— ضيوف إبراهيم المكرمون — بعد أن استقرّ إبراهيم عليه السلام في الأرض التي هاجر إليها، جاءه ضيوف في صورة رجال، فكان لقاؤهم من أبرز مواقف سيرته، وقد ذكره الله في ثلاث سور. قال في سورة الذاريات: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
وفي هذه الآيات أدب الضيافة كما علّمه الله لعباده؛ فقد ردّ التحية بأحسن منها، إذ قالوا «سلامًا» فقال «سلامٌ» بالرفع الدالّ على الثبوت والدوام، ثم مال إلى أهله خفية، أي ذهب بسرعة دون أن يشعر الضيوف بأنه يستعدّ لهم، فجاء بعجل سمين. وفي سورة هود وصفُه بأنه ﴿عِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، أي مشويّ، على ما فسّره السلف. ثم قرّبه إليهم بنفسه ولم يُحضره إليهم ويتركهم، وسألهم بلطف: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. ويلفت ابن كثير وغيره إلى كرمه وحسن أدبه، فلم يقل: كلوا، بل عرض عليهم عرضًا رقيقًا. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه».
— الرسل والبشرى — فلما رأى أن أيديهم لا تصل إلى الطعام اشتد عليه الأمر: ﴿فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾. وذكر المفسرون أن امتناع الضيف عن الطعام كان يُفهم عندهم علامةَ شرّ، فخاف أن يكونوا يريدون به سوءًا. وفي سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾. فهم ملائكة أرسلهم الله، يبشّرون إبراهيم بغلام، ثم يمضون إلى قوم لوط ليهلكوهم.
وكانت زوجته سارة قائمة تخدم الضيوف أو تسمع الحديث، ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾. والأكثر في تفسير «فضحكت» أنه ضحك التعجب والاستغراب من بشرى لا تتوافق مع سنّها وسنّ زوجها، وقد ذكر بعض المفسرين قولًا آخر في معنى الضحك لا يعتمد على نص صريح، فنكتفي بالظاهر. وفي الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. وفسّر ابن عباس «صكّت وجهها» بأنها ضربت جبهتها تعجبًا.
أما إبراهيم عليه السلام فكانت دهشته بالغلام أمرًا آخر: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. وفي هذا بيان أن سؤاله لم يكن شكًّا في قدرة الله، بل تعجّب من عظيم الفضل، ثم أنكر على نفسه القنوط من رحمة ربه. وفي سورة الصافات أنه دعا ربه حين هاجر: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فكان جواب دعائه ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، ثم كانت بشرى إسحاق ويعقوب. وقال إبراهيم نفسه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
— يجادلنا في قوم لوط — فلما ذهب عن إبراهيم الخوف وجاءته البشرى، التفت إلى الأمر الآخر الذي جاء به الرسل: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
ووصفه الله بثلاث صفات في هذا الموضع: «حليم» لا يعجل بالغضب ولا بالدعاء على الخلق، و«أوّاه» كثير التضرع والرحمة، و«منيب» رجّاع إلى ربه في كل أمر. فجداله ليس مخاصمة، بل هو شفقة على لوط وأهل بيته وعلى من يمكن أن يهتدي منهم. لكنّ الأمر قد جاء، وحكم الله لا يُردّ، وسيأتي ما كان من أمر لوط وقومه في قصته.
— رب أرني كيف تحيي الموتى — ومن أخبار إبراهيم في سورة البقرة طلبه رؤية إحياء الموتى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وسؤال الله له «أولم تؤمن؟» ليس لاستعلام حاله، بل ليظهر جوابه، فقال: «بلى»، أي آمنت، ولكن طلبت الطمأنينة. والفرق عظيم بين من يشك ومن يريد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي». ومعنى الحديث عند العلماء كما نقله ابن كثير وغيره: لو كان الشك ممكنًا في هذا الموضع لكنا نحن أحق به من إبراهيم، ونحن لا نشك، فإبراهيم أولى ألّا يشك؛ فالحديث ينفي الشك عنه ويزيد مقامه رفعة.
وأمره الله بأن يأخذ أربعة من الطير ويضمّها إليه ويتأملها حتى يعرفها، ثم يجعل على كل جبل منها جزءًا، ثم يدعوها فتأتيه مسرعة. وفي تفاصيل أسماء الطيور وعدد الجبال أقوال للمفسرين لا تقوم على نص صحيح، فنقف عند ما في الآية: أربعة من الطير، وأجزاء على الجبال، ودعاء، وإقبال. فرأى بعينه قدرة الله على الإحياء.
— الابتلاء العظيم: الذبح — وجاء بعد ذلك الاختبار الذي هو من أشق ما يمكن أن يُمتحن به أب. فبعد أن رزقه الله بالابن الحليم، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد قال عبيد بن عمير وابن عباس رضي الله عنهما كما نقل ابن كثير: «رؤيا الأنبياء وحي»، أي أن هذه الرؤيا أمر من الله لا مجرد حلم. و«بلغ معه السعي» أي بلغ مبلغ أن يسعى مع أبيه ويعينه في أمره. ولاحظ أن إبراهيم عرض الأمر على ابنه ولم يفاجئه به، وأن الابن لم يسأل عن الحكمة ولا تردد، بل رأى الأمر وحيًا من الله وسلّم له، وقال «إن شاء الله» ردًّا للأمر إلى مشيئة الله، ولم ينسب الصبر إلى نفسه.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. «أسلما» أي استسلما لأمر الله، وفسّر ابن عباس «تلّه للجبين» بأنه أضجعه على جبينه، أي على جانب وجهه، كما ذكر ابن كثير. فلما تحقق التسليم من الطرفين رُفع الأمر وجاء الفداء. وقوله «ذبح عظيم» ذكر المفسرون أنه كبش، والله أعلم بتفاصيل أوصافه، وقد سمّاه الله عظيمًا لأن فيه فداء نفس نبي.
وفي القرآن بعد ذلك: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾.
— من هو الذبيح؟ — القرآن لم يسمِّ الابن، وقد اختلف السلف فيه؛ فمنهم من قال إنه إسحاق، ومنهم من قال إنه إسماعيل، وروي كل قول عن جماعة من الصحابة والتابعين. وانتصر ابن كثير رحمه الله لقول من قال إنه إسماعيل، واستدل بأن الله ذكر البشرى بإسحاق بعد قصة الذبح في الآيات نفسها، وبأنه بشّر بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فلا يُؤمر بذبح من وُعد بنسل منه. وعلى هذا القول تسير قصة إسماعيل عليه السلام في هذه المجموعة، مع التنبيه على أن القرآن لم يصرّح باسم الابن، وأن العبرة في القصة لا تتوقف على تحديد اسمه. وأما ما اشتهر من قول: «أنا ابن الذبيحين» فلم يثبت.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، في مسند أحمد وغيره، أن الشيطان عرض لإبراهيم عند الجمار وهو يأتي المناسك، فرماه بالحصى فابتعد عنه، وصحّحه بعض أهل العلم، وليس في الخبر أنه كان في أمر الذبح، فلا نبني عليه أكثر من أنه من أخبار المناسك.
— الكلمات والإمامة — ثم يأتي في سورة البقرة وصفٌ جامع لما مرّ به: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. والكلمات هي ما ابتلاه الله به من الأوامر والنواهي والاختبارات، ورجّح الطبري وغيره أن المراد بها كل ما ابتلاه الله به، وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أنها عشر خصال من الفطرة، وهي من سنن الطهارة. وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قال النبي ﷺ: «عشر من الفطرة: قصّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء»، قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدّوم».
وجعله الله إمامًا للناس، فسأل أن يكون الإمامة في ذريته، فأجابه الله: لا ينال عهدي الظالمين. وقد جعل الله في ذريته النبوة والكتاب كما قال في سورة العنكبوت. وقال تعالى أيضًا: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
— بناء البيت — أما الكعبة، فقد قال الله تعالى فيها لإبراهيم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وقال في البقرة: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وفي صحيح البخاري في حديث ابن عباس الطويل أن إبراهيم عليه السلام جاء إسماعيل وهو يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه «فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾». وهذا الحجر الذي قام عليه هو مقام إبراهيم. وهكذا يصف القرآن في سورة البقرة أن إبراهيم يرفع القواعد وإسماعيل معه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وروى البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «وافقت ربي في ثلاث»، وذكر منها قوله: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما طاف بالبيت صلى ركعتين خلف المقام، فقرأ هذه الآية.
وروى البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة». وهذا الحديث لا يحدّد من الذي بنى كل مسجد، فلا نزيد على لفظه. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في خطبة فتح مكة: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض»، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة».
وفي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها: «ألم ترَي أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟»، وفي لفظ آخر: «لولا حدثان قومك بالكفر لنقضتُ البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم، فإن قريشًا استقصرت بناءه». وقال ابن عمر رضي الله عنهما كما في البخاري: «لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ، ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجر إلا أن البيت لم يُتمَّم على قواعد إبراهيم». فهذه الأحاديث تدل على أن قواعد إبراهيم كانت معروفة، وأن النبي ﷺ تركها كما هي مراعاةً لحال قومه حديثي العهد بالإسلام.
— الأذان بالحج — ثم أمر الله إبراهيم بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ فقال: أذّن وعلينا البلاغ. وهذا أثر عن الصحابي لا مرفوع إلى النبي ﷺ، فننقله على أنه من تفسير السلف. وقد جاءت الآية بهذا المعنى: النداء من إبراهيم والبلاغ من الله، فيأتي الناس مشاةً وركبانًا من كل طريق بعيد.
وقال النبي ﷺ في عرفة، فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث يزيد بن شيبان: «كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم». فالحج على ما شرعه الله لنا في أصله من آثار إبراهيم عليه السلام.
— دعاء إبراهيم — ومن أعظم ما يتجلى فيه إبراهيم عليه السلام أدعيته، فقد سأل ربه بعد ما أسكن ذريته بواد غير ذي زرع: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. وطلب في البقرة الأمن والرزق لأهل البلد: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فأجابه الله أن الكافر أيضًا سيمتّعه قليلًا ثم يضطره إلى عذاب النار. وسأل أن يكون هو وإسماعيل وذريتهما مسلمين: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
ثم الدعاء الذي كان أجلّ من بيت وأرض، وهو سؤال الرسول من الذرية: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقال النبي ﷺ فيما رواه أحمد من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى»، وقد صحّحه جماعة من أهل العلم بمجموع طرقه، وذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية.
وفي سورة الشعراء دعاؤه الجامع: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * ... وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. وقد استجاب الله له «لسان الصدق» حتى ذكره الناس في كل عصر، ومنه ما نقوله في الصلاة: روى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه في الصلاة على النبي ﷺ: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».
— وصية الخليل ومقامه — وختم إبراهيم حياته بالوصية: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. وأمر الله النبي ﷺ باتباع ملّته: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وفي الصحيح مقامه عند ربه: روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال: «ذاك إبراهيم». وروى البخاري في حديث الإسراء أنه رأى إبراهيم في السماء السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وأنه قال له: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح». وفي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه في الرؤيا عند البخاري أن النبي ﷺ رأى شيخًا في أصل شجرة وحوله صبيان، فقال له جبريل وميكائيل: «أما الشيخ الذي في أصل الشجرة فإبراهيم عليه السلام»، «وأما الصبيان حوله فكل مولود مات على الفطرة». وروى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاة عراة غُرلًا... وإن أول الخلائق يُكسى يوم القيامة إبراهيم». وكل هذا من إكرام الله لخليله.
— العبرة — تظهر في هذه المرحلة من قصة إبراهيم عليه السلام معانٍ عظيمة: أن إكرام الضيف من سنن الأنبياء، وأن اليقين يطلب الطمأنينة ولا يعني الشك، وأن الابتلاء الحقيقي هو أن يُقدِّم العبد أمر ربه على أحب ما يملك فيسلّم ويتوكل، وأن الله إذا رأى الصدق فدى وبارك، وأن العمل الصالح يقترن بالدعاء بالقبول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، وأن من أخلص لله جعل له لسان صدق في الآخرين.
