Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١١ دقيقة

لوط عليه السلام وقومه

لوط عليه السلام

— لوط في القرآن: نبي آمن بإبراهيم — لوط عليه السلام من الرسل الذين ذكرهم القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وأول ذكر له في القرآن أنه آمن بإبراهيم عليه السلام حين كذّبه قومه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾، وقال سبحانه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. وذكر ابن كثير رحمه الله أنه ابن أخي إبراهيم، وأن الله أرسله إلى أهل سدوم وما حولها، وأن القرآن لم يسمِّ بلدة قومه، وإنما سمّاها «القرية»، وسمّاها «المؤتفكات» أي المنقلبات.

ثم تفضّل الله عليه بعد الهجرة فقال في الأنبياء: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فجمع الله له النبوة والحكم والعلم، ثم رحمته ونجاته، وشهد له بالصلاح.

— الدعوة: ألا تتقون — وأرسل الله لوطًا إلى قوم ابتدعوا في الأرض فاحشة لم يسبقهم بها أحد من الخلق. وقد جاء بيان دعوته في سور كثيرة؛ ففي الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهذه هي صفات الرسل جميعًا: دعوة إلى التقوى والطاعة، وأمانة في التبليغ، وبراءة من طلب الأجر. وسمّاه الله «أخاهم»، قال المفسرون: لأنه كان نازلًا بين ظهرانيهم، أو لأنه أخوهم في النسب أو الجوار، فكان يعيش معهم ويعرفونه ويعرفهم.

ثم جاء نكير الفاحشة بتفصيل: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. وفي الأعراف: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾. وفي النمل: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.

والقرآن يعبّر عن حقيقة فعلهم بأوصاف متعددة: فاحشة، وإسراف، وعدوان وتجاوز للحد، وجهل، وبصيرة معطّلة؛ ويبين أنهم ﴿تُبْصِرُونَ﴾ أي يفعلونها مع علمهم بقبحها وجهرًا. وفي العنكبوت وصفٌ آخر: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾. وللمفسرين في «قطع السبيل» و«المنكر في ناديهم» أقوال متعددة، ولم يرد في تحديدها خبر صحيح عن النبي ﷺ، فنكتفي بوصف القرآن له بأنه منكر يجاهرون به في مجالسهم.

— جواب القوم — ولم يكن لهم جواب إلا العناد والتهديد: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. فكانت التهمة التي يريدون إخراجهم لأجلها هي الطهارة! وقال ابن كثير في معناها إنهم عابوهم بما هو مدح، أي أنهم يتنزهون عن فعلنا. وفي الشعراء: ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وفي العنكبوت: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

فرد لوط عليه السلام بإعلان براءته من عملهم: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾، أي من المبغضين لعملكم، لا لأشخاصكم. ثم رفع أمره إلى ربه: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وقال: ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾. ولم يكن في القرية من المسلمين إلا بيت واحد، كما يقول القرآن في موضع قادم: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

— الرسل يمرون بإبراهيم أولًا — ثم جاءت الملائكة مرسلين لإهلاك القوم، فمرّوا أولًا بإبراهيم عليه السلام، كما سبق في قصته، فبشّروه بإسحاق ثم أخبروه بما جاؤوا له: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.

وفي سؤال إبراهيم عن لوط وهو يراجع الملائكة في أمره شفقة عليه، فطمأنوه بأن الله أعلم بمن فيها، وأنهم سينجون لوطًا وأهله إلا امرأته. وقد سبقت الإشارة إلى جدال إبراهيم عليه السلام في قوم لوط في قصته، وإلى قول الله له: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.

— ضيوف لوط — ثم وصل الملائكة إلى لوط، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. أي حزن لمجيئهم وضاقت نفسه، لأنه علم ما سيصيبهم من قومه. وقد ذكر المفسرون أنهم جاؤوه في صورة شبّان حسان الوجوه، وذلك يوافق ما يدل عليه سياق الآيات من شدة خوفه عليهم. وسمّى القرآن هذا اليوم «عصيبًا» أي شديدًا.

﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، أي يسرعون إليه، وقد ألفوا هذا الفعل من قبل. وفي الحجر: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ فجاء أهل البلدة فرحين بما ظنوه فريسة. فقال لهم: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾. فاستحضر حق الضيف وكرامته، وناشدهم أن يتقوا الله، وفي هود: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾، أي أما فيكم عاقل واحد يمنع هذا؟

ثم قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. وقد ذكر المفسرون في «بناتي» قولين: الأول، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وجماعة كما نقل ابن كثير، أنه يريد نساء قومه، لأن النبي بمنزلة الأب لأمته، فدلّهم على الزواج الحلال الطاهر؛ والثاني أنه يعني بناته من صلبه، وعلى كل حال فالمقصود ردهم إلى الحلال وسدّ الباب أمامهم. فأجابوا بإصرارهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾، وفي الحجر: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، أي ألم ننهك أن تُضيّف أحدًا من الناس، كما قال المفسرون.

وهنا خرجت من لوط أمنية صادقة ذكرها القرآن: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد». وبيّن العلماء أن لوطًا عليه السلام كان يأوي إلى الله وهو أشد الأركان، وأنه أراد بقوله عشيرة أو أنصارًا يدفعون بهم عن ضيوفه، ولم يكن ذلك ضعفًا في توكله. وقد جاء هذا الحديث ضمن حديث فيه ذكر إبراهيم ويوسف أيضًا.

— طمس الأعين — عند ذلك كشف الملائكة عن أنفسهم: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. فأعمى الله قومه عن الوصول، وقد ذكر ذلك في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. فكان طمس الأعين تمهيدًا ينذرهم قبل العذاب الأكبر، لكنهم تمادوا: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾.

وأمر الملائكة لوطًا بالخروج بأهله ليلًا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾. وقال في هود: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. فالموعد الصبح، والأمر السير في الليل، ونهي الالتفات، واستثناء امرأته.

وفي الحجر بيان أن هذا أمر قضاه الله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾، أي أن آخرهم سيُستأصل عند الصبح. وقد قالت الملائكة له في العنكبوت: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، وفي الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

— المرأة التي خانت — وامرأة لوط ذكرها الله مثلًا للذين كفروا: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وروى المفسرون عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الخيانة هنا ليست في الفراش، وإنما هي في الدين، وأن خيانة امرأة لوط أنها كانت تدل قومه على أضيافه. فلم ينفعها أنها زوجة نبي، لأن النجاة بالإيمان لا بالقرابة.

وفي القرآن أنها من «الغابرين» أي الباقين مع الهالكين، ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي قضينا عليها أن تكون مع من يبقى في العذاب. وفي الصافات وصفتها الآية: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾.

— فلما جاء أمرنا — ثم كان الصباح الذي وُعدوا به: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. وفي الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾، وفي القمر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾. وفي الذاريات: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾.

وجمع المفسرون من هذه الآيات صورة العذاب: صيحة أخذتهم وقت الإشراق، وقلب القرية بحيث صار أعلاها أسفلها، وحجارة من طين متحجر متتابعة «منضود» أي بعضها فوق بعض كما في تفسير ابن كثير، «مسوّمة» أي معلَّمة عند الله لا تخطئ من أُريد بها. وهي حجارة قدّرها الله لهم، ولم يثبت لنا بنص صحيح عدد ولا لون ولا أي شيء من شكلها غير هذه الأوصاف. وما يُذكر في بعض كتب التفسير والتاريخ من أن جبريل عليه السلام اقتلع المدائن بجناحه ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها، فهو من الأخبار التي لا يشهد لها نص صحيح، فنتركه.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ فهم منه المفسرون تحذيرًا عامًّا، فنقل ابن كثير عن عدد من السلف أن المعنى: وما هذه العقوبة ببعيدة عن الظالمين في كل زمان إذا فعلوا مثل فعلهم، فهي إنذار قائم لا خبر عن ماضٍ انتهى. ولهذا ختم الله ذكر القوم في سور كثيرة بقوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.

— آية باقية — وبعد العذاب بقيت القرية عبرةً: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وفي الحجر: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي أن آثارها على طريق مسلوك مقيم. وخاطب الله قريشًا في الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وفي الفرقان: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾. فكان العرب يمرّون بها في أسفارهم، ويُنبَّهون أنها ليست أسطورة بل موعظة قائمة على الطريق. وفي سورتي النجم والتوبة ذُكرت «المؤتفكة» و«المؤتفكات»، أي المنقلبات، وهي من أسماء هذه القرى.

وختم الله الخبر في سورة الشعراء بقوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾.

— دروس من قصة لوط — أولًا: الدعوة إلى الله لا تتغير في جوهرها: التقوى والطاعة والأمانة وعدم طلب الأجر، ولو اختلفت المعاصي التي ينكرها الأنبياء على أقوامهم. ثانيًا: أن الأمة قد تسمّي الطهر تهمة والفاحشة حرية، فيُعاب أهل الطهارة بأنهم أناس يتطهرون، وهذا الانقلاب في الموازين أول علامات الهلاك. ثالثًا: أن النبي نفسه قد يضيق صدره ويتمنى نصيرًا، والله يرحمه ويقرّ مشاعره دون أن يعيبها؛ وقد ترحّم عليه النبي ﷺ. رابعًا: أن القرابة بنبي لا تنفع من لا إيمان له، فقد هلكت امرأة لوط ونجا لوط وأهله، وأن الله لا يضيع أولياءه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

العبرة

الحق لا يتغير بتغير مجتمع، وقرابة النبي لا تنفع بلا إيمان، والله ينجي أولياءه ويجعل في ديار المكذبين عبرة باقية.

المصدر: القرآن الكريم: سور الأعراف، وهود، والحجر، والأنبياء، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، والذاريات، والقمر، والتحريم (مثل امرأة لوط)، والفرقان. صحيح البخاري ومسلم: حديث أبي هريرة رضي الله عنه «يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد». وتفسير ابن كثير والطبري والسعدي مع نسبة الأقوال لأصحابها.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم؛ وما سوى ذلك من تفسير فمنسوب لقائليه، وتُرك ما ورد من أخبار اقتلاع المدائن بجناح جبريل لأنه لا يشهد له نص صحيح.