— خليل الرحمن — يقف إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم مقامًا لا يبلغه إلا القليل؛ فقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، ووصفه بأنه ﴿صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وسمّاه ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ﴾. والحنيف هو المائل عن الشرك إلى التوحيد، والقانت هو المطيع الخاشع لربه، وقد رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير «الأمة» أنها معلّم الناس الخير، أي أنه كان وحده بمنزلة أمة كاملة في الهدى. وقال النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه: «إن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا».
وحين نتتبع سيرته في القرآن نفهم كيف استحق هذا المقام: رجل وحده في وجه قوم كلهم على الشرك، يبدأ بأقرب الناس إليه فيدعو أباه، ثم يواجه قومه بالحجة، ثم يواجه الملك، ثم تُشعَل له النار، ثم يترك الأرض التي نشأ فيها ويهاجر بدينه. وهذه القصة هي القسم الأول من سيرته: الدعوة والنار والهجرة.
— الدعوة تبدأ من بيت الأب — بدأ إبراهيم عليه السلام بأقرب الناس إليه، وهو أبوه الذي سمّاه القرآن في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. وفي كتب أهل الكتاب اسم آخر لوالد إبراهيم، ونحن نقف عند ما نصّ عليه القرآن.
وفي سورة مريم يَعرض القرآن حوارًا من أرقّ الحوارات وأحسنها أدبًا، يقول فيه إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.
ويلفت المفسرون كالسعدي وابن كثير إلى أدب هذه الدعوة: فهو يكرر نداء «يا أبت» في كل مرة، ولا يتهم أباه بالجهل، بل يقول إن الله أعطاه من العلم ما لم يأته، ثم يعرض عليه الهداية، ثم يخوّفه عاقبة الشرك بلفظ رقيق فينسب الخوف إلى نفسه: «إني أخاف». بدأ بسؤال يوقظ العقل: كيف تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟
فجاء الجواب قاسيًا: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. أي: أمعرض أنت عن آلهتي؟ لئن لم تترك هذا لأرجمنّك، واتركني زمانًا طويلًا. ولم يرد إبراهيم عليه السلام على التهديد بمثله، بل قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. فاعتزل أباه على سلام وعلى وعد بالاستغفار، وسيأتي ما كان من أمر هذا الوعد في آخر القصة.
— لا أحب الآفلين — وفي سورة الأنعام مشهد آخر من مناظرته لقومه، بعد قوله لأبيه ما قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وذهب ابن كثير رحمه الله وجمع من المفسرين إلى أن هذا كان على سبيل المناظرة لقومه وإقامة الحجة عليهم، لا أنه كان شاكًّا في ربه؛ فهو يمشي معهم خطوة خطوة في معبوداتهم، ثم يبيّن لهم أن كل ما يغيب ويأفل لا يصلح أن يكون ربًّا. وقد صدّر الله هذا المشهد بقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، وختمه بإعلان البراءة والتوجه إلى فاطر السماوات والأرض.
وفي سورة الشعراء يسأل قومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَل وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. فلم يكن عندهم جواب عن سؤاله إلا أنه تقليد للآباء. فقال لهم: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي سورة الأنبياء قال لهم: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، فسألوه مستغربين: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾، فأجابهم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
— وتالله لأكيدنّ أصنامكم — لما رأى أن الكلام وحده لا يكفي عزم على أن يريهم بالفعل عجز آلهتهم، وقال في سورة الأنبياء: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾. وفي سورة الصافات يذكر القرآن كيف تهيأت له الفرصة: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. فانصرفوا عنه، وقد رُوي عن بعض السلف أنهم خرجوا إلى عيد لهم، والقرآن لم يفصّل ذلك.
﴿فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. أي مال إليها خفية، وسألها سؤال المستهزئ بها: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ ثم ضربها بيده اليمنى. وفي الأنبياء: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي جعلها قطعًا مكسّرة إلا كبيرها، لعلهم يرجعون إليه فيسألوه عمّا جرى فيظهر لهم عجزه، وهذا هو المعنى الذي ذكره المفسرون.
— محاكمة على أعين الناس — فلما رجع القوم ورأوا ما حلّ بآلهتهم، ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. وسمّوه فتًى، أي شابًّا، وأرادوا أن تكون المحاكمة علنية أمام الناس.
﴿قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾. وهنا حديث صحيح يجب أن يُذكر: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾، وواحدة في شأن سارة» وسيأتي ذكرها. وقد بيّن العلماء أن هذه الألفاظ من المعاريض، أي الكلام الذي يُقصد به معنى صحيح غير ما يتبادر إلى ذهن السامع، وأنها ليست من الكذب المحرّم؛ فقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يحتمل أنه مقبل على السقم أو متألم من شركهم، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ أراد به إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بالاعتراف بعجز آلهتهم. وسمّاها النبي ﷺ «كذبات» من جهة صورتها لا من جهة قصد المتكلم.
وأثر هذا الجواب مذكور في قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾. فللحظة قصيرة رجعوا إلى عقولهم واعترفوا بالظلم، ثم عادوا إلى العناد، وانقلبوا إلى المجادلة، وأقروا هم بأنفسهم بأن الأصنام لا تنطق. فجاءهم ما كان يريده: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وفي الصافات: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
— النار — فلما عجزوا عن الحجة لجؤوا إلى القوة، كما يفعل أهل الباطل في كل زمان: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. وفي العنكبوت: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾. وفي الصافات: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. ثم يأتي الأمر الإلهي: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾، وفي الصافات: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
أما ما قاله إبراهيم عليه السلام وهو يُلقى، فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾». وقد رُوي عن ابن عباس وغيره أن الله لو لم يقل «وسلامًا» لأهلكه بردها، ومعناه أن البرد نفسه كان يمكن أن يؤذيه لولا أن الله جعله سلامًا. وهذا بيان لمعنى الآية على ما نقله المفسرون.
ومما ثبت أيضًا في الصحيحين، من حديث أم شريك رضي الله عنها، أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: «كان ينفخ على إبراهيم»، أي أنه كان يعين النار عليه بالنفخ فيها.
وأما ما يُذكر في بعض الكتب من تفاصيل: كم جمعوا من الحطب، وكم دام جمعه، وكيف أُلقي، وما قاله جبريل له وما رد به، فلم يصح فيها خبر عن النبي ﷺ؛ ومنها ما اشتهر من أن جبريل عرض عليه العون فقال: «أما إليك فلا»، فهذا لم يثبت. فنقتصر على ما في القرآن وصحيح السنة: أُلقي في النار، وقال حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنجاه الله منها، وخسر أعداؤه وانتصرت الحجة. وقد قال تعالى في العنكبوت: ﴿فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وفي العنكبوت أيضًا قال لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾؛ أي أن الاجتماع على الباطل مودة قصيرة في الدنيا تنقلب يوم القيامة تبرؤًا ولعنًا.
— الحجة مع الملك — ومن مواقفه الكبرى مناظرته للملك المتجبّر، وقد ذكرها الله في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال المفسرون في معنى قول الملك «أنا أحيي وأميت» إنه كان يأتي برجلين محكوم عليهما بالقتل، فيقتل أحدهما ويعفو عن الآخر، ويزعم أن هذا هو الإحياء والإماتة. فلما رأى إبراهيم أن هذا المغالط يخلط بين الحياة التي يخلقها الله والعفو عن مسجون، انتقل إلى حجة لا يمكن فيها مغالطة، وهي طلوع الشمس بأمر الله من المشرق. فسكت الملك مبهوتًا. والقرآن لم يسمِّ هذا الملك ولم يحدد زمان المناظرة، وما ذُكر من اسم له أو تفاصيل أخرى لا يثبت بنص صحيح، فلا نجزم به.
— إني مهاجر إلى ربي — فلما أنجاه الله من النار ولم يؤمن له من قومه إلا القليل، ترك أرض قومه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فالذي آمن له لوط عليه السلام، وهو ابن أخي إبراهيم على ما ذكر المفسرون، وقد صار بعدها نبيًّا في قومه. وقال إبراهيم عليه السلام وهو يعزم على الرحيل: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقال سبحانه في الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. وأكثر المفسرين على أنها أرض الشام، وقد ذكر بعضهم أقوالًا أخرى. وفي العنكبوت جزاؤه في الدنيا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
— سارة والجبار — ومن أحداث ترحاله ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، وهو تتمة حديث الكذبات الثلاث: «بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها: من هذه؟ قال: أختي».
فخاف إبراهيم عليه السلام على نفسه أن يقتله الجبار ليأخذ امرأته، وأراد بقوله «أختي» الأخوّة في الدين؛ ولهذا قال لسارة: «يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذّبيني». فأُدخلت سارة على الجبار، «فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخذ»، أي أُمسك وحُبس فلم يقدر عليها، فقال: ادعي الله لي ولا أضرّك، فدعت الله فأُطلق. ثم عاد فتناولها الثانية، فأُخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرّك، فدعت فأُطلق. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان. فأخدمها هاجر.
قال أبو هريرة رضي الله عنه في نهاية الحديث: «فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مهيم؟ - أي ما الخبر - قالت: ردّ الله كيد الكافر - أو الفاجر - في نحره، وأخدم هاجر». وهذه هي هاجر التي ستكون أم إسماعيل عليه السلام. وعلّق أبو هريرة بقوله: «فتلك أمكم يا بني ماء السماء»، يخاطب به العرب. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وهو شاهد على إيمان سارة وعلى أن الله حفظ زوجة نبيه، ولا يسمّي الحديث الجبار ولا الأرض التي كان فيها، فنقف عند لفظه.
— مصير الأب — وبقي في قلب إبراهيم عليه السلام همّ أبيه الذي لم يؤمن. وقد وعده بالاستغفار، فقال في الشعراء: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾. ثم بيّن الله في سورة التوبة أن هذا الاستغفار ما كان إلا لوعد وعده إياه، فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرّأ منه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. وفي سورة الممتحنة جعل الله البراءة من أعداء الله أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، واستثنى قول إبراهيم لأبيه: «لأستغفرن لك»، فليس ذلك مما يُقتدى به.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرّمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذِيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار». والذِّيخ هو ذكر الضباع، فيُمسخ الأب في صورة تُنفّر منها نفس إبراهيم، فيتبرأ منه تبرؤًا نهائيًّا. وهذه خاتمة لحظة إنسانية عظيمة: نبي يحب أباه ويرجو له الهداية، ثم يسلّم لحكم الله فيه.
— دروس الرحلة — في هذه المرحلة من سيرة إبراهيم عليه السلام دروس ظاهرة لا تحتاج إلى زيادة من عندنا: أن الدعوة تبدأ بالأقربين وبالرفق، وأن الحجة العقلية الواضحة هي سلاح الأنبياء، وأن أهل الباطل إذا عجزوا عن الحجة لجؤوا إلى النار والتهديد، وأن التوكل على الله في أشد اللحظات - حسبنا الله ونعم الوكيل - هو الذي ينجّي، وأن الهجرة بالدين مفتاح البركة؛ فقد خرج بلا مال ولا قوم فوهبه الله إسحاق ويعقوب وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وأن الولاء لله مقدَّم على الأب والقوم.
