نسب مبارك في ذكر القرآن
إسحاق ويعقوب عليهما السلام نبيان كريمان من سلالة إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، فإسحاق ابنه، ويعقوب ابن إسحاق، وقد جمعهما القرآن مرارًا في موضع واحد، فإذا ذُكر أحدهما غالبًا ذُكر الآخر معه. ولا يوجد في القرآن للواحد منهما قصة متصلة طويلة كقصة يوسف، وإنما جاء ذكرهما في مواضع متفرقة: بشارة، وهبة، وثناء، ووصية. ولذلك لن نضيف ههنا شيئًا لم يرد به القرآن ولا صحيح السنة، وإنما نجمع ما ورد ونبيّنه بتفسير أهل العلم.
وقد ثبت في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». وهذا الحديث من أصح ما يُعرف في نسب يعقوب وإسحاق عليهما السلام من السنة، ويُظهر أن كرم النبوة توارثه أربعة أجيال متتالية: إبراهيم، ثم إسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف.
بشارة إسحاق: ضيوف إبراهيم
ذكر الله تعالى قصة البشارة بإسحاق في ثلاث سور: هود والحجر والذاريات. ففي سورة هود قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. أي جاء بعجل مشوي. فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط. وكانت امرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
وفي هذا قال ابن كثير ما معناه أن الملائكة جاؤوا في صورة بشر، وأن إبراهيم عليه السلام قدّم لهم الضيافة على عادته في إكرام الضيف، فلما لم يأكلوا خاف، وهذا يبيّن أن من آداب الضيافة المبادرة بتقديم الطعام. ثم اختلف العلماء في معنى ضحك امرأته: فقيل ضحكت سرورًا بهلاك قوم لوط، وقيل ضحكت تعجبًا من خوف إبراهيم وهم ملائكة لا يصيبه منهم أذى، وقيل غير ذلك، والآية لم تحسم المراد، ولا يثبت في ذلك خبر مرفوع.
والمهم أن الله بشّرها بإسحاق، وبشّرها كذلك بأن إسحاق سيكون له ولد هو يعقوب. وهذا فيه عناية عظيمة: أن الله بشّرها بالولد وبولد الولد في آنٍ واحد. قالت: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. قالوا: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾. وفي هذا الخطاب لأهل البيت كله قال أهل العلم إن فيه دلالة على فضل زوج إبراهيم، وإن سياق الآية يُدخلها في أهل البيت. والتعجب في الآية ليس إنكارًا لقدرة الله، وإنما هو تعجب من جريان العادة، فردّت الملائكة بأن هذا من أمر الله.
وفي سورة الحجر: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ثم قال إبراهيم: إنا منكم وجلون. قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. قال: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. فبيّن إبراهيم أنه لم يكن قانطًا، وإنما استعظم الأمر وعجب من الكبر. وفي سورة الذاريات: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، فأقبلت امرأته في صرة فصكّت وجهها وقالت: عجوز عقيم. قالوا: كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم. والمقصود بالغلام العليم هنا إسحاق، كما قال المفسرون ومنهم ابن كثير، وصرّح بذلك في سورة هود قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾. فوصفه الله بالعلم قبل أن يولد.
وفي سورة الصافات بعد قصة الذبيح قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. فسمّاه الله نبيًّا من الصالحين، وهذه بشارة بنبوته، وبيّن أن في ذرية إبراهيم وإسحاق المحسن والظالم، فلا يغني الانتساب إلى الأنبياء عن العمل، وهذا مما نبّه عليه أهل التفسير في هذه الآية.
مسألة الذبيح: لا يثبت أنه إسحاق
لا بد هنا من التنبيه على مسألة اشتهرت: من هو الغلام الذي أُمر إبراهيم بذبحه؟ فقد ذكر الله قصة الذبح في الصافات، ثم قال بعدها: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾. فجعل البشارة بإسحاق بعد القصة، وهذا مما استدل به ابن كثير وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق، لأن الله بشّر بإسحاق بعد الفراغ من القصة. وقد رُوي عن بعض السلف أنه إسحاق، وهي مرويات تدور على أخبار من أهل الكتاب، ولا يثبت فيها حديث صحيح مرفوع. فنذكر المسألة تنبيهًا ولا نبني عليها، وقد ذكرنا الراجح عند ابن كثير. وهذا مما يُستفاد منه ألا يُنسب إلى إسحاق عليه السلام ما لم يثبت له.
الهبة والثناء
وقال تعالى في الأنبياء: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. والنافلة هي الزيادة، وفسّر ابن عباس ومجاهد وغيرهما النافلة بولد الولد، كما نقل ابن كثير، فيكون يعقوب هو النافلة، أي زيادة على الولد. وقد جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، وذكر من أعمالهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكانوا لله عابدين. فكانت وظيفة هذه الأسرة النبوية العبادة والهداية معًا.
وقال في مريم: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. فقد ربط الله هبة إسحاق ويعقوب بهجرة إبراهيم من قومه وتركهم، فكان العِوض عن الأهل والوطن ذرية صالحة، ولسان صدق، أي ثناء حسن باقٍ في الآخرين. ونقل ابن كثير أن المراد بلسان الصدق الثناء الحسن.
وفي العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال ابن كثير: إن الله جعل النبوة والكتاب في ذرية إبراهيم، فلم يأتِ بعد إبراهيم نبيٌّ إلا من نسله، وكل الكتب المنزلة بعده نزلت على ذريته. وهذا الاستنتاج صحيح فيما يتعلق بالأنبياء المعروفين، وقد ختمها الله بمحمد ﷺ من ذرية إسماعيل.
وفي الأنعام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا﴾. وفي سورة ص جمعهم الله بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾. وفسّر المفسرون الأيدي بالقوة في العبادة والعمل، والأبصار بالبصيرة في الدين، ومعنى «خالصة ذكرى الدار» عند مجاهد وغيره أنهم أخلصوا لذكر الآخرة فلا يشتغلون إلا بها، قال ابن كثير نحو ذلك. فمما يلفت أن هذا الوصف جاء لإبراهيم وإسحاق ويعقوب جميعًا: قوة في العمل، وبصيرة في الدين، وإخلاص للآخرة.
إسرائيل: اسم ثانٍ ليعقوب
يعقوب عليه السلام هو إسرائيل الذي نُسب إليه بنو إسرائيل. قال ابن عباس كما نقله الطبري وابن كثير: إسرائيل يعقوب. وأما ما يُذكر من معنى كلمة إسرائيل في لغتهم، وكيف أُعطي هذا الاسم، فلا يثبت فيه شيء من القرآن أو الصحيح، فنتركه. ولكن القرآن ينادي بني إسرائيل في مواضع عدة بـ«يا بني إسرائيل» تذكيرًا لهم بأن أباهم عبد صالح ونبي كريم.
وفي آل عمران: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. فأخبر الله أن يعقوب حرّم على نفسه شيئًا من الطعام قبل نزول التوراة. وقد ورد في سبب ذلك حديث عن ابن عباس عند أحمد والترمذي في أن يعقوب نذر إن شفاه الله من مرضه أن يحرّم أحب الطعام إليه فحرّم لحوم الإبل وألبانها، وللعلماء كلام في ثبوت هذا الحديث وإسناده، وقد ذكره ابن كثير وغيره. فلا نجزم بتفاصيله، ونقتصر على ما دلّ عليه القرآن من أن يعقوب حرّم على نفسه شيئًا من الطعام اجتهادًا منه أو نذرًا، وأنه لم يكن ذلك تحريمًا من الله على بني إسرائيل في أصل شرعهم.
وصية إبراهيم ويعقوب لبنيهما
قال الله في سورة البقرة: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. أي وصّى إبراهيم بنيه بهذه الملّة، ووصّى بها يعقوب بنيه كذلك، وهي ملة الإسلام، أي الانقياد لله وحده. وبيّن ابن كثير أن في ذلك تأكيدًا لتوارث التوحيد بين الأجيال. وقوله ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي دوموا على الإسلام في حياتكم حتى يأتيكم الموت وأنتم عليه.
ثم قال الله: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وهذا سؤال تقرير وإلزام للمخاطَبين: هل كنتم حاضرين عند موت يعقوب؟ فبيّن لهم أن آخر ما سأل عنه يعقوب أبناءه عند احتضاره لم يكن مالًا ولا ميراثًا، وإنما كان العبادة: ما تعبدون من بعدي؟ ويدل هذا السؤال على شدة اهتمامه بالتوحيد حتى في آخر لحظاته. وقد جاء الجواب من البنين بتوحيد خالص: نعبد إلهك وإله آبائك. وذكر المفسرون أن إسماعيل سُمّي في الآية مع الآباء وهو عم يعقوب، والعرب تسمي العم أبًا، كما قال ابن كثير ونقله عن بعض السلف.
والآية جاءت في سياق الرد على أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم ويعقوب كانوا على اليهودية أو النصرانية، فأبطل الله ذلك بقوله في آل عمران: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾. وفي البقرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فالشرف في الأنبياء بالاتباع لا بالنسب.
وأمر الله المؤمنين أن يقولوا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾. والأسباط هم القبائل المنحدرة من أبناء يعقوب الاثني عشر، كما ذكر المفسرون، وفيهم أنبياء أوحى الله إليهم. فالإيمان بإسحاق ويعقوب جزء من إيمان المسلم، لا يفرّق بين أحد من رسله.
يعقوب في سورة يوسف: عالم وأب
أما ما نعرفه من تفصيل حياة يعقوب عليه السلام فمصدره سورة يوسف. فقد ذكر الله فيها أن يعقوب عرف تأويل رؤيا يوسف، فنهاه عن قصّها على إخوته، وبشّره أن يتم الله نعمته عليه كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق. وهذا يدل على أن يعقوب كان يعلم أن النبوة في بيتهم. ولما حذّره من إخوته كان يُعطي مثالًا للأب المربي الذي يحمي أبناءه من الحسد بالحكمة لا بالعنف.
ثم لما جاؤوه بقميص يوسف عليه دم كذب، قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾. وفي هذا القول من الفقه الكثير: فهو يتهم نفوسهم لا ألسنتهم، ثم يلجأ إلى الصبر ثم إلى الله. وقد قال بعض السلف، كما نقل ابن كثير: الصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه. ولا تعارض بين الصبر الجميل وبين شكواه إلى الله، فإنه قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والذي ينافي الصبر هو الشكوى إلى الخلق تسخطًا. وقد نص العلماء على هذا.
ثم لما طلب الإخوة العشرة أن يرسل معهم بنيامين، قال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ثم لما أعطوه موثقًا من الله أرسله معهم. ولما أراد أن يدخلوا مصر قال: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ثم قال الله في وصفه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالأخذ بالأسباب والتوكل معًا هو علم يعقوب الذي شهد له الله به.
وبعد أن فُقد بنيامين، قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾. فمع أن حزنه ازداد حتى ابيضت عيناه، لم يفقد الأمل. وأمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه، وأن لا ييأسوا من روح الله، وقال إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وهذا من أحسن ما يُستدل به على أن اليأس من رحمة الله ليس من صفات المؤمنين.
الحزن والصبر معًا
ويظن بعض الناس أن الصبر يعني عدم البكاء. وقصة يعقوب تبيّن غير ذلك، فقد بكى حتى ابيضت عيناه، وقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم قال: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». وروى الشيخان عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ بكى عند سعد بن عبادة رضي الله عنه وقال: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم» وأشار إلى لسانه. فالحزن الذي لا يخرج إلى اعتراض على قضاء الله لا ينافي الصبر، وهو سنة الأنبياء.
وقد قال النبي ﷺ فيما أخرجه الترمذي وابن ماجه عن سعد رضي الله عنه: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه»، وصححه الترمذي وغيره. وبلاء يعقوب أنه ابتُلي بفقد حبيبين، يوسف ثم بنيامين، ومع ذلك لم يتخلَّ عن حسن الظن بالله، كما قال: عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا.
البشرى والقميص وأمر الاستغفار
ثم لما فصلت العير من مصر قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾. أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف وضعف العقل. فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، أي في خطئك القديم في حب يوسف. فلما جاء البشير وألقى القميص على وجهه ارتد بصيرًا، فقال: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقد ذكر المفسرون أن هذه الريح كانت آية خاصة بيعقوب أكرمه الله بها، وهي ليست علمًا بالغيب مطلقًا، فإنه لم يعلم بمكان يوسف طوال تلك السنين حتى أذن الله بذلك، وإنما أُذن له أن يجد الريح لما حان وقت اللقاء. وفي هذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾.
ثم لما قال أبناؤه: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، أجاب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فتاب الأبناء بين يدي أبيهم، واعترفوا بخطئهم، وتلقّى الأب توبتهم برحمة. وقد روى ابن كثير عن بعض السلف أنه أخّر الاستغفار إلى وقت السحر، وهذا لا يثبت فيه حديث مرفوع صحيح فيما أعلم، فنذكره أثرًا عن السلف لا حديثًا.
اللقاء الأخير في مصر
ثم جاءوا إلى مصر، ودخلوا على يوسف، فرفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدًا، وقال: ﴿يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. فتحقق ما بشّر به يعقوب ابنه قبل عقود حين قال له: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. وكانت سورة يوسف تُظهر أن من عاش حياته على الصبر والتوكل رأى تأويل ما انتظر.
ولا يذكر القرآن ولا صحيح السنة متى مات يعقوب، ولا أين دُفن، ولا من حضر موته، وما يُنقل في ذلك من الأخبار فمرجعه إلى الإسرائيليات فلا نعتمده. أما ما يذكر القرآن عن لحظة احتضاره، فهو ما أوردته سورة البقرة: وصيته لبنيه بالتوحيد. فكان أبرز ما حفظه القرآن من لحظاته الأخيرة وصيته لا تفاصيل موته.
ما نعرفه عن إسحاق وما لا نعرفه
ويحسن أن نبيّن بوضوح أن ما نعرفه يقينًا عن إسحاق عليه السلام قليل: أنه ابن إبراهيم، وأن الملائكة بشّرت به وبأنه غلام عليم، وأن الله وصفه بأنه نبي من الصالحين، وأنه وهب له يعقوب، وأنه من أولي الأيدي والأبصار، وأنه من المصطفين الأخيار، وأن بنيه ورثوا التوحيد. أما ما يتعلق بزواجه وبأبنائه وعدد سني حياته وقصته مع ولديه فمصدره الإسرائيليات، ولم يرد منه شيء في القرآن ولا في صحيح السنة، فلا نذكره. وكذلك أخبار عيسو وما يرد من أسمائهم وتفاصيلهم لا يثبت فيها شيء في المصدرين.
العبرة
إن في هذه الأسرة النبوية درسًا في توارث الإيمان: إبراهيم يوصي، وإسحاق ويعقوب يوصيان، ويوسف يختم بدعائه أن يتوفاه الله مسلمًا. وكلما جاء ذكر الأجداد في القرآن فهو لتأكيد أن الدين ليس عادة تُورَث، وإنما هو وصية تُحمل. ولذلك أراد يعقوب أن يتحقق عند وفاته من ثبات أبنائه، وأراد القرآن أن يخبرنا بجوابهم.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»، فالشرف هنا يجمع بين النسب والتقوى، فهؤلاء الأنبياء الأربعة قد جمعوا الأمرين، ولكن الذي رفعهم الله به هو العبادة والعلم والصبر.
