نقض الهدنة
بعد صلح الحديبية دخل في عهد النبي ﷺ قبيلة خزاعة، ودخلت بنو بكر في عهد قريش. وبعد نحو سنة ونصف من الهدنة اعتدت بنو بكر على خزاعة ليلًا عند ماء يسمى الوتير، وذكر ابن إسحاق أن قريشًا أعانتهم بالسلاح وببعض الرجال متخفين. فكان ذلك نقضًا للعهد من قريش، لأن الحلفاء جزء من العهد. وخرج عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة حتى قدم على النبي ﷺ وهو جالس في المسجد بين أصحابه، فأنشده أبياتًا يستنصره فيها، منها: لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا. فقال له النبي ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم». وهذا من أخبار ابن إسحاق، وقد تلقاه أهل السير بالقبول.
ندم قريش
وندمت قريش على ما صنعت، فخرج أبو سفيان بن حرب إلى المدينة ليشدّ العقد ويزيد في المدة. وذكر ابن إسحاق أنه دخل على ابنته أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ مشرك نجس. ثم كلّم النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئًا، وكلم أبا بكر وعمر وعليًّا فلم يجيبوه، فرجع إلى مكة بغير نتيجة.
التعتيم والتحضير
ثم أمر النبي ﷺ بالتجهز، وأخفى وجهته، وطلب من الله أن يعمّي الأخبار على قريش. وذكر ابن إسحاق أنه دعا: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها». وأراد بذلك أن تُفتح مكة بغير قتال، فلا تُسفك دماء في الحرم.
كتاب حاطب
لكن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وكان من أهل بدر، كتب إلى قريش كتابًا يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ، وأرسله مع امرأة. روى البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها». فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «يا حاطب، ما هذا؟» قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «لقد صدقكم». فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
وفي هذا نزل أول سورة الممتحنة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾. وفي القصة حكم عظيم: أن مجرد التجسس بحسن نية وخطأ تأويل لا يخرج من الإسلام، وأن من كان له سابقة عظيمة لا تُهدر بخطيئة. وفيها كذلك أن النبي ﷺ أخذ بوحي الله ولم يؤخذ بخفاء الأمر.
الخروج في رمضان
ثم خرج النبي ﷺ في العاشر من رمضان في السنة الثامنة. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد، وهو ماء بين عسفان وقديد، أفطر وأفطروا. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأصحابه لما دنوا من عدوهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم»، فكانت رخصة وعزيمة للتقوّي على اللقاء.
مر الظهران
ونزل النبي ﷺ بمر الظهران، قرب مكة، وأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدوا عشرة آلاف نار. وذكر ابن إسحاق أن قريشًا أرسلت أبا سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الخبر، فلما رأوا النيران قال أبو سفيان: ما هذه؟ كأنها نيران عرفة. فقال بديل: نيران بني عمرو. فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. وكان العباس بن عبد المطلب قد التحق بالنبي ﷺ قبل ذلك، فلما سمع صوت أبي سفيان قال: أبا حنظلة؟ قال: أبو الفضل؟ قال: نعم. قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ قال: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله. فركب معه على بغلة النبي ﷺ البيضاء، فأتى به النبي ﷺ. وأراد عمر أن يقتله، فأجاره العباس.
إسلام أبي سفيان
وفي الصباح قال له النبي ﷺ على ما ذكره ابن إسحاق: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟» فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد. ثم أسلم.
وقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا. قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن». هذه رواية ابن إسحاق، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة نحوها: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ أوقف أبا سفيان بمضيق الوادي ليرى جنود الله وهي تمر، فمرّت القبائل كتيبة بعد كتيبة، فكلما مرت كتيبة سأل: من هؤلاء؟ فيقول العباس: سليم. فيقول: ما لي ولسليم. حتى مرت كتيبة الأنصار رضي الله عنهم.
راية سعد
وفي صحيح البخاري عن عروة أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال لأبي سفيان وهو يمر به: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الكعبة. وذكر ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للعباس بعدها: حبذا يوم الذمار. فلما مرّ النبي ﷺ ذكر له أبو سفيان ما قال سعد، فقال النبي ﷺ: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة». وأمر النبي ﷺ أن تُنزع الراية من سعد فتُدفع إلى ابنه قيس، ثم أمر أن تُركز رايته بالحجون. وهذه تفاصيل الرواية في البخاري عن عروة مع بعض اختلاف في الألفاظ.
وهكذا، فأعلن النبي ﷺ أن هذا اليوم لا يكون يوم انتقام، بل يوم تعظيم للحرم وتطهير للبيت من الأصنام.
