الاستنفار
غزوة تبوك آخر غزوات النبي ﷺ، وكانت في رجب من السنة التاسعة للهجرة، وسميت جيش العسرة لشدة الحال التي كان عليها المسلمون. روى البخاري عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، وعدوًّا كثيرًا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد. وكان المسلمون مع رسول الله ﷺ كثيرًا، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان.
وذكر ابن إسحاق أن سبب الغزوة بلوغ النبي ﷺ خبر تجمّع الروم وحلفائهم من العرب على حدود الشام، وكان وقت الغزوة في الصيف وحين طابت الثمار وطلب الظلال. وقد وصف القرآن ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾. وقال: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾.
الإنفاق
حثّ النبي ﷺ الصحابة على الإنفاق. وروى البخاري معلقًا والترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من جهّز جيش العسرة فله الجنة»، فجهزه عثمان. وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهّز جيش العسرة، فنثرها في حجره، فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم»، يرددها مرارًا. والحديث حسّنه الترمذي.
وروى أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وجاء بعضهم بما قل، فسخر منهم المنافقون. قال تعالى: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾. وقد روى البخاري ومسلم في سبب نزولها قصة أبي عقيل الذي تصدق بصاع وتصدق عبد الرحمن بن عوف بكثير، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا.
البكاؤون
وجاء قوم يطلبون الحملان فلم يجدوه. قال تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾. وذكر ابن إسحاق أسماء سبعة هم البكاؤون منهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وعبد الله بن مغفل. وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم. فقال: «والله لا أحملكم على شيء». ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينًا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ وجد في نفسه عليّ. فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال النبي ﷺ. فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبد الله بن قيس. فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك. فلما أتيته قال: «خذ هذين القرينين وهذين القرينين، لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد، فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله، أو إن رسول الله ﷺ، يحملكم على هؤلاء فاركبوهن». وقال ﷺ: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها».
المتخلفون
وتخلف المنافقون بأعذار كاذبة. قال تعالى: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا﴾، وقال: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون﴾. وتخلف نفر من المؤمنين لا لنفاق، منهم الثلاثة الذين خُلّفوا، وأبو خيثمة الذي لحق بالجيش بعد مدة، وسيأتي ذكرهم. وقد استخلف النبي ﷺ على المدينة، وخلّف عليًّا رضي الله عنه في أهله، فقال له: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي». رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص.
الطريق
خرج النبي ﷺ بنحو ثلاثين ألفًا على ما ذكره ابن إسحاق ومن تبعه. وفي الطريق مروا بالحِجْر، ديار ثمود. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ لما مرّ بالحجر قال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم». وفي رواية أنه أمر بألا يشربوا من مائها ولا يتوضؤوا منه، وأن يعلفوا الإبل ما عجنوا به. وقد قنّع رأسه وأسرع بالسير.
وفي مسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك... فقال: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي». فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ: «هل مسستما من مائها شيئًا؟» قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، فاستقى الناس. ثم قال: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا».
في تبوك
أقام النبي ﷺ بتبوك نحو عشرين يومًا. روى أبو داود وأحمد عن جابر رضي الله عنه: أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة. ولم يلقَ كيدًا من الروم، فقد تفرق العدو. وجاءه صاحب أيلة يوحنا بن رؤبة فصالحه على الجزية. روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «اخرصوا»، وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: «أحصي ما يخرج منها». فلما أتينا تبوك قال: «أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقم أحد، فمن كان له بعير فليشدد عقاله». وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بردًا، وكتب له ببحرهم. وبعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، فأخذه وأتى به النبي ﷺ فصالحه، كما ذكر ابن إسحاق.
الرجوع
وفي طريق العودة هم نفر من المنافقين بالفتك بالنبي ﷺ في العقبة. روى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «في أصحابي اثنا عشر منافقًا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، وأربعة...». وكان حذيفة صاحب سر النبي ﷺ في المنافقين. وقيل إن قوله تعالى: ﴿وهمّوا بما لم ينالوا﴾ نزل في ذلك. ثم نزل في عودته خبر مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، فنزل قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ وأمر النبي ﷺ بهدمه.
وهكذا انتهت أعظم رحلة عسكرية في عهد النبي ﷺ دون قتال، ولكنها كانت إعلانًا لقوة المسلمين على حدود الشام، وفرزًا للصفوف بين المؤمنين والمنافقين. وسمّى القرآن سورة التوبة الفاضحة لأنها كشفت ما في القلوب.
