Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٦ دقيقة

موسى عليه السلام (4): موسى والخضر وصاحب البقرة وقارون وما صح من أحاديثه

موسى عليه السلام

سؤال العلم

أطول ما جاء من أخبار موسى عليه السلام في السنة الصحيحة قصته مع الخضر. روى البخاري ومسلم من حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه عن النبي ﷺ أن موسى عليه السلام قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يَردّ العلم إليه، وأوحى إليه: «بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِنَا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ». قال موسى: يا رب، وكيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مِكتَل، فإذا فقدته فهو ثَمّ.

وجاء ذلك في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. والقرآن لا يسمّي الفتى، وفي حديث البخاري أنه يوشع بن نون. ولم يحدّد القرآن ولا السنة مكان مجمع البحرين، وللناس فيه أقوال لا دليل عليها، فنتركها. وحمل موسى وفتاه الحوت في المكتل، ومضيا.

فقدان الحوت

وفي حديث البخاري أنهما أتيا الصخرة فوضعا رأسيهما فناما، فاضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. وأمسك الله عن الحوت جَرية الماء فصار مثل الطاق، أي كالقنطرة المقوسة. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره، وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. ثم قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. وفي الحديث أن موسى لم يجد النصب حتى جاوز المكان الذي أُمر به. فقال الفتى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. أي رجعا يتتبعان أثرهما.

اللقاء

وفي الحديث أنهما وجدا رجلًا مسجّى بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وفي القرآن: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. وسمّاه حديث البخاري الخضر، وبيّن سبب التسمية: أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفروة هي الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس في قول بعض أهل اللغة والشراح، وهو المعنى المناسب للسياق.

وفي هوية الخضر خلاف بين العلماء، هل هو نبي أم وليّ؟ واستدل من قال بنبوته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي بأمر الله، وبأن الله علّمه من لدنه علمًا، وبأنه عليه السلام قتل غلامًا بلا إذن من بشر، ولا يكون هذا إلا بوحي. وقال آخرون إنه وليّ صالح ألهمه الله. وهذا الخلاف مذكور في كتب التفسير والعقيدة، ولا يُبنى على ترجيحه عمل. والأمر الثابت أنه عبد من عباد الله آتاه الله علمًا لم يؤته موسى.

وفي صحيح البخاري أيضًا قصة تدلّ على صحة اسم الخضر وكونه صاحب موسى بني إسرائيل: عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس إن نَوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر. فقال: كذب عدو الله. وذكر الحديث عن أبي بن كعب. وفي بعض روايات الحديث أن ابن عباس تمارى هو والحُرّ بن قيس الفزاري في صاحب موسى، فمرّ بهما أُبيّ بن كعب فدعاه ابن عباس فسأله، فحدّثه بالحديث عن النبي ﷺ.

الشرط والسؤال

قال موسى للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. وفي الحديث أن الخضر قال: «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ». فهو بيان بأن كلًّا منهما عنده من علم الله ما ليس عند الآخر، وليس في ذلك تفضيل مطلق، فموسى نبي مرسل كليم، والخضر عنده علم خاص بالقدر.

واشترط عليه: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

السفينة

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾. وفي حديث البخاري أنه مرّت بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير أجر. وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال الخضر لموسى: «مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ». ثم عمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه. فقال له موسى: قوم حملونا بغير أجر عمدتَ إلى سفينتهم فخرقتها! وهو قوله تعالى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. فقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. وقال النبي ﷺ: «كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا».

الغلام

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾. وفي الحديث: فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فاقتلعه بيده، فقتله. ووصف سفيان بن عيينة، أحد رواة الحديث، فأومأ بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا. فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾. فقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. وقال موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. وقال النبي ﷺ: «كَانَتِ الثَّانِيَةُ شَرْطًا».

الجدار

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. وفي حديث البخاري أنه قام فأقامه بيده. فقال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. وقال النبي ﷺ: «كَانَتِ الثَّالِثَةُ عَمْدًا». فقال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.

وقال النبي ﷺ معلّقًا: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». وهذا من حرصه ﷺ على الخير ومحبته أن يعلم من أخبار الأنبياء ما يبلّغ أمته.

التأويل

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. وفي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما كما في الحديث: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا»، فعاب السفينة لتسلم لأهلها. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال إن الغلام «طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا»، أي كتب الله أنه يكون كافرًا. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.

ومما نبّه عليه المفسرون في هذه الآيات تفاوت النسبة في العبارة: ففي السفينة قال الخضر ﴿فَأَرَدْتُ﴾، وفي الغلام ﴿فَأَرَدْنَا﴾، وفي الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾. فنسب العيب إلى نفسه تأدبًا، ونسب الخير المحض إلى ربه، وجمع في الأمر المتوسط. وقد ذكر ابن كثير أن في قوله ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ دلالة على أن صلاح الأب يُرجى أثره في حفظ ذريته. أما الكنز فقد رُوي في صفته حديث عند الترمذي أنه لوح من ذهب مكتوب فيه كلمات، ولا يصح هذا الحديث، فنقول: كنزٌ، كما سمّاه القرآن. ويستفاد من القصة أن ما يبدو في ظاهره شرًّا قد يكون في باطنه خيرًا، وأن علم الله وراء ما نرى.

موسى المستحي

ومن أخبار موسى عليه السلام الصحيحة ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ، اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ. وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ. وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا». وجاء في رواية أخرى للبخاري «سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً». وفي هذا نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. وهذا تفسير الحديث للآية كما جاء في الصحيح.

موسى وملك الموت

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فردّ الله عليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطّت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ». وقد شرح أهل العلم الحديث بأن ملك الموت جاءه في صورة رجل، فدفعه موسى عليه السلام بما ظنه عدوانًا عليه، وليس في ذلك كراهة للقاء الله، ولذلك لما خُيّر بين الحياة والموت اختار الموت وسأل الدنو من الأرض المقدسة.

موسى في ليلة الإسراء

وقد رأى النبي ﷺ موسى ليلة الإسراء. فروى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «رَأَيْتُ مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ». وروى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه ﷺ قال: «أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». وفي حديث الإسراء الطويل في الصحيحين أن النبي ﷺ لما فُرضت عليه خمسون صلاة مرّ على موسى في السماء السادسة، فقال له: بم أمرك ربك؟ قال: بخمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. فرجع النبي ﷺ فخفف الله عنه، وتكرر ذلك حتى صارت خمسًا في الفعل وخمسين في الأجر. وقال موسى في آخرها: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فتركوه، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال النبي ﷺ: «قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ». فكان لموسى بذلك فضل النصح لهذه الأمة.

وروى مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بوادي الأزرق فقال: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» قالوا: وادي الأزرق. قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ». وجاء في الصحيحين أيضًا أن النبي ﷺ قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ... فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ».

آدم وموسى

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى». وقد شرح أهل العلم الحديث بأن آدم لم يحتج بالقدر على المعصية ليبرر الذنب، بل احتج به على المصيبة، أي على الخروج من الجنة بعد أن تاب الله عليه، وأن اللوم على الذنب بعد التوبة غير جائز، فالتوبة تمحو الذنب، وبقيت المصيبة وهي من قدر الله.

بقرة بني إسرائيل

وفي سورة البقرة قصة البقرة، وفيها قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وسببها أن قتيلًا وُجد فيهم ولم يُعرف قاتله، فتدارؤوا فيه أي تدافعوا الاتهام: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. فأمرهم بذبح بقرة، فسألوا عن ماهيتها: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾. ثم سألوا عن لونها: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. ثم قالوا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. فقال: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

وقد روى ابن جرير وذكر ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في معنى القصة إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم. ويوافق ذلك ما ثبت في الصحيحين من قول النبي ﷺ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ». وأما اسم القتيل ومن قتله وكيف تكلم بعد الضرب ببعض البقرة وأي عضو منها، وقصة صاحب البقرة وبرّه بأبيه وأن البقرة كانت لفتى بار، فكلها أخبار لم تثبت بإسناد صحيح مرفوع، وهي من الإسرائيليات أو من الآثار التي لا تثبت، فلا نذكرها. والثابت أن الله أحيا الميت ببعض البقرة، فأخبر عن قاتله، دليلًا على قدرته في إحياء الموتى. وكان ذلك آية من آيات الله لبني إسرائيل.

قارون

وقارون من قوم موسى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. أي أن مفاتيح خزائنه تثقل الجماعة من الرجال الأقوياء. وفي نسبه خلاف، وقد ذكر ابن كثير أن من السلف من قال هو ابن عمّ موسى، ولم يثبت ذلك بنص صحيح. وكان من قوم موسى، فبغى عليهم، أي تكبّر وتطاول عليهم بماله.

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فجمعت هذه الآية أصول النصيحة المالية: لا بطر، وابتغاء الآخرة بالمال، وعدم إهمال حظ الدنيا، والإحسان، وترك الفساد. فأجاب قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. فردّ الله عليه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. ثم جاء العقاب: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. وصار الذين تمنّوا مكانه يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾. ثم خُتمت القصة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

وقد ذكر القرآن قارون مع فرعون وهامان في قوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾. وأما ما اشتهر في كتب القصص من أن قارون دبّر مكيدة لموسى بامرأة سوء يتهمه بها، أو غير ذلك من التفاصيل التي تُروى عن كيفية خسفه، فهذه من أخبار لم يثبت منها شيء بسند صحيح مرفوع، فنتركها ولا نبني عليها شيئًا.

صبر موسى على الأذى

ومما ثبت في السنة أن النبي ﷺ تأسّى بصبر موسى عليه السلام، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قسم النبي ﷺ قسمة فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله. فأخبرت النبي ﷺ فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».

عبر ودلالات

أولًا: أن العالِم الحقيقي يردّ العلم إلى الله، وأن فوق كل ذي علم عليم، وأن التواضع في طلب العلم من صفات الأنبياء، فقد رحل موسى مع علوّ مقامه ليتعلم.

ثانيًا: أن الصبر على ما لا يُفهم سببه من أقدار الله هو طريق الرضا، وأن ما يبدو شرًّا قد يحمل خيرًا.

ثالثًا: أن الاستكبار بالمال والظن بأن النعمة من الجهد وحده طريق الهلاك، وأن النصيحة الصادقة تجمع بين الدنيا والآخرة.

رابعًا: أن الاستقصاء في السؤال والتشديد على النفس يحرمان صاحبهما اليسر، كما في قصة البقرة.

خامسًا: أن صبر الأنبياء على الأذى، ومنهم موسى عليه السلام، أسوة لكل من تعرض للأذى في الله.

العبرة

أن العالم الحق يردّ العلم إلى الله ويتواضع لطلبه، وأن ما يبدو شرًّا قد يحمل خيرًا، وأن التشديد على النفس بكثرة السؤال يحرم اليسر، وأن البطر بالمال طريق الهلاك.

المصدر: القرآن الكريم: سورة الكهف (موسى والخضر)، سورة البقرة (البقرة)، سورة القصص (قارون)، سورة الأحزاب (براءة موسى)، سورة العنكبوت وغافر (ذكر قارون مع فرعون وهامان)؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث أُبيّ بن كعب في موسى والخضر، حديث «إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا» (أبو هريرة)، حديث ملك الموت وموسى (أبو هريرة)، حديث الإسراء ولقاء موسى (ابن عباس وأنس وغيرهما)، حديث وادي الأزرق (ابن عباس، مسلم)، حديث «احتج آدم وموسى» (أبو هريرة)، حديث «رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا» (ابن مسعود)، حديث «ذروني ما تركتكم»؛ تفسير ابن كثير والطبري والسعدي.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم. نُبّه في النص على ما لم يثبت: حديث الكنز اللوح الذهبي عند الترمذي، وتعيين القتيل وقاتله في قصة البقرة، وتفاصيل مكيدة قارون، وتعيين مكان مجمع البحرين، والخلاف في نبوة الخضر.