Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

قسمة غنائم حنين في الجعرانة: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ وعتاب الأنصار

النبي ﷺ والأنصار وحديثو الإسلام

الجعرانة

بعد حنين والطائف نزل النبي ﷺ بالجعرانة، وهي موضع قريب من مكة، وفيه حُبس السبي والغنائم. وذكر ابن إسحاق أن ما غنمه المسلمون من هوازن كان نحو ستة آلاف من السبي، وأعدادًا كبيرة من الإبل والغنم والفضة. وهي أرقام تُذكر على أنها من رواية السير. وقد أخّر النبي ﷺ القسمة رجاءً أن يأتيه وفد هوازن تائبين، فروى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان أنه انتظرهم بضع عشرة ليلة، فلما تبيّن له أنهم لا يأتون قسم الغنائم.

من هم المؤلفة قلوبهم؟

ذكر الله في آية الصدقات من أصناف المستحقين: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾. وهم من يُراد تثبيت قلوبهم على الإسلام أو ترغيبهم فيه. وقد جعل النبي ﷺ لهم في غنائم حنين نصيبًا كبيرًا. روى مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس شعرًا يعاتب فيه، فقال رسول الله ﷺ: «اقطعوا عني لسانه»، فأعطوه حتى رضي، وهو ما رواه مسلم أيضًا بلفظ يقارب هذا المعنى.

وروى مسلم عن صفوان بن أمية رضي الله عنه قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ. وهذا من أروع ما يُروى في أثر الإحسان في القلوب.

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رجالًا من قريش أسلموا يوم الفتح، وكان النبي ﷺ يعطي الرجل مائة من الإبل. وقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.

وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ أعطى رجلًا غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وهذه كلها شواهد على سياسة التأليف التي استعملها النبي ﷺ في ذلك الوقت، وهي سياسة ربانية: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾، ثم أبقى الفضل لأصحابه الأوائل بدل الدنيا.

الأعراب والرداء

وروى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه كان مع النبي ﷺ ومعه الناس مقبلًا من حنين، فعلقت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي ﷺ فقال: «أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا». وروى أبو داود والنسائي أنه أخذ وبرة من سنام بعير فقال: «ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم». وهو حديث حسن.

ذو الخويصرة

وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل. قال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية». وقد ذكر العلماء أن هذا الرجل هو ذو الخويصرة التميمي، وأن الحديث أصل في ظهور الخوارج.

الأنصار

وبلغ الأنصار أن النبي ﷺ أعطى قريشًا ولم يعطهم. روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما: التفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار»، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك. ثم التفت عن يساره فقال: «يا معشر الأنصار»، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك. وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: «أنا عبد الله ورسوله»، فانهزم المشركون، فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئًا. فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وتعطى الغنائم غيرنا. فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟» فسكتوا. فقال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟» قالوا: بلى. فقال النبي ﷺ: «لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت وادي الأنصار».

وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم عن أنس أيضًا: لما أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، فطفق يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحدًا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال النبي ﷺ: «فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به». فقالوا: يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: «ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض». قال أنس: فلم نصبر.

وذكر ابن إسحاق وأحمد في الرواية أن الأنصار بكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمًا وحظًّا. وفي حديث البخاري عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال النبي ﷺ: «الأنصار شعار والناس دثار، ولو لا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار». وروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه ﷺ قال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار».

هوازن تعود

ثم جاء وفد هوازن بعد القسمة مسلمين، وطلبوا ردّ ما أُخذ منهم. وسيأتي أن النبي ﷺ خيّرهم بين السبي والمال فاختاروا السبي، وقام فخطب المسلمين، وأعاد لهم النساء والأطفال، ومن رغب في إبقاء نصيبه عوّضه من أول فيء. رواه البخاري. ثم اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة. روى البخاري عن أنس أنه ﷺ اعتمر أربع عمر، منها عمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين.

العبرة

السياسة النبوية في الأموال سياسة قلوب قبل أن تكون سياسة أرقام. فأعطى النبي ﷺ من يحتاج إلى تأليف، وربّى الأنصار على الرضا بما عند الله، وبيّن أن الوجود مع رسول الله ﷺ أغلى من كل غنيمة.

المصدر: القرآن الكريم: سورة التوبة (60)، سورة الحشر (7)؛ صحيح البخاري: حديث المسور ومروان في القسمة وعودة هوازن، وحديث جبير بن مطعم في الأعراب، وحديث أنس في عتاب الأنصار، وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم في قوله ﴿الأنصار شعار﴾، وحديث أنس في عُمَره ﷺ؛ صحيح مسلم: حديث رافع بن خديج في المئة من الإبل، وحديث صفوان بن أمية، وحديث جابر في ذي الخويصرة، وحديث أنس في الأنصار، وحديث زيد بن أرقم؛ سنن أبي داود والنسائي: حديث الوبرة؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق).

الدرجة: ثابت في صحيحي البخاري ومسلم. وحديث الوبرة في أبي داود والنسائي حسن. وأعداد السبي والغنائم من رواية ابن إسحاق، وبكاء الأنصار حتى أخضلوا لحاهم في رواية أحمد وابن إسحاق.