نبيٌّ جمع الله له النبوة والملك
داود عليه السلام نبيٌّ كريم من أنبياء بني إسرائيل، ذكره الله في كتابه في مواضع متفرقة، وخصّه بنِعَمٍ عظيمة: آتاه النبوة والملك، وأنزل عليه الزبور، وألان له الحديد، وسخّر معه الجبال والطير، وجعله خليفة في الأرض يحكم بين الناس. وأجمل الله وصفه في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. فسّر المفسرون «الأيد» بالقوة، وقالوا إن المراد قوته في طاعة الله وفي العلم والعمل، ومعنى «أوّاب»: كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والعبادة. وهذان الوصفان يلخّصان حياته كلها: قوةٌ في الحق، ورجوعٌ دائم إلى الله.
وقصته في القرآن لا تأتي متصلة في موضع واحد، بل متفرقة في سور البقرة والأنبياء وسبأ وص وغيرها، وفي السنة الصحيحة أحاديث تكشف جانبًا من عبادته وعمله وقراءته. وسنجمع هنا ما صحّ من ذلك، ونُبيّن المعنى من كلام المفسرين مع نسبته إليهم، ونُنبّه حيث يلزم التنبيه إلى ما شاع على الألسنة ولا أصل له في الكتاب والسنة.
بنو إسرائيل يطلبون ملكًا يقاتلون معه
تبدأ القصة في سورة البقرة قبل أن يظهر داود عليه السلام. يقول الله تعالى مخبرًا عن جماعة من أشراف بني إسرائيل، وهم الذين عبّر عنهم القرآن بلفظ «الملأ»، أنهم جاؤوا إلى نبيّ لهم بعد موسى عليه السلام، فطلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا يجمع كلمتهم ويقاتلون معه في سبيل الله: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ولم يسمِّ القرآن هذا النبي، وما ورد في تسميته في بعض كتب التفسير مأخوذ من أخبار أهل الكتاب، فلا نجزم به ولا نعتمد عليه.
فأجابهم النبي بما يدل على معرفته بأحوال قومه، إذ قال لهم ما معناه: هل أنتم متأكدون أنكم إذا فُرض عليكم القتال لن تتخلّفوا عنه؟ فردّوا بحماسة ظاهرة، وقالوا: كيف لا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟ قال الله بعدها: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وفي هذا درس مبكر في القصة: الكلام سهل، والعبرة بالعمل عند وقوع الأمر. وهذا شأن كثير من الناس: يتمنّون الشيء ويسألونه، فإذا جاء وقت التنفيذ نكص أكثرهم ولم يثبت إلا القليل، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾.
اصطفاء طالوت واعتراضهم
قال لهم نبيّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. فاعترضوا، ومنشأ اعتراضهم أنهم نظروا إلى المعايير الدنيوية: قالوا كيف يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يُعطَ سعة من المال؟ كأنهم ظنّوا أن الملك يُنال بالنسب والثروة. فأجابهم نبيّهم بجوابين: الأول أن الله اصطفاه عليهم، وهو سبحانه الذي يؤتي ملكه من يشاء. والثاني أن الله زاده ﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، أي فضلًا وسعة في العلم وقوة في البدن. قال السعدي رحمه الله في تفسيره ما معناه: إن هذه الصفات هي ما تقوم به الولاية، فالملك يحتاج إلى علم يُدبّر به الأمور، وإلى قدرة وقوة تنفّذ بها الأحكام، وإلى أن يكون اختيار الله هو الأساس لا الأهواء. ثم ذكر القرآن أن ﴿اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
التابوت: آية ملكه
ولما طلبوا علامة تطمئن بها قلوبهم، جعل الله لهم آية: أن يأتيهم التابوت، وفيه سكينة من ربهم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تحمله الملائكة. وهذا نص القرآن، وهو كل ما صحّ في أمره. وقد جاء اسم هارون عليه السلام هنا، وسيأتي ذكره في قصته المستقلة. أما ما هو محتوى هذه «البقية» على التحديد، وكيف كان شكل التابوت، فلا يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ، وفي التفاسير روايات متعددة منقولة عن السلف في تفصيله، أكثرها مما يعود إلى أخبار بني إسرائيل، فنقف عند ما قاله القرآن: سكينة من الله، وبقية مباركة، تحملها الملائكة، وفي ذلك دلالة ظاهرة للمؤمنين.
الابتلاء بالنهر
خرج طالوت بالجنود، وعلم أن الكثرة وحدها لا تكفي، وأن الجيش بحاجة إلى اختبار صدق أتباعه، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. فلما بلغوا النهر شرب أكثرهم، ولم يصبر على الأمر إلا قليل. وهنا كان الفرز الأول: من يطيع في المنشط والمكره، ومن تغلبه شهوة الماء في ساعة العطش.
ثم جاوز النهر طالوت والذين آمنوا معه، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده قال بعضهم: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. وهذا الخوف الطبيعي من قلة العدد، لكن الذين يوقنون بلقاء الله ردّوا عليهم بجملة صارت قاعدة في النصر: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد ثبت في صحيح البخاري، في كتاب المغازي، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أنهم كانوا أصحاب محمد ﷺ يتحدثون أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وأنه لم يجاوز معه إلا مؤمن، وكانوا بضعة عشر وثلاثمائة. فربط الصحابة رضي الله عنهم بين الموقفين: جماعة قليلة صادقة تنتصر على كثرة كافرة، بإذن الله.
الدعاء قبل اللقاء
فلما برزوا لجالوت وجنوده توجّهوا إلى الله بدعاء جمع الصبر والثبات والنصر: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. ويُلاحظ في ترتيب هذا الدعاء أنهم سألوا أولًا الصبر في القلب، ثم ثبات الأقدام في الميدان، ثم النصر على الأعداء. فالنصر ثمرة، وأولها صبر وثبات.
داود يقتل جالوت
ثم يقول الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. هذا كل ما في القرآن عن هذه الواقعة الحاسمة: كان داود عليه السلام في جيش طالوت، فقتل جالوت، وكان ذلك سبب شهرته وانتقال الملك إليه. وبعض الناس يتداولون تفاصيل كثيرة، كالمقلاع والحجارة وما قيل عن صغر سنه وعن مبارزته، وهذه التفاصيل مأخوذة من أخبار أهل الكتاب أو من روايات في التفسير لا تثبت بإسناد صحيح إلى النبي ﷺ، وقد ذكر بعض المفسرين شيئًا منها ونبّه على ما فيها، فنحن نكتفي بخبر القرآن: قتل داود جالوت بإذن الله، وآتاه الله بعد ذلك الملك والحكمة، وعلّمه ما شاء.
قال المفسرون في «الملك والحكمة» إن المراد بهما الملك على بني إسرائيل، والحكمة هي النبوة والعلم النافع. وقد جمع الله لداود بين الأمرين، ولهذا يُعدّ من الأنبياء الملوك. وختم الله الآية بسنّة من سننه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، أي أن الله يدفع بأهل الحق شرّ أهل الباطل، ولولا ذلك لعمّ الفساد.
الزبور
أنزل الله على داود الزبور، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. وهو كتاب من كتب الله المنزلة. ومما جاء فيه ويؤكده القرآن قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وقد وقف المفسرون عند هذه الآية، وذكر ابن كثير أن للسلف في الأرض المقصودة أقوالًا، منها الأرض كلها يرثها الصالحون، ومنها أرض الجنة، والمعنى العام أن العاقبة للصالحين.
وفي صحيح البخاري، في كتاب أحاديث الأنبياء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «خُفِّف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتُسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تُسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده». قال العلماء في شرح الحديث، ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله، إن المراد بـ«القرآن» هنا الزبور، أي القراءة التي كان يقرؤها، وإن الله يسّرها عليه حتى كان يفرغ من قراءته في زمن قصير جدًا، وهذه كرامة وتيسير لا يُقاس عليها. وفي الحديث نفسه فائدة أخرى: كان نبيًّا ملكًا، ومع ذلك لا يأكل إلا من كسب يده.
الحديد يلين في يده
من أعظم ما خصّ الله به داود أنه ألان له الحديد، قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وفي سورة الأنبياء: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
والمعنى كما ذكره المفسرون أن الله جعل الحديد في يده كالعجين أو الخيط، يصنع منه ما شاء من غير نار ولا مطرقة، فصنع منه الدروع «السابغات»، وهي الدروع الواسعة التامة، وأمره أن يُقدّر في «السرد»، أي في نسج حلقات الدرع، فلا يجعلها دقيقة قصيرة فتضعف ولا غليظة فتثقل. وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية هذا المعنى، وذكر بعض المفسرين أن الدروع قبل داود كانت صفائح، وأنه أول من جعلها حلقًا، وهذا مما لا يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ. ويكفينا أن القرآن سمّى هذه الدروع نعمة تستوجب الشكر: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾، لأنها تحمي المقاتلين من أذى الحرب.
وفي هذا اللون من النعم درس متجدد: العلم بالصناعات والنفع بها من فضل الله، وأن صنعة الحديد شرف لا عيب. وقد قال تعالى في سورة الحديد: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فجمع في الحديد قوة الدفاع ومنافع الناس. وفي حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه في صحيح البخاري، في كتاب البيوع، أن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». فاجتمع الأمران: الله علّمه الصنعة، وهو يأكل من كسبها مع أنه ملك، فلم يستنكف عن العمل.
الجبال والطير تسبّح معه
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾. أي إن الجبال كانت تسبّح مع داود في آخر النهار وأول صباحه، والطير مجموعة إليه، وكلٌّ منها راجع إلى الله بالتسبيح. وفي آية سبأ: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾، قال المفسرون: أي رجّعي التسبيح معه. وقد ذكر ابن كثير أن هذا من فضل الله على داود، إذ كان إذا ترنم بالتسبيح والزبور سبّحت معه الجبال والطيور. ولا نزيد على ما في النص: لا نقدّر كيفية الصوت ولا مقداره، فهذا من غيب فعل الله بأنبيائه.
وفي السنة ما يدل على حسن صوته وجمال قراءته: ففي الصحيحين، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال له: «لقد أُوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود»، وكان أبو موسى حسن الصوت بالقرآن. قال العلماء، ومنهم النووي وابن حجر رحمهما الله، إن المزمار هنا الصوت الحسن، ولا يعني الآلة، وإن «آل داود» المراد به داود نفسه، وهو تشبيه لحسن صوت أبي موسى بحسن صوت داود عليه السلام، فدل على أن صوت داود كان مضرب المثل في الجمال.
الملك الذي يحكم بالحق
قال الله تعالى مخاطبًا داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. وهذه الآية قاعدة كبرى في الحكم: الخلافة في الأرض أمانة، والحق هو الميزان، واتباع الهوى طريق الضلال. وقد قال ابن كثير في تفسيرها إن فيها وصية من الله لولاة الأمور بالحكم بالحق المنزل من عنده، وتحذيرًا من مخالفته.
وقد أثنى الله على حكمه وحكم ابنه، فقال في الأنبياء: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. والنفش رعي الغنم ليلًا. وقد ذكر المفسرون، ومنهم ابن كثير نقلًا عن السلف كابن مسعود رضي الله عنه وغيره، أن غنم قوم رعت زرع آخرين فأفسدته، فحكم داود بأن تُدفع الغنم لأصحاب الزرع عوضًا عما أتلفته، ثم رأى سليمان رأيًا آخر أرفق بالطرفين، وهو أن يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بلبنها وصوفها حتى يُصلح صاحب الغنم الزرع ويعيده إلى ما كان، ثم يردّ كلٌّ إلى صاحبه ماله. وقد ذكر القرآن أن الله فهّم سليمان هذه القضية، ولم يعب داود، بل قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. وفي هذا أدب جميل: يُثنى على صاحب الاجتهاد المخطئ، ولا يُنتقص من قدر الأب لفضل الابن.
ويرتبط بالحكمة في قضاء داود وسليمان حديث صحيح رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المُدية. وهذه قصة تُذكر في باب سليمان، لكنها تُظهر أن بيت داود كان بيت قضاء وحكمة.
خصمان يتسوّران المحراب
وفي سورة ص قصة قصيرة بألفاظ القرآن، فيها ابتلاء لداود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. ثم عرض أحدهما شكواه: ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. فقال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾.
ثم يقول الله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. هذا ما في القرآن، وهو لا يذكر نوع الخطأ الذي استغفر منه داود، ولا يصرّح بما كان من أمره.
وهنا ينبغي الحذر. فقد راجت بين الناس، وفي بعض الكتب القديمة، قصة مفصّلة تنسب لداود عليه السلام أمرًا لا يليق بمقام الأنبياء، مع امرأة قائد من قواده. وقد نبّه المحققون من أهل العلم على أن هذه القصة من الإسرائيليات التي لا تثبت، ومن هؤلاء ابن كثير رحمه الله، فذكر في تفسيره أن المفسرين ذكروا هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن النبي ﷺ حديث صحيح يجب اتباعه، وأن الأولى الاقتصار على تلاوة القصة كما جاءت ورد علم ما وراءها إلى الله. ولذلك لا نذكرها هنا ولا نحكيها. والذي ثبت أن الله ابتلى داود بما شاء، فاستغفر وأناب وسجد، فغفر الله له، وأن له عند ربه قربى وحسن مرجع. وفي هذا كفاية: درسٌ في سرعة الرجوع إلى الله بعد الخطأ.
عبادته: أحب الصلاة وأحب الصيام
ثبت في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا». وكان النبي ﷺ قد قال هذا لعبد الله حين بلغه أنه يصوم النهار ويقوم الليل كله، فنهاه عن الإفراط ودلّه على هدي داود، لأن الأنفس لها حظ من الراحة، والعبادة المستمرة المعتدلة أحب إلى الله من الشدة التي لا تُطاق.
ويُلاحظ هنا أن داود عليه السلام، مع قوته الظاهرة وملكه، كان يقوم الليل ويصوم يومًا ويفطر يومًا. ومن فقه هذا الهدي أن العبادة لا تتنافى مع الملك والعمل، وأن النبي ﷺ جعل نظام داود في الصيام والقيام أعدل النظم وأحبها إلى الله.
لعن الكافرين على لسان داود
ومن مواضع ذكر داود في القرآن قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فداود عليه السلام لم يكن نبي رحمة فقط، بل كان يحذّر قومه من العصيان، وبيّن الله أن سبب لعنهم أنهم عصوا واعتدوا، وأنهم لم ينهَ بعضهم بعضًا عن المنكر. وقد وقف ابن كثير عند هذه الآية، وبيّن أن ترك التناهي عن المنكر جريمة تُهلك الأمم، وهو معنى يتكرر في الكتاب والسنة.
آل داود والشكر
وفي سورة سبأ، بعد ذكر ما سخّر الله لسليمان، خاطب الله آل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. فجعل الله الشكر عملًا لا مجرد لفظ باللسان، وقال إن الشاكرين قليل. وقد عُرف عن داود وآله القيام بهذا الشكر، فكان داود أوابًا، وقام بالعبادة، وبالحكم بالحق، وبالعمل بيده.
العبر من قصة داود عليه السلام
أولًا: النصر لا يتعلق بالكثرة، وإنما بالإيمان والصبر وطاعة القيادة، كما اختُبر جيش طالوت بالنهر، وقال المؤمنون الصادقون: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
ثانيًا: الله يختار من يشاء، ولا يُقاس الاختيار بالمال والنسب، فإن اعتراض الملأ على طالوت بسبب فقره ونسبه ردّه نبيهم بالعلم والقوة والاصطفاء.
ثالثًا: العمل باليد شرف، حتى للملك النبي: كان داود يأكل من عمل يده، وعلّمه الله صنعة الدروع.
رابعًا: الحاكم يلزمه الحق ويحذر الهوى، فهذا هو أساس الخلافة في الأرض.
خامسًا: الاستغفار والإنابة والسجود هي طريق الصالحين عند الخطأ، فقد غفر الله لداود وجعل له القربى وحسن المآب.
سادسًا: في الاعتدال في العبادة هدي نبوي، فأحب الصيام صيام داود، وأحب الصلاة صلاة داود، كما أخبر النبي ﷺ، ففيه جمع بين القوة في الطاعة والرفق بالنفس.
وصلى الله وسلم على داود وسليمان وسائر أنبياء الله ورسله.
