Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

غزوة حنين: ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ والثبات بعد الفرار

النبي ﷺ والعباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو طلحة

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هوازن تتجمع

بعد فتح مكة بأيام قليلة بلغ النبي ﷺ أن هوازن وثقيف تجمعوا لقتاله بقيادة مالك بن عوف النصري. وذكر ابن إسحاق أن مالكًا ساق معه أموالهم ونساءهم وأبناءهم ليكونوا وراء الجيش فلا يفرّ المقاتل، وأن دريد بن الصمة، وهو شيخ كبير مجرّب، اعترض على هذه الخطة وقال إن المنهزم لا يردّه شيء، فلم يقبل مالك رأيه. وهذه من أخبار السيرة، وفي الصحيح ذكر دريد بن الصمة في خبر مقتله على يد جيش أبي عامر في أوطاس.

الجيش الكثير

خرج النبي ﷺ في اثني عشر ألفًا، عشرة آلاف ممن جاؤوا لفتح مكة وألفان من أهل مكة الذين أسلموا حديثًا ويسمون الطلقاء، كما ذكر ابن إسحاق. وكان أكبر جيش للمسلمين إلى ذلك الوقت. وروي أن بعضهم قال: لن نُغلب اليوم من قلة. وقد أشار القرآن إلى هذا الإعجاب بالكثرة وبيّن عاقبته، قال تعالى: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾.

الكمين في الوادي

وصل المسلمون إلى وادي حنين فجرًا، وكان وادٍ ضيقًا منحدرًا. وكان مالك بن عوف قد أخفى رجاله في شعاب الوادي ومضايقه. روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه حين سأله رجل: أفررتم يا أبا عمارة يوم حنين؟ فقال: لا والله، ما ولى رسول الله ﷺ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حُسَّرًا ليس عليهم كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر، فرشقوهم رشقًا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ.

وذكر ابن إسحاق أن المسلمين انكشفوا، ورجع الناس، وقد ذكر الله ذلك: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾.

الثبات

وكان رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها. قال البراء: فنزل واستنصر وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». ثم صفّهم. وفي رواية لمسلم عن البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ. وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولّون وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل. وهو حديث حسن عند الترمذي.

نداء العباس

وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء. فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبَل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «أي عباس، ناد أصحاب السمرة». قال العباس، وكان رجلًا صيّتًا: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: «هذا حين حمي الوطيس». قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد». قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدّهم كليلًا وأمرهم مدبرًا.

وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه ﷺ لما غشيه المشركون نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: «شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولّوا مدبرين، فهزمهم الله.

السكينة والجنود

وفي ذلك قال الله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾. وفسّر ابن كثير الجنود بأنهم الملائكة. وروى ابن جرير وغيره في تفسير هذه الآية روايات عن بعض الصحابة في وصف رجال بيض على خيل بلق، وفي أسانيدها مقال، فلا يُجزم بتفاصيلها.

أبو قتادة وسلب القتيل

وفي حنين قال النبي ﷺ: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه». وروى البخاري ومسلم أن أبا قتادة الأنصاري رضي الله عنه قتل رجلًا من المشركين، وأخذ رجل آخر سلبه، فقام أبو قتادة وقال: من يشهد لي؟ فشهد له رجل، فقال رجل: صدق، سلبه عندي فأرضه من حقه. فقال أبو بكر: لاها الله إذًا، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ: «صدق، فأعطه إياه». قال أبو قتادة: فأعطانيه، فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.

أوطاس

وبعد الهزيمة تفرق المشركون. فبعث النبي ﷺ أبا عامر الأشعري على جيش إلى أوطاس. روى البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقُتل دريد وهزم الله أصحابه. وقد رُمي أبو عامر بسهم في ركبته فاستُشهد، فدعا له النبي ﷺ فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس». ودعا لأبي موسى فقال: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا».

وقفة مع الآيات

الآية في سورة التوبة تعلّم المسلمين شيئًا: أن الكثرة ليست سبب النصر، وأن الله قد يبتلي من أعجب بنفسه. ومع ذلك فإن الله تاب عليهم وأنزل سكينته. وقد ذكر ابن كثير والسعدي أن في ذلك درسًا في أن النصر من عند الله وحده، وأن الإعجاب بالنفس من أسباب الخذلان. وأن السكينة تنزل على من ثبت.

العبرة

الكثرة والعدة لا تغني من دون عون الله، والثبات في اللحظة الحرجة من علامات القيادة الصادقة. وقد تاب الله على من فرّ ثم ثبت، فالباب مفتوح للتوبة.

المصدر: القرآن الكريم: سورة التوبة (25-27)؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، وباب قول الله تعالى ﴿ويوم حنين﴾ (حديث البراء بن عازب وحديث أبي موسى الأشعري وحديث أبي قتادة)؛ صحيح مسلم: كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين (حديث العباس بن عبد المطلب وحديث البراء وحديث سلمة بن الأكوع)؛ سنن الترمذي: حديث ابن عمر في عدد من ثبت؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق).

الدرجة: ثابت في القرآن الكريم + صحيحي البخاري ومسلم. وخبر مالك بن عوف ودريد بن الصمة وعدد الجيش من رواية ابن إسحاق، وما رُوي عن رجال بيض على خيل بلق في تفسير الجنود في أسانيده مقال.