— إسماعيل في القرآن — إسماعيل عليه السلام نبي رسول ذكره الله في كتابه بأوصاف كريمة. قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. وقال في الأنبياء: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾، وفي ص: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾، وفي الأنعام: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
فوصفه الله بأنه صادق الوعد، ومعناه كما ذكر ابن كثير أنه لا يعد بشيء إلا وفّى به؛ ورسول نبي؛ ويبدأ دعوته بأهله فيأمرهم بالصلاة والزكاة؛ وهو مرضي عند ربه؛ وهو من الصابرين الأخيار. وتُذكر في بعض كتب التفسير حكاية في انتظاره رجلًا وعده في مكان، ولا يصح فيها خبر، فنتركها. وقومه لم يفصّلهم القرآن، وذكر بعض المؤرخين أنه أُرسل إلى العرب المجاورين لمكة، وليس في ذلك نص صحيح فنقف عند وصف القرآن.
ومعظم ما نعرفه عن سيرته وردت به الأخبار الصحيحة في حديث طويل رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه مواضع صرّح فيها ابن عباس بقوله: قال النبي ﷺ، وسائره من روايته. وفيه أحداث هاجر وإسماعيل وزمزم وجرهم وزواج إسماعيل وزيارتي إبراهيم وبناء البيت. وسنسوق معنى الحديث بتسلسله، مع بيان ما يوافقه من القرآن والسنة.
— وادٍ ليس فيه أحد — يبدأ الحديث بأن هاجر اتخذت منطقًا، أي حزامًا تجرّ به ذيلها لتعفّي أثرها على سارة، قال الشرّاح: وذلك لما كان من غيرة سارة منها. ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس فيها ماء. فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم رجع منطلقًا.
وفي هذا الموضع من الحديث حوار تقف عنده القلوب. تبعته هاجر وقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ وكررت ذلك مرارًا وهو لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت. فهي تعلم أن ما فعله أمر من الله، وأن الله لا يضيع من أُمر بالسير في طاعته. وهذا الجواب يدل على ثقتها بربها؛ فهي لم تعترض بعد أن علمت أن الأمر من الله، وبنت يقينها على أن الله لا يضيع من أطاعه.
— دعاء عند الثنية — وانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات ورفع يديه، وهي التي ذكرها القرآن في سورة إبراهيم: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
فأول ما سأل لأهله إقامة الصلاة، ثم أن تميل إليهم قلوب الناس، ثم الرزق. وهذا ترتيب يستحق التأمل؛ فقد أسكنهم هناك ليقيموا الصلاة عند بيت الله، وسأل الرزق ليقوموا بالشكر. ومما يوافق هذا الدعاء قوله تعالى في سورة القصص عن مكة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا﴾.
— العطش والسعي — وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فذلك سعي الناس بينهما». ففي هذه الجملة يربط النبي ﷺ بين سعي الحجاج والمعتمرين اليوم وبين سعي هاجر. وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقال: «أبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا.
— زمزم — فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمّعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غَواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء. فجعلت تحوّضه، أي تجمعه وتحيطه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا معينًا». أي لو تركتها لجرت على وجه الأرض عيونًا ظاهرة. فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: «لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيتَ الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله».
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله. وهذا وصف للمكان الذي سيُبنى فيه البيت قبل قيام البناء، كما ورد في الحديث.
وأما فضل ماء زمزم فثابت في السنة؛ ففي صحيح مسلم في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه أنه مكث بمكة أيامًا لا طعام له إلا ماء زمزم، فقال له النبي ﷺ: «إنها مباركة، إنها طعام طُعم»، وفي الحديث أنه سمن حتى تكسرت عكن بطنه وما وجد على كبده سخفة جوع، أي ضعف الجوع. وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم.
— جُرهم تنزل — ثم يصف الحديث كيف عاد الناس إلى الوادي: فكانت كذلك حتى مرّت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، أي يحوم ويدور، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريًّا - أو جريّين - أي رسولًا أو رسولين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا.
وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس». فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.
فمن هنا بدأت مكة تعمر، ولم تكن بقعة مأهولة. وفي هذا الخبر أدب هاجر في الاحتفاظ بحقها: أذنت لهم بالنزول لكنها أعلنت أن الماء لها، فاعترفوا بذلك، ولم يكن لهم حق فيه. وبهذا اجتمعت لإسماعيل عليه السلام صحبة قوم عرب في طفولته.
— الفتى الذي تعلّم العربية — وشبّ الغلام وتعلّم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. أي أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم، وصار نفيسًا عندهم يعجبهم حين شبّ، كما جاء في الحديث. ومن أنساب العرب بعد ذلك ما رواه مسلم عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». فكان النبي ﷺ من ولد إسماعيل عليه السلام.
وفي صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: مرّ النبي ﷺ على نفر من أسلم يتناضلون - أي يتسابقون في الرمي - فقال: «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا». ويوافق ذلك ما في حديث ابن عباس من أن إسماعيل كان يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم حين جاءه أبوه في المرة الثالثة.
— زيارة إبراهيم الأولى: عتبة الباب — ثم يذكر الحديث أن إبراهيم جاء بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، أي يتفقد ما تركه، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، أي يطلب رزقنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له يغيّر عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك. فطلقها، وتزوج منهم أخرى.
— زيارته الثانية: ثبّت عتبة بابك — فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. ثم قال إبراهيم: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبّت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبّت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
والمقصود بالعتبة في الخبر الزوجة، كما صرّح إسماعيل بقوله «وأنت العتبة»؛ فأمر الأول بمفارقة من شكت ضيق العيش، وأمر الثاني بإمساك من أثنت على الله وذكرت الخير. وذكر شرّاح الحديث من فوائده أن الأب ينظر في شأن زوجة ابنه، وأن الشكر والثناء على الله من علامات الصلاح في الزوجة. وليس هذا موضع بسط أحكامه الفقهية.
— الذبح — ومن أعظم ما يتصل بإسماعيل عليه السلام قصة الذبح التي ذكرها الله في سورة الصافات: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
والقرآن لم يصرّح باسم هذا الغلام، وقد اختلف السلف فيه، ورجّح ابن كثير أنه إسماعيل لأن الله بشّر إبراهيم بإسحاق بعد قصة الذبح، ثم بيعقوب من وراء إسحاق، فلا يُؤمر بذبح من وُعد بأن يلد. والحديث الطويل في الصحيح عن هاجر وإسماعيل لا يذكر حادثة الذبح ولا يسمّي الذبيح، فنقف على ما في القرآن: غلام حليم، وأب يعرض الأمر، وابن يسلّم ويقول إن شاء الله من الصابرين. ثم قال الله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
وإذا كان المراد إسماعيل - وهو الذي رجّحه ابن كثير - فإن في الآية ثناءً من الله على صبره وحلمه؛ فالحلم الذي وُصف به عند البشارة هو الذي ظهر عند البلاء، فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، ويلاحظ المتأمل أنه أسند الأمر إلى الله لا إلى أبيه.
— بناء البيت — وعهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل معًا بتطهير بيته: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وفي الحديث الطويل نفسه أن إبراهيم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا. فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان ذلك.
فإسماعيل عليه السلام شريك أبيه في أعظم عمل: يأتيه بالحجارة، ويناوله إياها، ويدعو معه. وقد أخبر القرآن عن دعائهما الجامع: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾. وهكذا جُمع في هذا الموضع دعوةُ الابن والأب معًا لبعثة النبي ﷺ من ذريتهما.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فمُحيت، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال النبي ﷺ: «قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط». وفي هذا براءة لهما من الاستقسام بالأزلام مما نُسب إليهما في تلك الصور.
وجاء إسماعيل ذكرًا مع آبائه في وصية يعقوب لبنيه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وفي الأمر بالإيمان بما أُنزل إليه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾، وفي الوحي: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾.
— ما سكتت عنه النصوص — هناك أمور تُروى في بعض الكتب عن إسماعيل لا يثبت لها إسناد صحيح، منها تحديد عمره عند الذبح، وعدد سنين إقامته بمكة، وتفاصيل وفاته ومدفنه، وكيف تولّى أمر البيت بعد أبيه، وأسماء أبنائه وأحوالهم. ونحن لا نذكر شيئًا من ذلك ما لم يرد به نص، ونقتصر على ما في القرآن وصحيح الحديث.
— العبرة — قصة إسماعيل عليه السلام تبدأ برضيع في وادٍ بلا ماء، وتنتهي ببيت تهوي إليه أفئدة الناس، وبدعوة تنتهي ببعثة خاتم النبيين من ذريته. وفيها أن من ترك أمره لله لا يضيع، وأن الصبر والسعي سبب للفرج، وأن الأم المؤمنة الواثقة بالله قد ترفع الله ذكرها وتجعل سعيها نسكًا للناس إلى قيام الساعة، وأن البر بين الأب وابنه يبلغ ذروته حين يجتمعان على طاعة الله، وأن الدعاء بالقبول مقرون بالعمل: يبنيان ويقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
