الدخول من أربع جهات
لما بلغ النبي ﷺ مكة قسم جيشه. وذكر أهل السير أن خالد بن الوليد دخل من أسفل مكة، والزبير من أعلاها، وأبو عبيدة بن الجراح في المقدمة من الطريق الوسط. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسّر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة. قال: فنظر فرآني فقال: «أبو هريرة؟» قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: «لا يأتيني إلا أنصاري». فأطافوا به. فقال: «ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصدوهم حصدًا، حتى توافوني بالصفا». قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئًا. فقال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. ثم قال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
وذكر ابن إسحاق أن خالد بن الوليد لقيه نفر من قريش عند الخندمة، منهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فقاتلوهم، فقتل من المشركين نحو اثني عشر رجلًا، واستشهد من المسلمين اثنان، ثم انهزم المشركون.
دخوله ﷺ
وقد دخل النبي ﷺ مكة متواضعًا لله. روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر. وذكر ابن إسحاق وغيره أنه دخل وهو يطأطئ رأسه تواضعًا لله حتى إن لحيته لتكاد تمس واسطة الرحل. وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو على ناقته يقرأ سورة الفتح، يرجّع فيها.
ابن خطل
وعند دخوله قيل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: «اقتلوه». رواه البخاري ومسلم عن أنس. وكان ابن خطل قد أسلم ثم ارتد وقتل مسلمًا وكان يهجو النبي ﷺ. وذكر ابن إسحاق وغيره أنه استثنى نفرًا آخرين من العفو بسبب جرائم خاصة، ثم عفا عمن جاء مستأمنًا منهم. ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، شفع له عثمان رضي الله عنه، كما رواه أبو داود بإسناد حسن.
الأصنام
ثم دخل المسجد الحرام وقد أحاط بالكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، ﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾. وذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان يشير إليها بعصاه فتسقط على وجوهها، وأنه طاف على راحلته واستلم الركن بمحجن.
الكعبة
وأمر بإخراج الصور من الكعبة. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال النبي ﷺ: «قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط». ثم دخل البيت فكبّر في نواحيه ولم يصلّ فيه. وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه، ومكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع النبي ﷺ؟ قال: جعل عمودًا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. وقد جمع العلماء بين خبر ابن عباس في أنه لم يصلّ، وخبر بلال في أنه صلى، فقدّموا خبر بلال لأن المثبت مقدّم على النافي، وحملوا خبر ابن عباس على أنه لم يصلّ حين دخل أول مرة والصور فيها.
مفتاح الكعبة
ثم أخذ النبي ﷺ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فدخلها. وذكر المفسرون أن آية النساء: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ نزلت في ذلك حين رد النبي ﷺ المفتاح إلى عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة، وهو قول مشهور في كتب التفسير، وقد نبّه بعض أهل العلم على أن إسناده مرسل.
الخطبة
وخطب النبي ﷺ في الناس من الغد. روى البخاري ومسلم عن أبي شريح العدوي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشاهد الغائب». وفي حديث ابن عباس عند البخاري ومسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
العفو
ثم قال النبي ﷺ لقريش: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذا الخبر ذكره ابن إسحاق وتناقله أهل السير، وفي إسناد بعض طرقه ضعف، لكن معناه ثابت في الصحيح من عفوه عن أهل مكة وإقراره لهم بالأمان. وأجارت أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها رجلين من أحمائها، وكان علي رضي الله عنه يريد قتلهما، فقال النبي ﷺ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». وصلى يومئذ ثماني ركعات ضحى، كما روت أم هانئ في الصحيحين.
إقامة مكة
أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، كما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. وذكر أهل السير أنه بعث السرايا لهدم الأصنام المحيطة بمكة كالعزى وسواع ومناة.
سورة النصر
وقد أشارت إلى هذا الفتح سورة النصر، وهي من أواخر ما نزل: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. وقال ابن عباس إن عمر سأله وأصحاب بدر عن الآية، ثم قال: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له. رواه البخاري. فكان الفتح إيذانًا باقتراب لقاء الله.
