الرؤيا وبداية الابتلاء
سمّى الله تعالى قصة يوسف عليه السلام ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وأنزلها في سورة كاملة تحمل اسمه، وساق فيها القصة متتابعة في موضع واحد. وتبدأ بمنام رآه يوسف وهو غلام في بيت أبيه يعقوب عليهما السلام، فجاء إلى أبيه وقال: يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. فلم يستعجل يعقوب في التفسير، وإنما أوصاه أن يكتم الرؤيا عن إخوته حتى لا يكيدوا له كيدًا، وبيّن له أن الشيطان للإنسان عدوّ مبين. ثم بشّره بما سيكون: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وروى البخاري تعليقًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤيا الأنبياء وحي. ومن هذا الباب فهم أهل العلم أن رؤيا يوسف كانت من الله، وأن تأويلها تأخّر زمنًا طويلًا حتى وقع، كما سيأتي في آخر السورة. وذكر ابن كثير رحمه الله وغيره من المفسرين أن الكواكب الأحد عشر هم إخوته، وأن الشمس والقمر أبواه، وهذا هو الذي يدل عليه ختام القصة حين خرّ إخوته وأبواه له سجدًا. ولم يفصّل القرآن من المقصود بالقمر على وجه التحديد، فنكتفي بقوله تعالى في آخر السورة ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾.
ويعقوب عليه السلام كان يعلم من أمر ابنه أن الله مصطفيه، وكان يرى من أبنائه ما يرى، فلما سمع الرؤيا حذّره من الإخوة. وهذا يبيّن أن الحذر من الحسد ليس سوء ظن بالمؤمنين، وإنما هو أخذ بالأسباب، وهو من هدي الأنبياء.
حسد الإخوة وتآمرهم
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾. فقال الإخوة فيما بينهم: ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منا ونحن جماعة، إن أبانا لفي ضلال مبين. والمراد بأخيه شقيقه بنيامين كما ذكر المفسرون، ولم يُسمِّه القرآن. والضلال هنا ليس الكفر، وإنما هو الخطأ في تقدير الأمور في نظرهم، أي أنه يؤثر اثنين على عشرة وهم ذوو قوة وعدد.
ثم دبّروا: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين. فأعلنوا نيّتهم أن يتوبوا بعد الجريمة، وهذا من خداع النفس الذي يزيّنه الشيطان لصاحب المعصية. فقال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجُبّ يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين. وقد اختلف المفسرون في اسم هذا القائل: فقيل روبيل وقيل يهوذا وقيل غيرهما، ولم يصح في ذلك خبر مرفوع، فالأحسن ألا نجزم باسم. والمعنى المقصود أن الله ردّ بهذا القول عن يوسف القتل، فكان من لطف الله به.
ثم جاؤوا أباهم فقالوا: يا أبانا ما لك لا تأمنّا على يوسف وإنا له لناصحون، أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون. قال: إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون. قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذًا لخاسرون. ويلاحظ أن يعقوب ذكر الذئب، فأخذوها حجة من فم أبيهم لتكون عذرهم، وفي هذا عبرة في أن الحاسد يتلقف أي كلمة ليتخذها عذرًا.
فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، أوحى الله إلى يوسف: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. فكان هذا الوحي تثبيتًا له وهو في أضيق ما يكون، ووعدًا بأن العاقبة له، وأنه سيلقاهم يومًا ويخبرهم بما فعلوا وهم لا يعرفونه.
الدم الكذب وصبر يعقوب
رجع الإخوة عشاءً يبكون، وقالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين. وجاؤوا على قميصه بدم كذب. ونقل كثير من المفسرين، ومنهم ابن كثير، أن يعقوب استدل بسلامة القميص من التمزيق على كذبهم، وهذا استنباط من أهل التفسير لا خبر مرفوع فيه. فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾. وهذه العبارة المعروفة عن يعقوب عليه السلام قد وردت عنه مرتين في السورة، هنا وعند فقد بنيامين. والصبر الجميل كما نقل عن بعض السلف هو الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى للخلق، وإنما الشكوى إلى الله، كما قال في آخر القصة: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
من الجب إلى مصر
وجاءت سيارة، فأرسلوا واردهم ليستقي، فأدلى دلوه فقال: يا بشرى هذا غلام! وأسرّوه بضاعة. والله عليم بما يعملون. ثم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. واختلف المفسرون هل الذين باعوه هم إخوته أم السيارة، وأيًّا كان فالقرآن لم يُعيّن، وما وُرد في عدد الدراهم وفي سنّ يوسف حينئذ من الآثار لا يثبت منه شيء، فأعرضنا عنه. ومعنى الزهد هنا أنهم لم يرغبوا فيه ولم يعرفوا قدره.
واشتراه رجل من مصر، وسماه القرآن بعد ذلك العزيز. قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. فمكّن الله ليوسف في الأرض ولنعلّمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فاجتمعت له في الجب والبيع والغربة أنواع من الخذلان البشري، وفي كل ذلك كان الله يُمهّد له. ثم قال الله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، وقد قال المفسرون إن الحكم هنا الحكمة والنبوة، وإن بلوغ الأشد هو اكتمال القوة.
الفتنة في بيت العزيز
ثم جاءه الامتحان الأشد من الجب. فراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلّقت الأبواب وقالت: هيت لك. فقال يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. وفي المراد بقوله «إنه ربي» قولان: أنه يعني زوجها سيده الذي أكرمه، وأنه يعني الله. وكلاهما يؤدي إلى أنه ردّ بالخوف من الله وبالوفاء لمن أحسن إليه. وقد جمع في موقفه المروءة والتقوى.
وقال الله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. وللعلماء في معنى همّه بها أقوال، والذي عليه المحققون من أهل التفسير أن الهمّ الذي ورد في حقه خاطر عارض في النفس لم يتبعه عزم ولا عمل، وأن الله صرفه بالبرهان، وقد شهد الله له في الآية نفسها بالإخلاص. ويُؤيّد ذلك ما ثبت في الصحيحين من أن من هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة. وأما ما وُرد في تعيين البرهان من أخبار مفصّلة في بعض كتب التفسير فهو مما لا يصح، ومنه ما هو من الإسرائيليات، فلا نعتمده ولا ننقله.
واستبقا الباب، وقدّت قميصه من دبر، وألفيا سيدها لدى الباب، فبادرت قائلة: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يُسجن أو عذاب أليم. فقال يوسف: هي راودتني عن نفسي. وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قدّ من دبر قال: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. يوسف أعرض عن هذا، واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين. واختلف في الشاهد: فرُوي عن ابن عباس أنه صبيّ في المهد، وقال آخرون إنه رجل حكيم من أهلها، والآية لم تحسم ذلك.
نسوة المدينة والسجن
ثم شاع الخبر في المدينة، فقال نسوة: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًّا. فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعدّت لهن متكأً وآتت كل واحدة منهن سكينًا، وقالت ليوسف: اخرج عليهن. فلما رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهن، وقلن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقد ثبت في صحيح مسلم، في حديث الإسراء، أن النبي ﷺ لقي يوسف في السماء الثالثة فإذا هو قد أعطي شطر الحسن. فصار هذا الحديث دليلًا على أن جماله كان آية، ولا يزيد القرآن ولا السنة على ذلك وصفًا.
فقالت المرأة: فذلكن الذي لمتنّني فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليُسجنن وليكونًا من الصاغرين. فقال يوسف: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم. وفي هذا الموضع قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله». ومن أظهر الأمثلة على هذا الصنف في القرآن يوسف عليه السلام.
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه حتى حين، فدخل السجن.
في السجن: الدعوة قبل التفسير
دخل معه السجن فتيان. قال أحدهما: إني أراني أعصر خمرًا. وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، نبّئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين. فبدأ يوسف بالتوحيد قبل أن يفسّر، وقال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبّأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي، إني تركت ملّة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وهذا يدل على أن الداعية ينتهز الفرصة، وأن الدعوة إلى التوحيد مقدّمة على الفتوى، وقد ذكر ذلك ابن كثير والسعدي في تفسيريهما. ثم قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وبيّن لهما أن ما يعبدون من دونه ليست إلا أسماء سمّوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم.
ثم فسّر: أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا، وأما الآخر فيُصلب فتأكل الطير من رأسه، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك. فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث في السجن بضع سنين. والبضع في اللغة ما بين الثلاث إلى التسع. وهناك رواية تقول إن سبب طول سجنه قوله هذا، رواها الطبري عن ابن عباس مرفوعة، وضعّفها ابن كثير، فلا تثبت. والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.
رؤيا الملك
ثم رأى الملك رؤيا: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. وقال للملأ: يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وهنا تذكّر الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة، فقال: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. فجاء إلى السجن، وقال: يوسف أيها الصديق أفتنا. فلم يشترط يوسف شرطًا ولم يعاتب، بل فسّر وزاد من عنده خطة: تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلًا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلًا مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. أي أن بعد سبع سنين من الخصب سبعًا من الجدب، ثم عامًا يأتي فيه الفرج. والعام الأخير لم يكن في الرؤيا، فعلمه يوسف بوحي من الله، كما ذكر المفسرون.
براءة يوسف قبل الخروج
فلما بلغ الملك التفسير قال: ائتوني به. فلما جاء الرسول قال يوسف: ﴿ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. فلم يخرج حتى تثبت براءته. وقد قال النبي ﷺ في الصحيحين: «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي». ومعنى الحديث أن النبي ﷺ يثني على صبر يوسف وحرصه على إظهار براءته، لا أنه يعيب الخروج. وفي الحديث نفسه قوله ﷺ: «ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد».
فجمع الملك النسوة فقال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء. قالت امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ثم جاء قوله تعالى: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. واختلف المفسرون: هل هذا كلام يوسف أم كلام امرأة العزيز؟ ومال جماعة من المحققين منهم ابن تيمية وابن كثير إلى أنه من كلامها، والقول الآخر أنه من كلام يوسف، وعلى القولين ففيه معنى عظيم.
التمكين والخزائن
ثم قال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي. فلما كلّمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين. فقال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. وقد استنبط العلماء من هذا جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الكفاءة، وأنه لا يخالف نهي النبي ﷺ عن طلب الإمارة في حق من لا يحسنها. ولاحظ العلماء أن الله سمّى الحاكم هنا الملك، وسمّى الآخر العزيز، ولم يقل فرعون كما قال في قصة موسى، مما يشير إلى أن ملك يوسف غير فرعون موسى.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
الإخوة يأتون مصر
وجاءت سنوات الجدب، فجاء إخوة يوسف لميرة الطعام، فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون. فلما جهّزهم بجهازهم قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون. قالوا: سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون. وأمر فتيانه أن يجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون.
فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل. قال: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل؟ فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين. فلما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم. قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقًا من الله لتأتنّني به إلا أن يحاط بكم. فلما آتوه موثقهم قال: الله على ما نقول وكيل. وأوصاهم: يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت. وسبب هذه الوصية كما قال ابن عباس وغيره من السلف أنه خاف عليهم العين لكثرتهم وحسن هيئتهم، ولكنه قرن ذلك بالتوكل، وبيّن أن الحذر لا يرد قدر الله. وقال الله عن يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.
السقاية وبنيامين
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال: إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون. ثم جعل السقاية في رحل أخيه، ثم أذّن مؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون. قالوا: ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم. قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. قالوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه. فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه. قال الله: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فالتدبير كان بتعليم الله ومشيئته، والمعنى كما ذكر المفسرون أن حكم السارق في دين الملك لا يقتضي استبقاء الأخ عنده، وإنما تمّ ذلك بما جرى على ألسنة الإخوة من حكم يعرفونه في ملّتهم، فأخذه يوسف بذلك.
قال الإخوة: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال: أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون. وما نُقل في تفسير سرقته المزعومة من قبل مما لم يصح فيه خبر، فنتركه. ثم قالوا: يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين. قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون.
الكبير يرفض الرجوع وتجدد حزن يعقوب
فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا. قال كبيرهم: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله، ومن قبل ما فرطتم في يوسف، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. ارجعوا إلى أبيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين، واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون.
قال يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وتولّى عنهم وقال: يا أسفى على يوسف. وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم. أي كتوم لحزنه لا يظهره. قالوا: تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين. قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون. ثم قال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. ويستدل العلماء بهذا على أن البكاء وحزن القلب لا ينافيان الصبر، وقد قال النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم: «العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». أما ما سوى ذلك من أخبار طول مدة بكائه وعدد سنين غيبة يوسف فلا يثبت منها شيء بالتحديد في القرآن ولا في الصحيح.
الكشف: أنا يوسف
فرجع الإخوة إلى مصر. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين. فرقّ لهم، قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ قالوا: أئنك لأنت يوسف؟ قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وهذا العفو وقع منه وهو في أعلى درجات القدرة، وهو من أعظم ما ورد في أخلاق الأنبياء،
القميص والبشارة
ثم قال: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا وأتوني بأهلكم أجمعين. فلما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون. قالوا: تالله إنك لفي ضلالك القديم. فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرًا، قال: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ فطلبوا منه الاستغفار، قال: سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم. وذكر ابن كثير عن بعض السلف أنه أخّر الاستغفار إلى وقت السحر، ولا يثبت في ذلك مرفوع صحيح فيما أعلم.
تأويل الرؤيا
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدًا. وكان السجود في الأمم السابقة تحية وتكريمًا، ثم نسخ في شريعتنا بأن السجود لا يكون إلا لله، كما ذكر المفسرون. وقال: ﴿يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وذكر المفسرون أنه لم يذكر الجب لئلا يخجل إخوته، وذكر السجن ولم يذكر ما قبله من الأذى. وهذا من الأدب.
ثم ختم دعاءه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. فمن بين كل ما أعطاه الله من الملك والجاه، كان آخر ما طلبه حسن الخاتمة.
الخاتمة والعبرة
ثم قال الله لنبيه ﷺ: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. وختم السورة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله»، وفي رواية ابن عمر: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». وهذا الثناء النبوي هو الشهادة الأخيرة على قيمة هذه القصة: أنها قصة نبيٍّ ابتُلي بالجب والرق والفتنة والسجن، فصبر وتقوى وعفا، فأعطاه الله العزة والتمكين ولمّ شمله بأهله.
وفي كل ذلك رأى أهل العلم ما قاله الله على لسان يوسف: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
