدة القراءة نحو ٦ دقائق

أرض خيبر بعد الفتح: المساقاة والغنائم وقدوم جعفر والسم في الشاة

النبي ﷺ وأهل خيبر وجعفر بن أبي طالب

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

خيبر في يد المسلمين

بعد أن فُتحت خيبر صارت أرضها ونخيلها في يد المسلمين، لكن أهلها اليهود كانوا أهل الخبرة بالزراعة، والمسلمون مشغولون بالجهاد. فاتفق الطرفان على أن يبقى اليهود في الأرض يعملون فيها بنصف الثمر. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. وفي رواية: إن النبي ﷺ قال لهم: «نقركم على ذلك ما شئنا». وهذه هي المساقاة والمزارعة التي استدل بها الفقهاء على جوازها.

الخرص والعدل

وكان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أهل خيبر فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه. روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها هذا الأمر. وروى مالك في الموطأ مرسلًا أن اليهود حين أرادوا أن يرشوه ليخفف عنهم قال: يا أعداء الله، تطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وهذا الخبر مرسل فيُذكر على أنه مروي.

تقسيم الغنائم

وأما الغنائم فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط. وروى أبو داود عن بشير بن يسار مرسلًا أن النبي ﷺ قسم خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. وهذا في إسناده إرسال، لكن أهل العلم تلقّوا القسمة في الجملة بالقبول.

وفي الصحيح أن النبي ﷺ أسهم لأصحاب السفينة الذين قدموا مع جعفر من الحبشة وإن لم يشهدوا القتال. روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم في بضع أو ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر. وكان أناس من الناس يقولون لنا، يعني لأهل السفينة: سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ، ونحن كنا نؤذى ونخاف. فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا. قال: «فما قلت له؟» قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان». وجاء في الصحيح بيان أنه ﷺ لم يقسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئًا من غنائمها إلا لأصحاب السفينة مع جعفر رضي الله عنه، فقسم لهم معهم.

وقد رُوي أن النبي ﷺ قال لما رأى جعفرًا: «ما أدري بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر»، وفي إسناده مقال، فيُذكر على أنه مروي.

صفية بنت حيي

وفي سبي خيبر وقعت صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت من بني النضير. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن دحية الكلبي طلب جارية من السبي، فقال له النبي ﷺ: «اذهب فخذ جارية». فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك. قال: «ادعوه بها»، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال لدحية: «خذ جارية من السبي غيرها». قال: فأعتقها النبي ﷺ وتزوجها. فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها. ثم صنع الوليمة بتمر وأقط وسمن، وقال الصحابة: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطّأ لها خلفه ومدّ الحجاب بينها وبين الناس. وهو في البخاري.

الشاة المسمومة

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فُتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: «اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود»، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ: «من أبوكم؟» قالوا: فلان. فقال: «كذبتم بل أبوكم فلان». قالوا: صدقت وبررت. فقال: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم: «من أهل النار؟» قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ: «اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا». ثم قال: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» فقالوا: نعم. قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟» قالوا: نعم. قال: «ما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك.

وفي رواية أنس عند البخاري ومسلم أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك. قال: «ما كان الله ليسلطك على ذاك». قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا». قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ. وقد اختلفت الروايات في مصيرها، فروى أبو داود أن بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه أكل منها فمات، وأن النبي ﷺ قتلها قصاصًا، وجمع العلماء بين الروايات بأنه عفا عنها أولًا ثم قتلها لما مات بشر. وروى البخاري معلقًا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم».

مصير اليهود في خيبر

بقي اليهود في خيبر مزارعين في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر خلافة عمر. وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، أي اعتدوا عليه فخلعوا مفاصل يديه ورجليه، قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: «نقركم ما أقركم الله»، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. وقد استدل الفقهاء بما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».

حديث فدك

وأما فدك فقد صالح أهلها النبي ﷺ على نصف الأرض، فكانت خالصة له لأنها مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. روى أبو داود ذلك، وهو في كتب السير. وبعد وفاة النبي ﷺ طلبت فاطمة رضي الله عنها ميراثها من فدك وخيبر، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة»، وإني لا أغير شيئًا من صدقات رسول الله ﷺ عن حالها. رواه البخاري ومسلم.

العبرة

العدل مع المخالف جزء من الدين، فلا يظلم المسلم أحدًا حتى في تقدير الثمر. وللمهاجرين الذين تحملوا الأذى فضل هجرتين، والعمل بميزان الشرع لا بميزان الهوى.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم: حديث ابن عمر في معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، وحديث أبي هريرة في غنائم خيبر والشاة المسمومة، وحديث أنس في المرأة اليهودية وفي صفية، وحديث أبي موسى الأشعري في قدوم جعفر وأسماء، وحديث ابن عباس في وصية النبي ﷺ؛ سنن أبي داود: حديث عائشة في خرص ابن رواحة، ومرسل بشير بن يسار في قسمة خيبر، وخبر بشر بن البراء؛ موطأ مالك: خبر ابن رواحة (مرسل)؛ صحيح البخاري (معلقًا): حديث عائشة في أكلة خيبر.

الدرجة: ثابت في صحيحي البخاري ومسلم في الأصل. وحديث بشير بن يسار في تقسيم خيبر مرسل، وخبر ابن رواحة في الموطأ مرسل، وقوله ﷺ في سرورِه بقدوم جعفر فيه مقال. وحديث أكلة خيبر ذكره البخاري معلقًا.