لماذا مؤتة؟
مؤتة موضع في أرض البلقاء بالشام، في جنوب الأردن اليوم. وكانت أول مواجهة كبرى بين المسلمين والروم، وسببها أن النبي ﷺ أرسل الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه برسالة إلى حاكم بصرى، فاعترضه شرحبيل بن عمرو الغساني وقتله. وقتل الرسل لا يجوز في الأعراف، فرأى النبي ﷺ أن يجهز جيشًا لمعاقبتهم، كما ذكر ابن إسحاق. وهي من أشد ما أصاب المسلمين في العهد النبوي.
الأمراء الثلاثة
جهز النبي ﷺ ثلاثة آلاف مقاتل، وأمّر عليهم زيد بن حارثة. روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة». قال عبد الله بن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.
وقد أوصاهم النبي ﷺ وصية عظيمة في آداب القتال. روى مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدًا». وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ شيّعهم إلى ثنية الوداع، وأوصاهم أن يدعوا إلى الإسلام، وألا يقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا كبيرًا فانيًا، ولا يقطعوا شجرًا ولا يهدموا بناء.
الوداع
وذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن رواحة بكى حين ودّع، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًّا﴾، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود. وهذه من أخبار السيرة، وقد قال بعض أهل العلم إن في سندها مقالًا.
لقاء الجموع
وصل المسلمون إلى معان، فبلغهم أن هرقل نزل في البلقاء في جمع عظيم، وذكر ابن إسحاق أن عدد الروم ومن معهم من العرب مائتا ألف، وهو عدد كبير جدًّا لا يمكن الجزم به، فيُذكر على أنه من رواية السير. فأقاموا في معان ليلتين يتشاورون، فقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدّنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فشجعهم عبد الله بن رواحة فقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضوا حتى لقوا العدو في مؤتة.
الراية الأولى
التقى الجيشان. فقاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه حتى قُتل مطعونًا بالرماح. وكان النبي ﷺ يحبه حبًّا شديدًا، وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب. وذكر أبو داود بإسناد حسن عن رجل من بني مرة أنه قال: كأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتل. وذكر ابن إسحاق أن جعفرًا قطعت يمينه فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره فاحتضنه بعضديه حتى قُتل. وروى البخاري عن ابن عمر أنه كان إذا حيّا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. وفي الحديث الذي رواه الترمذي والحاكم أن النبي ﷺ قال: «رأيت جعفرًا ملكًا يطير في الجنة ذا جناحين مضرجًا بالدماء»، وقد صحّح بعض أهل العلم ما ورد في ذلك من الأحاديث.
عبد الله بن رواحة
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وتردد قليلًا ثم أنشد: أقسمت يا نفس لتنزلنه، لتنزلن أو لتكرهنه، إن أجلب الناس وشدوا الرنه، ما لي أراك تكرهين الجنه. وقد ذكر ابن إسحاق أنه أخذ عرقًا من لحم فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟ ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قُتل.
ثابت بن أقرم وخالد
ثم أخذ ثابت بن أقرم الراية، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وانحاز عنه، حتى انصرف بالناس. وفي صحيح البخاري عن خالد رضي الله عنه قال: لقد دُقّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.
النبي ﷺ يخبر بالمدينة
وأعظم ما في القصة أن النبي ﷺ أخبر أصحابه بالمعركة وهو في المدينة قبل أن يأتي الخبر. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم».
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد جاءهم ما يشغلهم». وفي رواية عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي ﷺ أتاها وهي تمرس عجينًا فقال: «ائتيني ببني جعفر»، وجعل يشمهم ودمعت عيناه، وقال: «قُتل اليوم جعفر».
وأما مصير الجيش، فقد رجع المسلمون إلى المدينة، وذكر ابن إسحاق أن بعض الناس كانوا يحثون التراب في وجوه الجيش ويقولون: يا فرّار فررتم في سبيل الله، فقال النبي ﷺ: «ليسوا بالفرّار ولكنهم الكرّار إن شاء الله». وقد ورد هذا في بعض الروايات وفي إسناده مقال. وقد رأى بعض أهل العلم أن ما فعله خالد في انحيازه بالجيش كان تدبيرًا حكيمًا حفظ الله به الأمة من هلاك محقق.
