ديار الحِجر
جاء قوم ثمود بعد عاد، كما يقول صالح عليه السلام لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فالله مكّنهم في الأرض، وكانوا يبنون القصور في السهول، وينحتون من الجبال بيوتًا. وسمّى القرآن موضع سكناهم: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾، والحِجر منطقة بين الحجاز والشام، قال المفسرون ومنهم ابن كثير: هي ديار ثمود، وهي معروفة في طريق الحجاج إلى الشام.
وقد وصف صالح عليه السلام حالهم من النعيم: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. أي: أتحسبون أن هذه النعمة باقية وأنتم آمنون؟ وكلمة «فارهين» فسّرها أهل التفسير بالحذاقة والمهارة في النحت، أو بالأشَر والبطر، وهما معنيان يجتمعان في وصف حالهم.
وصالح عليه السلام واحد منهم: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. ولا يثبت في الصحيح نسبه ولا اسم أبيه ولا مدة حياته، وكل ما في كتب القصص من هذه التفاصيل لا نعتمده.
دعوته
بدأ صالح بما بدأ به الأنبياء: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. وفي سورة هود: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾. وقد فسّر العلماء «استعمركم فيها» بأن الله طلب منكم عمارتها، كما ذكر ابن كثير. وهكذا يتكرر في دعوة الأنبياء الجمع بين تذكير بالنعمة ودعوة إلى التوبة.
وفي سورة الشعراء بيّن لهم أنه لا يطلب أجرًا: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، ونهاهم عن طاعة المسرفين: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقد كان بينهم قبل أن يدعوهم موضع رجاء، كما قالوا له: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. فكان فيهم صاحب منزلة وعقل ترجى منه الخيرات، فلما دعاهم إلى التوحيد انقلبوا عليه، وصار ما يرجونه منه سببًا لخيبتهم فيه. فأجابهم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.
آية الناقة
وطلبوا آية، وقالوا: ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وقالوا: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، أي من المسحورين. فأجابهم الله بآية محسوسة: ﴿هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وأضافها إلى نفسه تشريفًا، لأنها آيته وعلامة على صدق رسوله.
وكيفية خروج الناقة وأوصافها: هل خرجت من صخرة بعينها، وكم كان حجمها، وهل كان لها فصيل؟ هذه الأخبار ذكرها بعض المفسرين عن السلف، وبعضها ذكره ابن جرير وابن كثير، لكنها لا تثبت في آية ولا في حديث صحيح، فلا نجزم بها. والذي ثبت أنها آية من الله جاءتهم بعد أن طلبوا آية، وأنها كانت ناقة، وأنها مبصرة، أي واضحة الدلالة، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾.
وشرط الله لبقاء النعمة قسمة الماء: ﴿قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وفي سورة القمر: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾. أي أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وكل نصيب يحضره صاحبه. وقال في سورة القمر: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾، أي اختبارًا لهم، فانتظر ما سيصنعون واصبر.
فريقان
وانقسم القوم بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. فريق آمن وفريق كفر. وسجّل القرآن حوارهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾. فكان جواب المؤمنين الضعفاء واضحًا، وجواب المستكبرين صريحًا. ومن لطائف الآية أن المستكبرين لم يردوا على السؤال بجدل أو علم، وإنما ردّوا بالجحود.
وقالوا عن صالح أيضًا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾، فاستكثروا أن يخصّه الله بالوحي من بينهم، ورموه بالكذب والأشَر، أي البطر والتجبر. فأجابهم الله بقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.
وقالوا كذلك كما حكى القرآن في النمل: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. أي: تشاءمنا بك وبمن آمن معك، فردّ عليهم أن شؤمهم من عند الله، وأنهم مفتونون بالأحداث.
التسعة المفسدون
ثم جاء ذكر مؤامرة في المدينة: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فهؤلاء تسعة رجال من كبرائهم تعاهدوا على أن يقتلوا صالحًا وأهله ليلًا، ثم يزعموا لوليّ دمه أنهم لم يحضروا مقتلهم. وقد أفسد الله مكرهم، ثم أهلكهم مع قومهم.
وقد لاحظ بعض المفسرين أن كلمة «مدينة» هنا تشير إلى الحِجر، وأن هؤلاء التسعة كانوا من الرؤوس المفسدة في المدينة. ولا يثبت اسم أحد منهم ولا تفاصيل كيف دبّروا ولا كيف أهلكوا، وما يُروى في ذلك من حكايات كحادثة الحجارة وغيرها لا يعتمد على نص صحيح.
العقر
وحين طال انتظارهم وغلبهم الحسد، كان قرارهم الأخير هو عقر الناقة. والله تعالى يصف ذلك بدقة: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾، أي نادوا رجلًا منهم فتناول السيف وعقرها. وفي الصحيحين عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله ﷺ: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه، مثل أبي زمعة». وهذا من أصح ما ورد في تعيين صفة العاقر: رجل عزيز في قومه، شديد الشراسة، ممتنع بعشيرته.
ويذكر القرآن أن العقر لم يكن فعل الواحد وحده، بل كان برضا القوم، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. فنسب العقر إلى الجميع، قال ابن كثير ما معناه: لأنهم رضوا به وتمالؤوا عليه. وهذا أصل في أن الراضي بالمنكر المتمالئ عليه شريك في الإثم.
وقال القرآن عنهم: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فأكملوا الجريمة بتحدٍّ سافر. ومع هذا لم يُعاجَلوا، بل أُمهلوا: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
وما رواه بعض المفسرين من علامات تغيّر ألوان وجوههم في هذه الأيام الثلاثة، كاصفرار ثم احمرار ثم اسوداد، هو من الأخبار التي لم تثبت بنص صحيح، ولذلك لا نذكرها على أنها حقيقة. والثابت أن القرآن أخبر بتحديد المهلة ثلاثة أيام، وأن الوعد وقع.
الصيحة
ثم جاء أمر الله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾. وفي سورة القمر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، أي كالنبات اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته فتحطّمه الأقدام.
وقد وردت لهلاكهم أوصاف ثلاثة في القرآن، فقال في الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، وقال في فصلت: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقال في الحاقة: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾. والجمع بين هذه الأوصاف، كما بيّن المفسرون ومنهم ابن كثير، أن الصيحة العظيمة صاحبها اضطراب شديد في الأرض ثم صاعقة مهلكة، وكلها تعود إلى عذاب واحد، وإنما تعددت الأوصاف لبيان جوانبه.
موقف نبي الله صالح
أما صالح فبعد أن جاء العذاب: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾. ومخاطبته لهم بعد هلاكهم قد يستغرب بعض الناس، وقد ذكر العلماء في ذلك أن الله أراد تقريعهم وتحسيرهم، كما قال النبي ﷺ لأهل القليب يوم بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وهذا في الصحيحين. وقد ذكر ابن كثير هذا النظير، والأمر لله تعالى في كيفية سماعهم.
وقال تعالى عن النجاة: ﴿فَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. فنجاتهم كانت برحمة الله، ومن الخزي، أي من الفضيحة التي حلت بالمكذبين. ولا نعلم إلى أين ذهب صالح بعد ذلك، ولا أين دُفن، فلم يرد في القرآن ولا الصحيح تعيين شيء من هذا.
وفي سورة الشمس خُتم ذكر الحادثة ببيان سبب هلاكهم: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾، أي بسبب طغيانها. وفي فصلت: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾، أي بيّنا لهم طريق الحق فاختاروا الضلال. قال ابن كثير إن معنى الهداية هنا: بيّنا لهم وأوضحنا، وليس الهداية بمعنى التوفيق.
وقوف النبي ﷺ عند ديارهم
وأثر هذه القصة باقٍ إلى زمن النبي ﷺ، ففي غزوة تبوك مرّ النبي ﷺ وأصحابه بالحِجر، ديار ثمود. وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ لما مرّ بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، حذرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم»، ثم تقنّع بردائه وهو على الرحل. وفي رواية في الصحيحين: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم».
وقد كان الصحابة قد استقَوا من آبار الحجر وعجنوا به، فأمرهم النبي ﷺ أن يهريقوا ما استقوا وأن يعلفوا الإبل العجين، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين. فمن هذه الأحاديث تعلّم المسلمون أن الأماكن التي نزل فيها غضب الله ليست مواضع للتنزّه والتفرج، بل مواضع للبكاء والاعتبار، وأن ما كان من أرض العذاب لا يُستعمل فيه الماء. وليست هذه الأحاديث دعوة إلى الخرافة، بل هي أدب شرعي في التعامل مع آثار الأمم المعذبة.
ما نتركه وما نأخذه
تدلنا قصة صالح عليه السلام على أن آيات الله قد تكون ظاهرة لا تحتاج إلى برهان زائد، وأن الإنسان قد يرى الآية ثم يكذب بها لتتمكن منه شهواته، وأن الأمة قد تعاقب جميعها بعمل بعضها إذا رضي الباقون به. وأن نعمة الأمن والزرع والعيون والمنازل المنحوتة في الجبال لم تغنِ عنهم شيئًا حين كفروا. وأن التآمر على أهل الحق مآله الخيبة، كما هلك التسعة رهط. وأن الله يمهل ولا يهمل، فقد أُعطوا ثلاثة أيام بعد العقر.
وكل ما يُروى في كتب القصص من تفاصيل عن الناقة، كطول قامتها وضخامة ضرعها وعدد ما يخرج من لبنها، وعن شخصية العاقر باسم محدد، وعن امرأتين محرّضتين، وعن فصيل رغا ثلاثًا وصعد جبلًا، فهي أخبار ذكرتها بعض كتب التفسير والتاريخ عن أهل الكتاب أو عن بعض السلف، ولم تثبت بنص صحيح مرفوع، فهي عندنا من الإسرائيليات أو مما لا يُعتمد عليه، وقد تركناها حرصًا على الأمانة.
