Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٦ دقيقة

موسى عليه السلام (3): فلق البحر وهلاك فرعون والطور والعجل وهارون

موسى وهارون عليهما السلام

الأمر بالإسراء

لما طال عناد فرعون وملئه، جاء أمر الله لموسى عليه السلام بالرحيل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. أي سِرْ بهم ليلًا، وأخبره ربه أن فرعون سيتبعهم. والقرآن لا يحدد الليلة ولا الوجهة بالأسماء، ولا يذكر عدد من خرج مع موسى، وما يُذكر في بعض الكتب من أعداد كبيرة فمن الأخبار الإسرائيلية التي لا يشهد لها نص صحيح، فنتركه.

أما فرعون فلما علم بخروجهم: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. فأرسل في المدن من يجمع الجنود، ووصف بني إسرائيل بأنهم جماعة قليلة، ثم قال إنهم يغيظونه، وإنه وجنوده متيقظون. ثم يقول الله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. فالخروج كان من نعيم لم يدم.

البحر أمامهم وفرعون خلفهم

﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾، أي لحقوا بهم عند الشروق. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. وكان بحرٌ أمامهم وعدو خلفهم، فلا مفرّ بحسب الأسباب. فجاء جواب النبي الواثق بربه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وهي كلمة يقولها كل من أحاطت به الأسباب، فيرجع إلى مسبب الأسباب.

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. والفِرق هو القطعة من الماء، والطود هو الجبل العظيم. فانشقّ البحر اثني عشر مسلكًا في قول بعض المفسرين، لكل سبط طريق، وهذا لم يرد في نص القرآن، وإنما الثابت أن الماء صار كالجبال. وفي سورة طه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾، فالطريق صار يابسًا لا طين فيه ولا وحل، وقال الله لموسى لا تخف أن يدركك فرعون ولا تخش الغرق.

وقال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وأزلفنا أي قرّبنا فرعون وجنوده من مكان العبور.

وفي سورة الدخان أن الله أمر موسى بترك البحر على حاله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. أي اتركه ساكنًا كما هو مفتوحًا، ولا تضربه ليرجع إلى حاله، فإن الجند سيدخلونه فيغرقون. ثم ذكر الله ما تركوه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾.

غرق فرعون وكلمته الأخيرة

يقول تعالى في سورة يونس: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. فلما رأى الموت أظهر الإيمان، ولكن بعد فوات الأوان، فردّ الله عليه بأنه عصى قبل ذلك وكان من المفسدين.

وروى الترمذي وأحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيِّ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ». وقد حسّنه الترمذي. والحال هو الطين، كما فُسّر في الحديث. وفي الحديث أن جبريل عليه السلام كان يكره أن يُرحم هذا الطاغية بعد أن أظهر الإيمان وقت الغرغرة، وفي هذا بيان لأن توبة اليأس عند معاينة الموت لا تُقبل، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.

وقوله تعالى ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ فسّره ابن كثير وغيره بأن الله يلقيه على مكان مرتفع من الأرض ببدنه، أي بجسده، ليراه الناس ويتحققوا من هلاكه، وقد ذُكر أن بعض بني إسرائيل شكّوا في موته. ثم إن الآية جعلته آية لمن بعده. أما تعيين الجسد الذي يُعرض اليوم على أنه جسد فرعون موسى، فلا يمكن أن نجزم به من الآية، فالقرآن لم يعيّنه، وهو موضع اجتهاد المؤرخين لا من دين الإسلام.

يوم عاشوراء

ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «مَا هَذَا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه. وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ قال: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». فهذا أثر من آثار هذه النجاة العظيمة ما زال المسلمون يحتفلون به بالصيام شكرًا لله.

قوم يعكفون على أصنام

وبعد العبور: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فبعد أن شاهدوا أعظم الآيات طلبوا إلهًا مصنوعًا. وقد استشهد النبي ﷺ بهذا الموقف في حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي وصححه: لما خرجوا إلى حنين مرّوا بشجرة يعلّق المشركون عليها أسلحتهم تسمى ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: «اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».

نِعَم الله في الصحراء

ثم أنعم الله عليهم في سيرهم: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقد ورد في الصحيحين من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». وفسّر المفسرون السلوى بطائر معروف، وقيل غيره، والمعنى العام رزق من غير تعب.

وفي العطش: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾. فكان لكل سبط من الأسباط الاثني عشر عين خاصة به. ومع هذه النعم قالوا: ﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

ولما أمروا بدخول القرية قال تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، فبدّلوا. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ، فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ». فبدلوا القول والفعل معًا.

الموعد على الطور

وفي سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فاستخلف موسى أخاه هارون عليه السلام على قومه وأوصاه بالإصلاح، ثم ذهب لميقات ربه. وقد وصفه الله بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ». وقال أهل العلم في معنى النهي عن التفضيل إنه عن التفضيل الذي فيه انتقاص أو تنازع، وإلا فقد ثبت تفضيل النبي ﷺ على سائر الخلق.

ثم قال الله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. فهذه هي الألواح التي فيها التوراة. ولم يرد في الصحيح من أي مادة كانت الألواح ولا عددها ولا حجمها، فكل ما يُروى في ذلك مما لا دليل عليه.

فتنة السامري

وبينما كان موسى في الميقات: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. فأخبره ربه بما جرى. ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾.

فأجابوه: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. فاتخذ السامري عجلًا جسدًا له صوت كخوار البقر، وقال لهم إنه إلههم وإله موسى. ثم ردّ الله عليهم: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.

وقد ذكر الله موقف هارون: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. فنهاهم هارون عليه السلام وأمرهم بطاعته، فأبوا.

موسى وهارون

﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. وفي الأعراف: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فبيّن هارون عذره: أنه خشي الفتنة والتفرق، وأن قومه استضعفوه وكادوا يقتلونه. ولما عرف موسى عذره قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

وهنا نقف مع ثلاثة أمور: الأول أن القرآن يبرّئ هارون عليه السلام من اتخاذ العجل، فالذي فعل ذلك السامري، وهارون نهى. والثاني أن موسى لما غضب ألقى الألواح، وقد ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد وابن حبان، وصححه جماعة، أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ». فعلمنا أنه أخبره الله فصبر، فلما رأى بعينه غضب لله وألقاها، وليس ذلك استخفافًا بكلام الله. والثالث أن موسى أخذ بلحية أخيه، وهو مشهد يدلّ على شدة الغيرة لله، ثم الرجوع إلى الحق حين تبيّن العذر، وهو معنى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾.

حساب السامري

ثم سأل موسى السامري: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. وقد فسّر ابن عباس وجمهور المفسرين الرسول بجبريل عليه السلام، والقبضة من أثر حافر فرسه، وهو قول مأثور في التفسير لا حديث مرفوع، فنسبه لقائليه. فكان حكم موسى عليه: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.

توبة القوم

وأمر الله بني إسرائيل بالتوبة، فقال موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وفي الأعراف: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وصفة هذا القتل وعدد من قُتل وكيف حدث ذلك جاءت فيها آثار من أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت منها شيء مرفوع صحيح، فنقف عند ظاهر الآية، وهو أن الله جعل توبتهم بهذا الأمر الشاق فتاب عليهم. ثم قال تعالى في سورة النساء: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

السبعون ورفع الجبل

وأخذ الله من بني إسرائيل ميثاقهم، فرفع فوقهم الجبل: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. واختار موسى سبعين رجلًا من قومه لميقات الله، فأخذتهم الرجفة: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وفي البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقد اختلف المفسرون في كون السبعين هم الذين طلبوا الرؤية أو غيرهم، فنكتفي بنص الآيات.

رفض القتال والتيه

ومن آخر أحداث هذه المرحلة أمرهم بدخول الأرض المقدسة: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾. وقال رجلان من الذين يخافون الله وأنعم الله عليهما: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. لكن القوم قالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.

فقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فقال الله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وقد استشهد المقداد بن الأسود رضي الله عنه بهذه القصة يوم بدر، كما في صحيح البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، إذ قال للنبي ﷺ: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسرّه ذلك. وهذا مثال لتعلّم الصحابة من قصص الأمم قبلهم.

هارون عليه السلام

هارون عليه السلام نبي كريم، دعا موسى ربه أن يشركه في أمره، فاستجاب الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. وفي حديث مسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما بعثه إلى نجران قالوا له: ألستم تقرؤون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وقد كان بين موسى وعيسى ما كان؟ فلم يدرِ ما يجيبهم، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ». وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعلي رضي الله عنه حين خلّفه في غزوة تبوك: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي». والقرآن لا يذكر وفاة هارون عليه السلام ولا مكانها، وما ورد في ذلك لم يثبت في الصحيح.

عبر ودلالات

أولًا: أن الأسباب إذا انقطعت فرجُ الله قريب: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

ثانيًا: أن الإيمان وقت الغرغرة لا ينفع، فالتوبة تكون قبل أن يعاين الإنسان الموت.

ثالثًا: أن مشاهدة الآيات الكبرى لا تكفي وحدها لتثبيت القلب إن لم يصحبها استعداد للحق، فبنو إسرائيل طلبوا إلهًا بعد أن عبروا البحر بأيام، واتخذوا العجل بعد أن رأوا المعجزات.

رابعًا: أن الغيرة على التوحيد من خصال الأنبياء، وأن الأخوة في الدعوة تحتمل الشدة العارضة مع بقاء الودّ والدعاء: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾.

خامسًا: أن في سنة النبي ﷺ وصحابته تذكيرًا دائمًا بدروس بني إسرائيل، كما في ذات أنواط ويوم بدر، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها.

العبرة

أن الأسباب إذا انقطعت فرجُ الله قريب، وأن التوبة لا تُقبل عند الغرغرة، وأن مشاهدة الآيات وحدها لا تثبّت القلب إن لم يكن فيه استعداد للحق.

المصدر: القرآن الكريم: سور الشعراء وطه والأعراف والدخان ويونس والبقرة والنساء والمائدة؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث ابن عباس في صيام عاشوراء، حديث الكمأة من المن (سعيد بن زيد)، حديث «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا» (أبو هريرة)، حديث «لا تخيّروني على موسى» (أبو هريرة)، حديث المقداد يوم بدر (ابن مسعود)، حديث المغيرة بن شعبة في «يا أخت هارون» (مسلم)، حديث «بمنزلة هارون من موسى»؛ سنن الترمذي: حديث جبريل ودسّ الطين في فم فرعون (ابن عباس، حسّنه الترمذي)، وحديث ذات أنواط (أبو واقد الليثي)؛ مسند أحمد وصحيح ابن حبان: حديث «ليس الخبر كالمعاينة» (ابن عباس)؛ تفسير ابن كثير والطبري والسعدي.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح السنة (الصحيحان وحسن/صحيح الترمذي وصحيح أحمد وابن حبان). نُبّه على أن تفسير قبضة السامري بأثر فرس جبريل قول مأثور عن ابن عباس والجمهور وليس حديثًا مرفوعًا، وعلى أن تفاصيل قتل التائبين ووفاة هارون لم تثبت.