Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٠ دقائق

هود عليه السلام: قوم عاد ومن أشد منا قوة؟

هود عليه السلام

قومٌ مكّن الله لهم

بعد نوح عليه السلام وطوفانه، تتابعت الأجيال، وكان من الأمم التي استخلفها الله في الأرض قوم عاد. ويذكّرهم هود عليه السلام بهذه النعمة في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فهم خلفاء بعد قوم نوح، وقد زادهم الله بسطة في الخلق، أي قوة وعظم أجسام، كما فسّره السلف ونقله ابن كثير. وقال تعالى عنهم: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، وهي إشارة إلى عاد الأولى. وقد ذكر ابن كثير في هذا الموضع أن بعض الناس يحكي أن «إرم» مدينة بناها شداد بن عاد من ذهب وجواهر وأنها تظهر في بعض الأزمان، ونبّه إلى أن هذا من خرافات الإسرائيليات التي لا تصح، فلا نعتمدها.

وكانوا بالأحقاف، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. والأحقاف جمع حِقف وهو الرمل المستطيل المعوجّ، وقد قال ابن كثير في تحديد مكانها: إنها بلاد باليمن بين عمان وحضرموت، وهو قول نُقل عن بعض السلف، ولا يوجد نص صحيح مرفوع في تعيينه. ونكتفي بما ذكره القرآن: أنهم أصحاب أرض رمليّة.

ولا يثبت في صحيح السنة نسب هود عليه السلام ولا اسم والده ولا مدة حياته، والقرآن إنما يقول: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، أي واحدًا منهم، وهذا من تمام الحجة عليهم، فهو يعرفونه وقد عاشوا معه. ولم يرد في الصحيح موضع قبره، وما يُنسب في ذلك إلى بعض الأماكن فلم يثبت.

دعوة التوحيد

بدأ هود دعوته بما بدأ به الأنبياء قبله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. وفي سورة هود: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فعرض عليهم التوحيد، ورفع عن نفسه تهمة الطمع، فهو لا يسأل مالًا.

ثم ذكّرهم بنعم الله، وأشار إلى موضع خلل في تصرفاتهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. قال المفسرون في «الريع» إنه المكان المرتفع من الأرض أو الطريق، فكانوا يبنون على المرتفعات أبنية ظاهرة لا حاجة لهم فيها، عبثًا ومفاخرة، وتتخذون «مصانع» أي حصونًا ومنشآت متقنة، يحسبون أنها تدوم لهم، وإذا بطشوا بطشوا قاسين. فجمع لهم ثلاثة عيوب: العبث، وطول الأمل، والظلم.

ثم أعاد تذكيرهم بالنعم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وأخبرهم كيف يزيدهم الله قوة: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. فقوتهم الأصلية بيد الله، والاستغفار طريق زيادتها. قال ابن كثير وغيره: وعدهم بالمطر المدرار وبزيادة القوة إلى قوتهم.

حجج العناد

فكان ردّهم قاسيًا. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فرمَوه بالسفاهة وبالكذب. فأجابهم بحلم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾. فلم يرد على الإساءة بمثلها، وبيّن صفتين تحتاجهما الدعوة: النصح والأمانة.

ثم حاجّوه بالتقليد: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وفي هذا يظهر أن عائق قبول الدعوة الأكبر كان الاعتداد بما ورثوا. فقال لهم: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾.

وقالوا أيضًا ما حكاه القرآن عن إنكارهم للآيات: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. فزعموا أن بعض آلهتهم أصابته بسوء، وأن ما يقوله ناتج عن هذا. وفي هذه الدعوى كشف لعقلية الشرك التي تنسب إلى الأصنام ما لا تملك.

تحدٍّ بعزة الإيمان

وهنا يقف هود وقفة تتجلى فيها الثقة بالله: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهو فرد واحد في قومه الأقوياء، ومع ذلك يتحداهم أن يجتمعوا على كيده ولا يمهلوه، لأنه متوكل على من بيده نواصي الخلق. وفي هذا الموقف مثال لقوة اليقين، وقد قال ابن كثير: هذا تحدٍّ منه لهم، وهو دليل صدقه، إذ كيف يقف واحد أمام جمع لولا أنه واثق بحفظ الله له.

ثم قال لهم: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. فبيّن لهم أن رفضهم لا يضر الله، وأنه سبحانه قادر على أن يبدلهم بغيرهم.

حجة القوة

وكان من أعظم ما يعتدّون به قوتهم، فقد قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فردّ الله عليهم في سورة فصلت: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. فسبب هلاكهم كان من جنس ما أعجبوا به: قوتهم التي افتخروا بها، فجاءهم ما لا تدفعه القوة. وقال سبحانه في الأحقاف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

وفي سورة هود يصف الله موقفهم العام من الرسالة: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. وقد لاحظ المفسرون أن القرآن عبّر عن عصيانهم لرسل الله جمعًا مع أن المرسل إليهم هود، قالوا: لأن من كذّب رسولًا فقد كذّب الرسل جميعًا، فدعوة الرسل واحدة. ولاحظ السعدي في هذه الآية أن اتباعهم لأمر كل جبار عنيد يبيّن أن من يعرض عن هدى الله يقع في عبودية الطغاة.

الإنذار والاستعجال

وحين أصرّوا على التكذيب، طلبوا العذاب استهزاءً: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فأجاب هود: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. فهو لا يدّعي علم موعد العذاب، فذلك لله، وإنما وظيفته التبليغ.

وقد سجل القرآن مشهدًا شديد الدلالة عن لحظة اقتراب العذاب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. أي رأوا سحابة معترضة في الأفق متجهة إلى أوديتهم، فظنوها غيثًا يسقيهم، وكانوا قد حبس عنهم المطر، فاستبشروا، فإذا هي الريح التي كذّبوا بوعدها. وقد ذكر ابن كثير أنها سحابة، ولم يرد في الصحيح تفصيل لموضع ظهورها أو لوقتها.

ما رُوي عن النبي ﷺ في ذلك

وهذه الآية كانت حاضرة في قلب النبي ﷺ. فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لَهَواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف في وجهه. فقلت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفتُ في وجهك الكراهية؟ فقال: يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا». فخشية النبي ﷺ لم تكن خوفًا من غير الله، بل كانت يقظة قلب تعلّم من قصص السابقين أن ما يبدو رحمة قد يكون عذابًا.

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «نُصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبُور». والصبا ريح تهبّ من جهة مشرق الشمس، والدبور من الجهة المقابلة، وكان نصر النبي ﷺ يوم الأحزاب بريح الصبا، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. فالريح جند من جنود الله، يكون بها النصر لقوم والهلاك لآخرين.

الريح العقيم

أما صورة العذاب نفسها فقد جاءت في مواضع من القرآن. ففي سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾. فالريح «صرصر»، أي شديدة البرد أو الصوت، «عاتية» أي عتت على خزّانها فلم يستطيعوا ضبطها، كما قال بعض المفسرين، واستمرت سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، فصاروا كجذوع النخل الساقطة الجوفاء.

وفي سورة القمر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾، أي كأنهم جذوع نخل اقتُلعت من أصولها. ويقول عن العذاب في الذاريات: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾، فهي ريح لا تحمل خيرًا ولا تلقّح شجرًا ولا تنشئ سحابًا، وإنما تُبلي كل ما تمر به.

وقد أراد الله أن يُنجي هودًا ومن آمن معه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ولا نعرف عدد من آمن معه، ولا الجهة التي ذهبوا إليها، وكل ما يروى في ذلك لا أصل له في الكتاب ولا الصحيح.

وختم الله قصتهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. وبسبب ما أصابهم، لم يكن لهم أثر باقٍ إلا مساكنهم، كما أخبرت سورة الأحقاف.

عبرٌ من القصة

من أعظم ما نتعلمه من قصة هود عليه السلام أن النعمة قد تتحول إلى فتنة إذا نُسي المنعم: فقد أعطاهم الله القوة والأمن والمال، فجعلوها سبب كِبرهم. وأن الاستغفار وسيلة لزيادة القوة والرزق، وأن الدعوة قد تُقابَل بالسفاهة والاتهام فيجاب عنها بالحلم والنصح. وأن التوكل على الله هو السلاح الذي يقف به الداعية وحده أمام الجموع. وأن المظنون رحمةً قد يكون عذابًا لمن كفر، فلا يأمن العبد مكر الله.

وقد ورد ذكر هود في القرآن في مواضع كثيرة، وسُميت باسمه سورة هود. وفي الأثر عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «شيّبتني هود وأخواتها»، وقد ورد هذا الحديث بأسانيد اختلف في تصحيحها، وحسّنه بعض أهل العلم لمجموع الطرق. وسواء ثبتت الرواية أم لم تثبت، فإن ما في سورة هود من وصف مصائر الأمم ثقيل على القلوب التي تتدبر.

ونختم بأن كل ما شاع في كتب القصص من تفاصيل لأحوال عاد، كطول قامات أفرادها بأرقام محددة، أو أنّ لهم أصنامًا بأسماء معينة، أو قصص وفد عاد إلى مكة وما دار بين لقمان بن عاد وغيره، فهي من الأخبار التي لم تثبت بنص صحيح، وقد تركناها حرصًا على أمانة النقل، ولسنا بحاجة إليها في فهم العبرة التي جاءت بها الآيات.

العبرة

أن القوة والمال بلا شكر يتحولان إلى فتنة، وأن الاستغفار سبب لزيادة القوة والرزق، وأن التوكل على الله يمنح الداعية الثبات أمام الجموع.

المصدر: القرآن الكريم: سور هود (الآيات 50-60)، والأعراف (الآيات 65-72)، والشعراء (الآيات 123-140)، والأحقاف (الآيات 21-26)، وفصلت (الآيتان 13 و15-16)، والحاقة (الآيات 6-8)، والقمر (الآيات 18-22)، والذاريات (الآيتان 41-42)، والفجر. السنة: صحيح البخاري ومسلم (حديث عائشة رضي الله عنها في خوف النبي ﷺ من الغيم، وحديث ابن عباس: نُصرت بالصبا وأُهلكت عاد بالدبور)، وجامع الترمذي (شيبتني هود). ومن التفسير: ابن كثير والسعدي.

الدرجة: من القرآن الكريم + ما صح في البخاري ومسلم. حديث (شيبتني هود) في الترمذي واختلف في تصحيحه ونُبّه عليه. وما ذكره ابن كثير من تحديد الأحقاف نُسب لقائليه، ونُبّه على أن قصة (إرم ذات العماد) المدينة الذهبية من الإسرائيليات.