Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٣ دقيقة

شعيب عليه السلام وأصحاب مدين والأيكة: ويل للمطففين

شعيب عليه السلام

مدين والأيكة: من هم قوم شعيب

شعيب عليه السلام نبيٌّ ورسول أرسله الله إلى أهل مدين، وهم قوم سُمّوا باسم بلدتهم أو أبيهم، وكانت ديارهم، كما ذكر المفسرون، على طريق القوافل نحو الشام. وقد ذكر الله قصته في سور عدة: الأعراف وهود والشعراء والعنكبوت، وأشار إليه في سور الحجر وق وص. ومدين في المفسرين: قبيلة تنتسب إلى مدين بن إبراهيم عليه السلام، كما ذكر ابن كثير وغيره، والقرآن لم يفصّل نسبهم، وإنما قال: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. وكلمة «أخاهم» معناها أخوهم في النسب والقومية، لا في الدين، فكان شعيب من قومهم يعرفون صدقه ونسبه.

وجاء في سورة الشعراء ذكر قوم آخرين هم «أصحاب الأيكة»، والأيكة هي الغَيضة الكثيفة الشجر. وللعلماء قولان في ذلك: الأول أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين أنفسهم، سُمّوا بذلك في سياق آخر. والثاني أنهم أمة أخرى جاورتهم أُرسل إليها شعيب كذلك. ومما يستدل به أصحاب القول الثاني، وهو الذي مال إليه جمع من أهل العلم، أن الله قال في مدين «أخاهم شعيبًا»، ولم يقل ذلك في الأيكة، فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وأن العذاب اختلف في وصفه بين السياقين. وعلى القولين فشعيب عليه السلام هو الرسول إليهم جميعًا، والرسالة واحدة: التوحيد والعدل في الكيل والميزان.

وقد جاء في سورة الحجر: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾. والمراد بقوله «وإنهما» عند المفسرين مدينة قوم لوط ومساكن أصحاب الأيكة، وهما على طريق واضح يمرّ به الناس، أي أن آثارهم باقية للاعتبار. وقال ابن كثير: الإمام هنا الطريق.

الدعوة: اعبدوا الله وأوفوا الكيل

دعا شعيب قومه بمثل ما دعا به الأنبياء قبله، فبدأ بالتوحيد: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. ثم أتبعه بالنهي عن معصيتهم الخاصة التي اشتهروا بها، وهي التطفيف: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. والبخس هو النقص والظلم في الحقوق. ومعنى الآية أن الله نهاهم أن ينقصوا الناس في المكيال والميزان، وأن ينقصوا أموالهم بأي طريق كان، وأن يفسدوا في الأرض.

وفي سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ثم قال: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾. وبقية الله، كما نقل ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، هي ما يبقى من الرزق الحلال بعد الوفاء بالحقوق، فهو خير للإنسان من الكسب الحرام الكثير. وقد ذكر قبلها أنه يراهم في سعة: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾، أي أنه يخشى عليهم أن يزول النعمة بسبب معصيتهم.

وفي سورة الأعراف نهاهم عن أمر آخر: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. أي لا تجلسوا على الطرق تخوّفون الناس وتصدّون من أراد الإيمان. وللمفسرين في المراد بالصراط قولان: قيل الطرق الحسية التي يجلسون عليها لإرهاب من يقصد شعيبًا ليسمع منه، وقيل المراد النهي العام عن قطع الطريق وأخذ المكوس، وكلاهما لا يتعارض مع الآخر. ثم ذكّرهم بنعمة الله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.

وفي سورة الشعراء قال لهم: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. والقسطاس هو الميزان، والجبلة هي الخليقة، أي اتقوا الذي خلقكم وخلق الأمم السابقة. فذكّرهم أن الذي يحاسبهم هو الخالق الذي أهلك من قبلهم.

وفي كل هذه الآيات يلاحظ أن شعيبًا لم يعظهم في العدل التجاري وحده، بل ربط ذلك بالإيمان: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فالأمانة في المعاملات من لوازم الإيمان، وليست أمرًا منفصلًا عنه، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «من غشّنا فليس منا». وقال الله في أول سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. ولذلك قال المفسرون إن في قصة شعيب تحذيرًا للأمة من التطفيف.

ردّ الملأ: أصلاتك تأمرك

لم يستجب أكثر القوم، وكان جوابهم عجيبًا، فقد قالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. فعابوا عليه الصلاة، واعترضوا على أن يتدخل الدين في أموالهم ومعاملاتهم، وهذا مبدأ يتكرر عبر الأزمان: أن يُجعل الدين في المسجد وتُترك الأموال لهوى أصحابها. وأما وصفهم له بالحليم الرشيد ففيه قولان: قيل قالوه استهزاءً وتهكمًا، وقيل قالوه على سبيل التعجب من مثله أن يقول مثل هذا. ونُقل عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أنهم قالوه استهزاءً.

فأجابهم شعيب بلغة العقل والإيمان: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ففي جوابه أن الداعية لا يأمر بشيء وينهى عنه نفسه، بل يبدأ بنفسه، وأنه يريد الإصلاح بقدر استطاعته، وأن التوفيق من الله وحده. وقد استنبط العلماء من قوله «وما أريد أن أخالفكم» أن الداعية القدوة أقدر على التأثير، وأن مخالفة القول للعمل سبب لسقوط الدعوة، وقد ذكر المفسرون هذا المعنى في الآية.

ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾. أي لا يحملنكم عدائي وخلافي معي على أن يصيبكم مثل ما أصاب الأمم المكذبة قبلكم. وقوم لوط ليسوا ببعيد، أي في الزمان أو المكان، فآثارهم قريبة منهم. ثم دعاهم إلى التوبة: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. فالتوبة مفتوحة حتى في آخر لحظات الدعوة، والوَدود هو المحب لعباده التائبين.

التهديد والاستكبار

فلما لم يجدوا ما يردّون به، قالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾. فهددوه بالرجم، وقالوا إنه ضعيف، وإنما يمنعهم منه قومه وعشيرته. وقد ذكر المفسرون في معنى «ضعيفًا» أقوالًا: فقيل ضعيف البصر، وقيل ضعيف الجاه والمنزلة. وجاء في بعض ما يُنقل عن السلف أنه كان ضريرًا، ولا يثبت ذلك من حديث مرفوع، فلا نجزم به. فأجابهم: ﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. أي: أعشيرتي أعظم عندكم من الله؟ فقد جعلتم الله خلف ظهوركم لا تلتفتون إلى أمره. وهذا الرد يبيّن أن قوة الداعية في الله لا في أنصاره، وأن احترام عشيرته كان دون احترام ربه.

ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾. وهذه صيغة تحدٍّ هادئة يتكرر مثلها في دعوات الأنبياء، فلا يكون لهم إلا العمل والانتظار، والقضاء بعد ذلك لله.

وفي سورة الأعراف زاد القرآن مشهد المفاصلة بين الملأ المستكبرين وبين المؤمنين: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. فخيّروه والمؤمنين بين الإخراج والعودة إلى ملتهم. وقال شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. وقد استوقف العلماء قوله «إلا أن يشاء الله ربنا»، وقالوا: إنه تعليق للأمر بمشيئة الله على سبيل الأدب والتفويض، لا لأنه يتوقع أن يعود إلى الكفر، فإنه قطع قبلها بأن العودة افتراء على الله، ثم استثنى تفويضًا لله في كل شيء، وهذا من صفات الأنبياء.

وقال الملأ لأتباعهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾. ومن عجيب ما في القصة أن الذين كانوا ينقصون الناس في الكيل ويخسرون حقوقهم هم الذين يقولون إن اتباع شعيب خسارة، فانقلبت عندهم الموازين: الخسارة في نظرهم أن يتركوا الربح الحرام. وقد ردّ الله عليهم في ختام الأعراف: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.

الأيكة: أطلب منا قطعة من السماء

وفي سورة الشعراء مشهد فيه تحدٍّ من أصحاب الأيكة: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. والمسحّر هو الذي سُحر فغلب على عقله. والكِسَف القطع. فطلبوا أن يسقط عليهم قطعًا من السماء عقوبة لهم إن كان صادقًا، وهذا استهزاء بالعذاب واستعجال له. فأجابهم شعيب: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي أن العذاب بيد الله، وهو أعلم بما تستحقون، وليس لي أن أنزله.

العذاب

أما أهل مدين فقد جاء في الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. والرجفة هي الزلزلة الشديدة. وفي سورة هود: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. فجمع القرآن بين الرجفة والصيحة، ولا تعارض بينهما، فقد تكون الصيحة سبب الرجفة أو قرينتها. والجاثم الذي لزم مكانه ميتًا. وقوله «كأن لم يغنوا فيها» أي كأنهم لم يقيموا فيها ولم يتنعموا.

وأما أصحاب الأيكة فقد قال تعالى فيهم: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. والظلة هي السحابة التي تظلّ. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أصابهم حرّ شديد، ثم أظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها طلبًا للظل، فأُحرقوا. وهذا الأثر نقله الطبري وابن كثير، وهو تفسير منسوب إلى الصحابي لا حديث مرفوع، وفي ثبوته نظر، فنذكره أثرًا لا نجزم به ولا نجعله من القرآن. والنص القرآني يقتصر على «عذاب يوم الظلة» وأنه «يوم عظيم».

ولم يذكر القرآن لنا مقدار من آمن مع شعيب، ولا أسماءهم، ولكنه قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾. فكان النجاة برحمة الله لا بأعمالهم وحدها. وتولّى عنهم شعيب بعد هلاكهم وقال: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أي كيف أحزن على قوم أصرّوا على الكفر بعد أن بلّغتهم ونصحت. وفي هذا تسلية لنفسه بأنه أدّى ما عليه من البلاغ والنصح. وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. وزاد فيها أنه دعاهم إلى رجاء اليوم الآخر، فاجتمعت في دعوته الأصول الثلاثة: التوحيد والآخرة والعدل.

شعيب وموسى: ما نعلم وما لا نعلم

اشتهر في كثير من الكتب أن شعيبًا هو والد المرأتين اللتين سقى لهما موسى عليه السلام في مدين، وأنه هو الذي زوّج موسى إحداهما. والقرآن في سورة القصص لم يسمِّ هذا الشيخ، بل قال: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. ثم جاء قوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، وأن إحداهما جاءته تمشي على استحياء. وقال الشيخ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾.

وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الشيخ هو شعيب عليه السلام، وهذا مشهور عند كثير من أهل التفسير، ومنهم من نبّه على أن ذلك لم يثبت من القرآن ولا من حديث صحيح مرفوع، وأن الأرجح التوقف في تعيينه. وقد رُوي في تسميته حديث لا يثبت إسناده. وعلى هذا فمن أراد قصة شعيب الموثقة فهي ما ذكرناه من الآيات، أما صلته بموسى فمن مسائل الخلاف، فنذكرها دون جزم. وأقصى ما يثبت في الصحيح في هذا الباب ما رواه البخاري عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما: أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: «قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل». وهذا بيان من ابن عباس أن موسى عليه السلام وفّى بالعشر.

وأما اللقب المشهور لشعيب «خطيب الأنبياء» فقد نقله ابن كثير عن بعض أهل العلم في وصف حسن مراجعته لقومه، ولا يثبت فيه حديث صحيح فيما أعلم، فلا نعتمده. ويكفينا ما وصفه به القرآن من أنه نبي أرسله الله إلى قومه وناصحهم وصبر عليهم، وأن الله نجّاه والذين آمنوا معه.

فوائد وعبر

أولًا، أن الدين يشمل المعاملات، وأن الغش والتطفيف فساد في الأرض يستحق عذاب الله. فالأمة التي تحاسب نفسها على الصلاة ولا تحاسبها على الميزان لا تفهم رسالة شعيب. وقد قرن الله في سورة هود بين الإيمان وبين وفاء الكيل: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

ثانيًا، أن الداعية لا يطلب أجرًا ولا يخالف قوله فعله، وأنه يريد الإصلاح بما استطاع، ويرد التوفيق إلى الله.

ثالثًا، أن الله لا يعذب قومًا إلا بعد أن يقيم الحجة ويرسل إليهم نذيرًا، وأن من عاند بعد البيان فهلاكه بعدله، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.

رابعًا، أن الاستكبار على الحق بحجة التقاليد والمال والجاه هو أخطر ما يصدّ عن الإيمان، وأن عاقبة المكذبين مهما بلغت قوتهم هي «كأن لم يغنوا فيها».

وفي خاتمة الأمر قال الله في سورة ق وهو يعدد المكذبين: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. فجعل تكذيب رسول واحد تكذيبًا للرسل جميعًا، لأن رسالتهم واحدة.

العبرة

الإيمان يشمل العدل في المعاملات، والتطفيف وأكل أموال الناس فساد في الأرض يجلب غضب الله. وقوة الداعية في الله لا في عشيرته.

المصدر: القرآن الكريم: سورة الأعراف ومن هود والشعراء (قصة شعيب وقومه)، العنكبوت والحجر وق وص (الإشارة)، القصص (موسى في مدين، دون جزم بتسمية شعيب)، المطففين. صحيح مسلم: «من غشنا فليس منا»؛ صحيح البخاري: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى. التفسير: ابن كثير والطبري (أثر ابن عباس في عذاب الظلة منسوب لقائله ومنبّه على أنه غير مرفوع).

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح مسلم والبخاري في موضعين. الخلاف في اتحاد مدين والأيكة وفي أن الشيخ في سورة القصص هو شعيب منبّه عليه في النص، وأثر ابن عباس في الظلة وقول من قال إنه كان ضريرًا ولقب خطيب الأنبياء ذُكرت بتنبيه على عدم الثبوت.