أرضٌ علا فيها فرعون
تبدأ قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم من أرض مصر، حيث علا فرعون وتجبّر. يقول الله تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فجعل أهل البلاد أصنافًا وفِرَقًا يُفرِّق بينهم ليسهل عليه حكمهم، واستضعف طائفةً هي بنو إسرائيل، فكان يقتل مواليدهم من الذكور ويترك البنات أحياء. وقد فسّر ابن كثير والسعدي وغيرهما الطائفة المستضعَفة ببني إسرائيل، أبناء يعقوب عليه السلام الذين استقروا في مصر من أيام يوسف عليه السلام ثم لحقهم الذل في عهد هذا الطاغية.
ثم يُخبر القرآن بما أراده الله في الجهة المقابلة: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، وأن يُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرونه. فالقصة كلها تدور حول هذه المفارقة: طاغيةٌ يحتاط بالقتل ليدفع قدرًا حذِره، والقدر نفسه يتربّى في بيته. وقد ذكر بعض المفسرين رؤيا رأها فرعون أو إخبارًا بزوال ملكه على يد مولود من بني إسرائيل، ولم يثبت ذلك بسند صحيح مرفوع، فنقتصر على ما دلّت عليه الآيات من أنه كان يحذر منهم شيئًا.
وحيُ الله إلى أم موسى
وُلد موسى عليه السلام في هذا الزمان العصيب. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. أمرٌ ونهيٌ وبشارتان في آية واحدة: أن ترضعه ما دام الأمر خفيًّا، فإذا خافت عليه ألقته في النيل، ثم نُهيت عن الخوف والحزن، وبُشّرت بردّه إليها وجعله من المرسلين.
والوحي هنا ليس وحي النبوة، فأم موسى لم تكن نبية. قال ابن كثير في تفسيره إنه وحي إلهام وقذف في القلب، وكذلك فسّره السعدي، واستُدل بأن الوحي في اللغة يأتي بمعنى الإلقاء الخفي، وجاء ذلك في القرآن في مواضع كقوله تعالى عن النحل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. وفي سورة طه يذكر الله هذه النعمة على موسى حين يقول له: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. فهذه الآية تُفصّل ما أُجمل في سورة القصص: وُضع الطفل في تابوت (صندوق)، وألقي التابوت في اليمّ، وهو النهر العظيم أي النيل في قول المفسرين، وأن الله سيجعل اليمّ يوصله إلى الساحل، وأن الذي سيأخذه عدوٌّ لله وعدوٌّ لموسى، وهو فرعون، وأن الله سيلقي على موسى محبة منه فيحبه من يراه، وأنه سيُربّى ويُصنع على عين الله ورعايته.
التقاط آل فرعون له
يقول الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. واللام في قوله ﴿لِيَكُونَ﴾ هي لام العاقبة والمآل عند المفسرين، أي أنهم التقطوه فكان مآل أمره أن صار لهم عدوًّا وحزنًا، لا أنهم قصدوا ذلك، كما ذكر ابن كثير وغيره. والقرآن لا يذكر أين وجدوه ولا من الذي التقطه بعينه، ولا كيف وصل إلى القصر؛ فهذه تفاصيل لم يرد بها نص صحيح مرفوع.
وهنا تظهر امرأة فرعون، وقد ذكرها القرآن دون اسمها في سورة التحريم مثلًا للذين آمنوا: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أما اسمها فجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ». فسمّاها النبي ﷺ آسية، وشهد لها بالكمال.
وقد قال الله تعالى على لسانها: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. فكانت رحمة امرأة هي السبب الذي نجا به الطفل من القتل في بيت يقتل الأطفال. وقوله تعالى ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ إشارة إلى أنهم لم يدركوا ما يدبّره الله، وأن هذا الطفل الذي تبنَّوه هو الذي سيكون سبب زوال ملكهم.
فؤاد أم موسى الفارغ
أما أم موسى فيصف القرآن حالها بعد أن ألقت ولدها في اليمّ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وفي معنى ﴿فَارِغًا﴾ نقل ابن كثير والطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أنه فارغ من كل شيء إلا من ذكر موسى، وقيل غير ذلك في التفسير، وكلها تدور حول شدة الاضطراب والتعلق بالولد. وقوله ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي كادت تُظهر أمره وتصيح بأنه ولدها من شدة ما بها، ولكن الله ثبّت قلبها وربط عليه فصبرت، ليكون ذلك من إيمانها وتصديقها لوعد الله.
وقالت لأخت موسى: ﴿قُصِّيهِ﴾، أي اتبعي أثره وتَتَبّعي خبره. فأبصرت به عن جنب، أي من بعيد، وهم لا يشعرون بها. وكانت العناية الإلهية قد سبقت: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، فكان الطفل يرفض كل مرضعة تأتي به. فقالت أخته لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. فأخذوه معها إلى أمه، فرجع إليها كما وعدها الله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
والمشهد كله يعلّم أن وعد الله لا يتخلف، وأن الأم التي ألقت ولدها في النهر امتثالًا لأمر الله ردّه الله إليها آمنةً في حماية العدو نفسه. وفي سورة طه يعدّ الله ذلك من الفتون التي مرّ بها موسى فيقول: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، أي اختبرناك اختبارًا بعد اختبار.
من الحكم والعلم إلى المدينة
ثم تنتقل القصة سريعًا إلى مرحلة الرجولة: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. قال المفسرون إن الحكم هنا هو الحكمة والفقه والنبوّة في قول بعضهم، وقال آخرون إنه الحكمة قبل النبوة، وإن النبوة جاءته في مدين كما سيأتي. والقرآن لا يحدد عمر موسى حين بلغ أشدّه.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وقد اختلف المفسرون في وقت ذلك، فقيل عند القيلولة وقيل غير ذلك، ولا طائل تحت تحديده، فالقرآن لم يحدده. ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾. أي أحدهما من بني إسرائيل، قومه في النسب، والآخر من آل فرعون. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. والوكز الضرب بجُمع الكف، كما قال المفسرون. فمات الرجل، وما كان موسى يريد قتله، ولذلك بادر إلى القول: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ثم عاهد ربه: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
وقد جاء ذكر هذه الحادثة في أحاديث الشفاعة الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم، حين يأتي الناس موسى عليه السلام يوم القيامة يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر ويقول: «إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي». فهو عليه السلام يذكر ما كان منه مع تأويله وحسن قصده، ويستعظمه لعظم مقامه عند ربه.
الغد الخائف
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، أي ينتظر ما سيحل به. وإذا بالذي استنصره بالأمس يستصرخه من جديد في خصومة أخرى مع رجل آخر. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي ظاهر الغواية لكثرة خصوماته. فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال: ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقد اختلف المفسرون في القائل، والمشهور عند ابن كثير وكثير من السلف أن القائل هو الإسرائيلي نفسه الذي ظن أن موسى يريد البطش به، فأذاع بذلك سرّ الأمس، وهو الأظهر من سياق الآية، والله أعلم. وفي كل حال فقد انتشر الخبر في المدينة.
رجلٌ يسعى من أقصى المدينة
يقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. والمعنى أن كبار القوم يتشاورون في قتلك. وهذا الرجل لا يُعرف اسمه في الصحيح، فالقرآن لم يسمّه، ولم يرد فيه حديث ثابت. فخرج موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
إلى مدين
ولما توجّه تلقاء مدين قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وهي دعوة رجل خرج بلا زاد ولا دليل، لا يعرف الطريق، ولا سلاح معه، إلا رجاءه في ربه. وقد استجاب الله له، فبلغ ماء مدين. والقرآن لا يذكر مدة الطريق ولا ما أصابه فيها، وما يُروى من تفصيل في ذلك فمن الإسرائيليات التي لا حاجة إلى الاستناد إليها.
عند ماء مدين
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. أي كانت المرأتان تمنعان غنمهما عن الاختلاط بغنم الرجال، وتنتظران حتى ينصرف الرعاة، وتعتذران بأن أباهما شيخ كبير لا يستطيع القيام بذلك. فسقى موسى لهما، ولم يطلب أجرًا، ثم تولّى إلى الظل: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
ويلفت المفسرون هنا إلى أدب موسى وكرمه: غريب جائع متعب، ومع ذلك يقدم المعروف قبل أن يُسأل، ثم يشكو حاجته إلى ربه لا إلى الناس. وقد قال بعض السلف إنه كان جائعًا، ولكن القرآن لم يقل ذلك، ودعاؤه يدل على الفقر إلى كل خير على وجه العموم، فنقف عند ما قاله الله.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. وفي وصف مشيتها بالاستحياء درس في أدب المرأة وعفتها. وقد ذكر ابن كثير أن عمر رضي الله عنه فسّر الاستحياء بأنها جاءت مستترة بثوبها غير سافرة ولا مختالة، وهو أثر نقله ابن كثير عن عمر رضي الله عنه وذكر أن إسناده صحيح.
لا تخف
فلما جاءه وقصّ عليه القصص، قال له الشيخ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي لا سلطان لفرعون على هذه الأرض. والقرآن لا يذكر اسم هذا الشيخ. وقد اشتهر على الألسنة أنه شعيب عليه السلام، وهو قول لبعض السلف والمفسرين، لكن لا يوجد نص صحيح مرفوع يعيّنه، وقد توقف فيه جماعة من أهل العلم لعدم وجود دليل قاطع، ورُوي في تعيينه حديث لا يصح. فنحن نقول: رجل صالح من أهل مدين، ونذكر أن في تعيينه خلافًا.
ثم قالت إحدى ابنتيه: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. وهذه الجملة صارت قاعدة في اختيار العمال والموظفين: القوة في القدرة على العمل، والأمانة في الدين والخلق. وقد جاء في تفسير ابن كثير أن الأب سألها كيف عرفت قوته وأمانته، فذكرت أنه رفع الحجر عن البئر وحدها، وأنه غضّ بصره وقال لها أن تمشي خلفه. وهذه الرواية نقلها ابن كثير عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما وغيرهما بأسانيد متفاوتة، فأصل المعنى مأخوذ من السياق، أما التفصيل فلم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
عقد العمل والزواج
قال الشيخ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فعُقد الاتفاق على ثماني سنين، فإن أتمها عشرًا فهي فضل منه. فقال موسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
وهذا من الفقه المأخوذ من الآية، فقد استدل العلماء به على جواز جعل منفعة العمل مهرًا، ويرى بعضهم أن في الآية دلالة على أن الولي يعرض ابنته على الرجل الصالح، وأن اختيار الرجل لعمله ودينه مقدم. ولا نجزم هنا بأي حكم فقهي مفصّل، فقد وقع فيه خلاف بين العلماء، وإنما أذكر الدلالة التي نبّه عليها المفسرون.
وفي أي الأجلين قضى موسى؟ ثبت في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله. فقدمت فسألت ابن عباس رضي الله عنهما فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل. فأتمّ موسى عشر سنين، والمعنى أن النبي ﷺ لا يعد بشيء إلا وفّى به، وأن موسى عليه السلام وفّى بأطيب الأجلين وأطولهما.
ما رُوي ولم يثبت
بقي أن نذكر ما اشتهر في كتب القصص في هذه المرحلة ولم يثبت. فقد رُوي في ما يسمى حديث الفتون عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى وساقه ابن كثير في تفسيره، تفاصيل كثيرة عن مولد موسى وطفولته ومحنه؛ ومنها رؤيا فرعون، وتبادل قتل الأبناء عامًا بعد عام، ومحاورة امرأة فرعون له، واختبار الجمرة والتمرة. وقد نبّه ابن كثير رحمه الله على أن هذا الحديث موقوف على ابن عباس، وأنه لم يصح رفعه إلى النبي ﷺ إلا في القليل منه، ورجّح أن ابن عباس تلقّاه مما أُبيح نقله من أخبار بني إسرائيل عن كعب الأحبار وغيره. ولذلك لم نعتمد من تفاصيله شيئًا في هذه القصة، وإنما اكتفينا بما شهد له القرآن الكريم وصحيح السنة. وإنما نذكر اسمه تنبيهًا لمن قرأه في كتب أخرى.
عبر ودلالات
أولًا: أن تدبير الله غالب على تدبير الطغاة، فالذي أراد فرعون حمايته من خطر مولود، عاش في بيته وأكل من مائدته.
ثانيًا: أن الأمومة المؤمنة، حين تتبع أمر الله وتتوكل عليه، تثبت في أحلك المواقف، وأن وعد الله لا يتخلف.
ثالثًا: أن موسى عليه السلام، مع قوته وكرامته، كان سريع الرجوع إلى ربه بالاستغفار والشكر، وأن الله عفا عنه وهو الغفور الرحيم.
رابعًا: أن دعاء المضطر ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ من أجمع الدعاء، وأن الله لا يخيّب من التجأ إليه، فجاءه الفرج بالمأوى والعمل والزوجة.
وهكذا انتهت المرحلة الأولى من حياة موسى عليه السلام: رضيعٌ في الماء، ثم شابٌّ في القصر، ثم هاربٌ إلى مدين، ثم أجيرٌ عند رجل صالح. وما كان ذلك كله إلا إعدادًا لما هو آتٍ، كما قال الله له بعد ذلك: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، وقال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾.
