Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٣ دقيقة

موسى عليه السلام (2): النبوة والعودة ومواجهة فرعون والسحرة

موسى عليه السلام

نارٌ على جانب الطور

بعد أن أتمّ موسى عليه السلام الأجل الذي بينه وبين الرجل الصالح في مدين، سار بأهله. يقول الله تعالى في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾. والقرآن لا يذكر وجهته ولا سبب سيره، وإنما ذكر ما جرى في الطريق. وفي سورة طه: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. فقال لأهله أن يبقوا في مكانهم، وأنه رأى نارًا لعله يأتيهم منها بشعلة يستدفئون بها أو يجد عندها من يدله على الطريق. وهكذا بدأ أعظم لقاء في حياته من حاجة بشرية بسيطة: دفء وهداية.

النداء

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وفي القصص أنه نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فكان أول ما سمعه التوحيد، ثم الأمر بالعبادة، ثم الصلاة، وجعل الله علّتها ذكره سبحانه.

وقد ذكر المفسرون في حكمة الأمر بخلع النعلين وجوهًا، منها تعظيم البقعة وتواضع العبد في حضرة ربه، وهي اجتهادات لا نصّ فيها في القرآن، ولذلك لا نجزم بواحد منها. أما أن الله كلّم موسى تكليمًا فهو من فضائله التي نص عليها القرآن في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، ولهذا لُقّب بكليم الله.

ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. وهو سؤال لتقرير الحال قبل أن يُري الله موسى ما يفعله بها. ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. فخاف حتى ولّى مدبرًا ولم يعقّب، فقال الله له: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وفي طه: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. وهذه هي الآية الأولى.

والآية الثانية: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. أي تخرج يده بيضاء مضيئة من غير برص ولا مرض. وفي القصص: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. فسمّى الله العصا واليد برهانين، وحدّد وجهتهما: إلى فرعون وملئه.

الرسالة والخوف

﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. وقال موسى عليه السلام داعيًا ربه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. فأجابه ربه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾. وفي القصص ذكر خوفه من التكذيب ومن القتل بسبب النفس التي قتلها: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، فقال الله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾. وقد جاء في القرآن أن هارون كان أفصح لسانًا من موسى بقول موسى نفسه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾.

ولا نذكر هنا سبب عقدة لسانه، فما يُحكى من قصة الجمرة التي وضعها في فمه جاء في حديث الفتون الموقوف على ابن عباس، وقد بيّنا في الجزء الأول أن ابن كثير نبّه على أنه من أخبار بني إسرائيل في أغلبه، فلا نعتمده. الثابت من القرآن أنه سأل حلّ عقدة من لسانه، وأن الله أعطاه سؤله.

وأوصاه الله وأخاه بالرفق: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. وهذه الآية من أعظم دروس الدعوة، فإن الأمر بالقول اللين صدر في حق أطغى الطغاة، وقد أخذ منها المفسرون، ومنهم ابن كثير، أن الداعي إلى الله ينبغي أن يبدأ بالرفق. وقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.

أمام فرعون

فجاءا إلى فرعون فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. فكان مضمون الدعوة أمرين: الإيمان برب العالمين، وإطلاق بني إسرائيل ورفع العذاب عنهم. فأجاب فرعون مذكّرًا بما مضى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. فرد موسى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. والضلال هنا يفسّره المفسرون بأنه عدم العلم وقتها، لا الكفر، فقد كان قبل أن يوحى إليه.

ثم تحول فرعون إلى السؤال عن الرب: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وفي الشعراء حوار أطول: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. فكان فرعون يهرب من الجواب بالسخرية والتهديد: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾. فقال موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، فأجاب: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.

اتهام السحر والتحدي

قال فرعون للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. فأشاروا عليه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. وزعم فرعون أن موسى يريد إخراجهم من أرضهم، فقلب الحق إلى تهمة سياسية، وهذه عادة المستكبرين مع الدعاة في كل زمان.

وكان الموعد: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. أي أن يجتمع الناس كلهم في ضحى يوم عيدهم، ليكون الحق أمام الجميع. ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.

وخاطب موسى السحرة قبل البدء: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. فاختلفوا فيما بينهم وتسارّوا.

ثم قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾. وفي الأعراف: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. فالسحر كان تخييلًا على الأعين، لا تحويلًا حقيقيًّا للحبال إلى حيّات، كما يدل عليه قوله ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾. وأحس موسى بخوف في نفسه، فجاءه الثبات من الله: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.

فألقى عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.

إيمان السحرة

﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. فالسحرة هم أعلم الناس بالسحر، وعرفوا أن ما رأوه ليس من جنسه، فتحولوا من خصوم إلى مؤمنين في ساعة واحدة. وقد قال بعض السلف إنهم كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء، وهي عبارة تُنسب إلى ابن عباس وغيره، والمقصود صحيح بدلالة ما جرى لهم بعد ذلك.

وهدّدهم فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. فأجابوه بثبات عجيب: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وفي الأعراف: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.

ولم يذكر القرآن صراحة أن فرعون نفّذ تهديده، وقد نبّه المفسرون، ومنهم ابن كثير، إلى أن الظاهر من الآيات أنه توعدهم، وأن كثيرًا من السلف قالوا إنه قتلهم، ولا نص صريحًا في ذلك. وعلى كل حال فقد ثبتوا على الإيمان، وهذا ما يهمنا من الآيات.

الآيات التسع

لم يؤمن فرعون وملؤه، وبقي موسى يدعوهم. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. وقد عدّ كثير من المفسرين هذه الآيات التسع من القرآن، فمنها العصا واليد، ثم ما ذكره الله في الأعراف: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، ثم ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. فهذه تسع: العصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم. وقد رُوي في تفسير الآيات التسع حديث آخر عند الترمذي وغيره في وصايا تسع، وفي إسناده كلام عند أهل العلم، فلا نعتمده في بيان الآيات.

وكان فرعون وقومه كلما نزل بهم عذاب فزعوا إلى موسى: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. وقالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، أي علموا في أنفسهم أنها حق وجحدوها استكبارًا.

الرجل المؤمن من آل فرعون

ومن عجائب هذه القصة رجل مؤمن في بيت فرعون نفسه، ذكره القرآن ولم يسمّه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وكان فرعون قد قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. فرد موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.

ثم تكلم الرجل المؤمن بحجة وحكمة، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وخوّفهم من مثل ما أصاب الأمم قبلهم، وذكّرهم بيوسف عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. وختم كلامه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.

أما فرعون فبلغ به الكبر أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وقال لهم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. قال المفسرون: استخفّ عقولهم فاتبعوه.

بنو إسرائيل في الصبر

وأما بنو إسرائيل فقد قالوا لموسى: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقال لهم: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ولم يؤمن بموسى إلا قليل من قومه في أول الأمر، كما في سورة يونس: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. وهؤلاء كانوا من الشباب في قول بعض المفسرين، وهو من اجتهاداتهم لا من نص الحديث.

وأوحى الله إلى موسى وأخيه: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وفي معنى ﴿قِبْلَةً﴾ أقوال عند المفسرين، منها أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها خفية، وهو القول المنسوب إلى ابن عباس وغيره، ولعله أقرب لحال الخوف التي كانوا فيها.

ثم دعا موسى عليه السلام على فرعون وملئه لما استمروا في العناد: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. فجاء الجواب: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

عبر ودلالات

أولًا: بدأ التكليف بالتوحيد والصلاة قبل كل شيء، ثم جاءت الدعوة إلى فرعون بالقول اللين مع شدة طغيانه، فلا يُترك الرفق في الدعوة حتى مع الطاغية.

ثانيًا: أن الدعاة بحاجة إلى التيسير من الله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، وأن الله يؤيد عبده بأخيه ومعاونيه.

ثالثًا: أن الباطل يلجأ إلى التهمة والتهديد حين تعجزه الحجة، وأن الحق يزداد وضوحًا بمواجهة الباطل؛ فالسحرة الذين جاؤوا لنصرة فرعون عادوا مؤمنين.

رابعًا: أن الإيمان إذا استقر في القلب لم تهزّه التهديدات، فقد قال السحرة: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾.

خامسًا: أن الجحود قد يكون عن علم لا عن جهل، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وأن من أصرّ على الاستكبار طُبع على قلبه حتى يرى العذاب. وهذا ما سيحدث، كما سنرى في الجزء الثالث من القصة.

العبرة

أن الدعوة تبدأ بالتوحيد والقول اللين، وأن الباطل يلجأ إلى التهديد حين تعجزه الحجة، وأن الإيمان إذا استقر في القلب لم تهزه التهديدات كما ثبت السحرة.

المصدر: القرآن الكريم: سور القصص وطه والشعراء والنمل والأعراف ويونس وغافر والإسراء والنازعات؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث ابن مسعود «رحم الله موسى...» في الجزء الأخير من القصة؛ تفسير ابن كثير والطبري والسعدي في بيان المعاني وأقوال السلف.

الدرجة: من القرآن الكريم + أقوال المفسرين منسوبة لقائليها. نُبّه على أن حديث الآيات التسع عند الترمذي في إسناده كلام فلم يُعتمد، وعلى أن مصير السحرة بعد إيمانهم لم يصرّح به القرآن.