Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٨ دقيقة

سليمان عليه السلام: النملة والهدهد وملكة سبأ والريح والجن

سليمان عليه السلام

وَرِث داود: وراثة العلم والنبوة

سليمان عليه السلام نبيٌّ كريم وملكٌ عظيم، وهو ابن نبي الله داود عليه السلام. قال الله تعالى فيه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وبدأ الله قصته في سورة النمل بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فكان أول ما قالاه حمد الله، وهذا مفتاح القصة كلها: نِعَمٌ عظيمة، وشكرٌ يقابلها.

ثم قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. والمراد بالوراثة هنا وراثة النبوة والعلم والملك، لا وراثة المال، وهو ما ذكره المفسرون، ومنهم ابن كثير رحمه الله، واستدلّوا عليه بأن الأنبياء لا يورَّثون، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكر وعائشة رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قوله: «لا نورَث، ما تركنا صدقة». وفي قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ إخبار بأن الله علّمه فهم أصوات الطير، وقوله: ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُراد به ما يحتاج إليه الملك من أسباب القوة والعطاء، لا الإحاطة بكل شيء، وقد قال العلماء إن «كل شيء» في مثل هذا السياق تفيد الكثرة والعموم النسبي.

جنود الجن والإنس والطير

وصف الله ملك سليمان بقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. ومعنى «يوزعون» أنهم يُحبَسون أولهم على آخرهم ويُنظَّمون في سيرهم، فلا يتقدم بعضهم على بعض، وهذا يدل على ضخامة هذا الجيش وانضباطه. ولم يُعطَ هذا لأحد قبله ولا بعده على هذا الوجه، كما سيأتي في دعوته.

وقد فصّل القرآن في مواضع أخرى بعض هذا التسخير، فقال في سورة سبأ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.

الريح تجري بأمره

أما الريح فتسخيرها لسليمان من آيات الله العظيمة. قال تعالى في الأنبياء: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَىٰ الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، وفي سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. فالريح عاصفة في قوتها، رُخاء في لينها، بحسب أمره، تحمله حيث أراد. ومعنى «غدوّها شهر ورواحها شهر» عند المفسرين أنها كانت تقطع في الغدو مسيرة شهر وفي الرواح مسيرة شهر، أي مسيرة شهرين في اليوم الواحد. ولا نزيد على هذا. وأما ما يُروى من تفاصيل عن بساط عظيم من خشب أو غيره يحمل الجنود والخيل والأمتعة، وعن طوله وعرضه وارتفاعه، فهو من الأخبار المتداولة عن أهل الكتاب أو من الروايات التي لا تثبت، فلا نعتمد عليه، ويكفينا أن القرآن أخبر أن الريح كانت تجري بأمره حيث شاء.

عين القطر ومحاريب وجفان وقدور

وقوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ فسّره المفسرون بأن الله أذاب له النحاس وجعله يسيل كما يسيل الماء، فتيسّر له استعماله في الصناعات. والمحاريب هي المباني الفخمة والقصور وأماكن العبادة، والتماثيل صور ونقوش كانت مباحة في شريعتهم، وقد جاءت شريعة محمد ﷺ بتحريم تصوير ذوات الأرواح، وهذا مما نبّه عليه أهل العلم عند تفسير هذه الآية، فلا يُستدل بها على جوازه في شريعتنا. والجفان كالجواب، أي صحاف كبيرة كالأحواض العظيمة تسع الكثير من الطعام، والقدور راسيات، أي ثابتات في أماكنها لعظمها. وكل هذا يدل على سعة ملكه وكثرة من يُطعمهم، ويدل أيضًا على أن الله جعل الجن يعملون له هذه الأعمال الشاقة، وأنهم ما كانوا يخرجون عن أمره إلا بعقوبة من الله: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.

وفي سورة الأنبياء: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾، وفي سورة ص: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فمنهم من يبني ومنهم من يغوص في البحر، ومنهم المتمردون المقيَّدون بالأصفاد، أي بالأغلال والقيود. وقوله ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ يدل على أنهم كانوا في حفظ الله وتحت أمر سليمان لا يفسدون ما عملوا. وقد ختم الله هذا العطاء بقوله: ﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي أن له أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب عليه، وهو من تمام الإكرام.

وقد ردّ القرآن على فرية قديمة نُسبت إلى سليمان بسبب هذا التسخير، فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. أي أن بعض الناس زعموا أن سليمان كان ساحرًا وأن ملكه قام بالسحر، فبرّأه الله من ذلك: ما كفر سليمان، وإنما كفر الشياطين الذين علّموا الناس السحر. فملكه كان من فضل الله ونبوته، لا من السحر.

النملة التي حذّرت قومها

ثم تأتي أولى حلقات القصة المفصّلة في سورة النمل. يقول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. كان سليمان وجنوده في مسيرهم، فبلغوا وادي النمل، وهو وادٍ كثير النمل، ولم يحدد القرآن موضعه، فقالت نملة تحذّر قومها من أن يدوسهم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. وفي كلامها ما يلفت الانتباه: خاطبت قومها بالنداء، وأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، وعلّلت الأمر، وبرّأت سليمان وجنوده من القصد بقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي لو علموا لما حطموكم. وقد فهم سليمان قولها: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾.

قال المفسرون إن تبسمه كان من حسن تدبيرها وإنصافها، ومن شكر نعمة الله عليه أن علّمه منطق الطير والحيوان. ثم لجأ إلى الدعاء: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. فهو ملك يملك أعظم جيش، ومع ذلك أول ما يخطر في قلبه عند سماع نملة أن يسأل الله أن يوزعه شكر النعمة. وذكر ابن كثير أن قوله «أوزعني» أي ألهمني، وفيه سؤال التوفيق للشكر، لا مجرد الشكر باللسان.

وفي السنة ما يؤيد حرمة الأنفس الصغيرة: روى أبو داود وابن ماجه وأحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد. وقد صححه جماعة من أهل العلم. وليس معنى هذا أن كل نملة لا تُقتل إذا آذت، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن نبيًّا من الأنبياء قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأُحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبّح؟ ولم يسمِّ الحديث ذلك النبي، فلا يجوز أن نسمّيه بلا دليل، ولا أن ننسبه إلى سليمان عليه السلام.

تفقّد الطير: الهدهد الغائب

ثم قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. وفي هذا أدب من آداب القيادة: أن يتفقد الحاكم رعيته حتى أصغرها، وأن يسأل عن الغائب. ثم قال متوعدًا: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾. ومعنى السلطان المبين: حجة ظاهرة وعذر واضح. وقد استنبط المفسرون أن سليمان عليه السلام لم يعاقب قبل أن يسمع العذر، وجعل لغيبة الهدهد مخرجًا إن جاء بحجة، فقدّم العدل على الغضب. وهو مما استنبطه أهل العلم من الآية، ومنهم السعدي رحمه الله: أن الحاكم ينبغي ألا يعاقب إلا بعد التثبت.

وهنا تقف الآيات عند مفاجأة القصة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.

وقد أكثر المفسرون من التأمل في كلام الهدهد: فهو لم يأتِ بخبر دنيوي فقط، بل جاء بخبر عن الشرك الذي رآه، وعن غيرة على التوحيد، فجاءت عبارته تنكر السجود لغير الله وتثبت ربوبيته وألوهيته. وقال بعض العلماء إن فيها دلالة على أن الله قد يُلهم أصغر مخلوقاته ما يعرف به الحق، وأن العلم قد يكون عند من هو دون في الظاهر. ولا ينبغي لصاحب القوة أن يستخف بخبر الضعيف إذا جاء ببرهان، ولهذا كان جواب سليمان له رفقًا وتثبتًا: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. فلم يعاقبه ولم يصدّقه مباشرة، بل قرر أن يتحقق.

وأما «سبأ» فقد ذكر المفسرون أنها بلاد في اليمن، وهذا ما عليه أكثرهم. وقد سمّى الناس ملكتها بلقيس، ولم يرد هذا الاسم في القرآن ولا في حديث صحيح عن النبي ﷺ، بل هو مما ينقله أصحاب الأخبار، فنذكره للتعريف المتداول فقط، ونقف على ما في القرآن: امرأة تملك قوم سبأ.

كتاب سليمان إلى ملكة سبأ

ثم أمر سليمان الهدهد بأن يحمل كتابه: ﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. فألقاه الهدهد، ولم يذكر القرآن كيف ألقاه ولا أين، وأخبر ما كان بعد ذلك: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.

كان الكتاب قصيرًا، وقد جمع بدايته باسم الله، وجعل مضمونه نهيًا عن العلو والتكبر، وأمرًا بالمجيء مسلمين. ووصفته الملكة بأنه «كريم»، وقد فسّر العلماء كرمه بأنه جاء مختومًا أو بأنه كتاب يحمل من الوعظ ما فيه الكرامة، وقيل غير ذلك، والقرآن لم يفصّل. والذي يلفت النظر هنا أنها لم تستبد بالقرار، بل جمعت أشراف قومها: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾. فشاورتهم، وأظهروا لها قوتهم: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾، فترك الأمر لها. فقالت ما يدل على حكمتها السياسية: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.

ثم يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فرفض الهدية، وبيّن أنه لا يُشترى بالمال، وأن ما أعطاه الله من النبوة والملك خير مما عندهم. ولم يخبرنا القرآن عن نوع تلك الهدية، وما يُروى في تفصيلها من أعداد وأوصاف مأخوذ من روايات غير ثابتة فلا نعتمدها.

العرش في طرفة عين

ثم أراد سليمان أن يُري ملكة سبأ آية من آيات الله قبل أن تأتي: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.

العفريت هو القوي الداهية من الجن، وعرض أن يأتي به قبل أن يقوم سليمان من مجلسه. ثم قال الذي عنده علم من الكتاب أنه يأتي به قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه. وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الذي عنده علم من الكتاب، والقرآن لم يسمّه، وأكثر ما نُقل في اسمه يعود إلى أخبار أهل الكتاب، فالأولى أن نقول: رجل صالح آتاه الله علمًا. وكان إحضار العرش في هذه اللحظة أمرًا خارقًا من فضل الله، لا من قوة ذاتية في البشر. وسليمان لما رأى العرش مستقرًّا عنده لم يقل: أنا فعلت، بل قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. وهذا أدب الأنبياء: يرون النعمة اختبارًا من الله لا مدعاة للتفاخر.

ثم أمر بتغيير هيئة العرش: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. فلما جاءت قيل لها: ﴿أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. وقالت مع ذلك: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾، وهذا يُحتمل أنه من كلام سليمان أو من كلامها، وقد ذكر المفسرون الاحتمالين. ثم بيّن القرآن سبب تأخرها عن الإسلام: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.

الصرح وإسلام الملكة

وكانت الآية الأخيرة التي أراها سليمان إياها: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي ظنّت الأرضية ماءً، فكشفت عن ساقيها، فبيّن لها سليمان أنه صرح مملّس من زجاج. فعرفت أن هذا ملك لا يقوم على ما عندها، وأن وراءه ربًّا أكبر، فاعترفت بظلم نفسها بالشرك وأسلمت لله رب العالمين.

وقد أنهى القرآن القصة عند إسلامها، ولم يذكر أنها تزوجت سليمان أو أي خبر آخر، وما يُحكى في كتب القصص عن زواجه منها أو عن شعر ساقيها وحيلة إزالته لا يثبت بخبر صحيح عن النبي ﷺ ولا يذكره القرآن، فنقف عند الذي ثبت: إسلامها لله رب العالمين. وفي ذلك معنى عظيم: أن الدعوة بالحجة والآية والرفق قد تفتح قلوبًا قوية، وأن سليمان الملك استعمل ملكه لهداية قوم لا لاستعبادهم.

دعوة لا ينبغي لأحد من بعده

ومن أسرار قصة سليمان عليه السلام دعاؤه الذي ذكره القرآن في سورة ص: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. بدأ بالمغفرة قبل الملك، وهذا من أدب الأنبياء. وقد شرح العلماء أنه لم يطلب الملك بطرًا ولا حسدًا، بل طلبه ليتميّز ملكه بآيات تدل على نبوته. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عفريتًا من الجن تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ربِّ هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فرددته خاسئًا». ففي الحديث أن النبي ﷺ ترك ربط العفريت احترامًا لدعوة سليمان وأن ملك الجن مما اختص به سليمان.

وفي السنة أيضًا ما رواه النسائي وابن ماجه وأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله ثلاثًا، فأُعطي اثنتين، ونرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وقد صححه جماعة من أهل العلم. وليس في القرآن ولا في الصحيحين تفصيل لكيفية البناء ولا لمواده، فلا نذكر ما يتداوله القصّاص من ذلك.

فتنة سليمان: «إن شاء الله»

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. هذا ما ذكره القرآن، وسكت عن بيان نوع هذه الفتنة وعن الجسد الملقى. وقد شاعت بين الناس هنا قصة طويلة عن شيطان استولى على خاتم سليمان وجلس على كرسيه أيامًا، وهي من الإسرائيليات المنكرة التي أنكرها المحققون، ومنهم ابن كثير رحمه الله، فلا تصح ولا تُحكى.

والثابت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل منهنّ إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل. والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون». وفي روايات الصحيح اختلاف في العدد، فجاء ستين وسبعين وتسعين ومائة، وجمع بينها أهل العلم بأن ذكر العدد الأكبر لا ينفي الأقل. وفي بعض الروايات أن الملَك قال له، وفي بعضها أن صاحبه، فلا تعارض في المقصود.

وقد ربط بعض أهل العلم بين هذا الحديث وبين الآية، فجعلوا الجسد الذي ألقي على كرسيه هو ذلك الولد الذي جاء نصف إنسان، فكانت الفتنة أنه ترك قول «إن شاء الله» فلم يتحقق ما أراد، ثم أناب إلى الله. وهذا اجتهاد في التفسير ولم يرد نص صريح في الحديث على أنه تفسير الآية، فنذكره قولًا لبعض أهل العلم وليس قطعًا. والمعنى المؤكد من الحديث الصحيح أن التعليق بمشيئة الله من تمام التوكل والتسليم، وأن الأنبياء مع عظم منزلتهم ليس لهم أمر مع الله، وأن مراد الله ينفذ على كل أحد.

وفي رواية لمسلم: «ولو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته»، أي كان ذلك أرجى لتحقق مراده.

الخيل التي شغلته عن الذكر

وفي سورة ص موقف آخر: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. عُرضت عليه خيل أصيلة سريعة وقت العشي، فانشغل بها حتى غابت الشمس، وهو القول الذي عليه أكثر المفسرين في عود الضمير في «توارت»، فذكر أنه أحب الخير أي الخيل حبًّا جعله ينسى ذكر ربه، أي صلاة العصر على قول جماعة. ثم أمر بإعادتها: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، فطفق مسحًا بالسوق والأعناق.

واختلف المفسرون في معنى المسح: فقال بعضهم إنه ضرب سوقها وأعناقها بالسيف، أي ذبحها تقرّبًا إلى الله وأخرج ثمنها صدقة، وقال آخرون إنه مسح عليها بيده تكريمًا لها وتحققًا من حالها. وفي كل الأحوال فالعبرة واحدة: لما شغله المال أو الخيل عن عبادة الله بادر إلى التوبة، وأعاد الأمر إلى نصابه. وقد ذكر ابن كثير الخلاف، ولا يترتب على ترجيح أحد القولين فرق في الدرس: أن الأنبياء أسرعوا إلى تصحيح ما قد يُغفل عنه.

موته والجن لا يعلمون الغيب

ومن أعجب ما ذكر القرآن عن سليمان خبر موته: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. المنسأة هي العصا. ومعنى الآية أن سليمان مات وهو متكئ على عصاه، والجن يعملون بين يديه ظنًّا منهم أنه حي، حتى أكلت دابة الأرض، وهي الأرضة على قول المفسرين، عصاه، فسقط، فعلموا أنه مات، وعلموا أن الجن لا يعلمون الغيب. وهذا كان ردًّا على من ظنّ أن الجن تعلم الغيب.

ولم يذكر القرآن كم بقي على هذه الحال، ولم يثبت في السنة تحديدها. وما يُروى في الكتب عن مدة بقائه ميتًا، كسنة كاملة، لا يثبت بخبر صحيح، فنقف عند المعنى. وفي ختام حياته درس كبير: ملكٌ لم يُعط مثله أحد، سخّر الله له الجن والريح والطير، ثم مات كما يموت البشر، ومات وهو متكئ على عصاه، فلم يكن في قوة الجن ولا في علمهم ما يدفع الموت. وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾، فالأمر لله وحده.

العبر من قصة سليمان عليه السلام

أولًا: أعظم النعم يقابلها الشكر. بدأ سليمان بالحمد، وعند رؤية النملة دعا أن يوزعه الله شكر نعمته، وعند رؤية العرش قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.

ثانيًا: العدل والتثبت من أخلاق الحاكم الصالح، فلم يعاقب الهدهد قبل أن يسمع حجته، ولم يصدّقه قبل أن يتحقق: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.

ثالثًا: الدعوة إلى التوحيد غاية الملك، فلم يستعمل سليمان قوته إلا في دعوة قوم سبأ إلى الله، وأسلمت الملكة لله رب العالمين.

رابعًا: لا يخرج أحد من قدر الله ولا من مشيئته، ولو كان نبيًّا ملكًا، ومن هنا جاء حديث «لو قال إن شاء الله».

خامسًا: الغيب لله وحده، فلا الجن ولا غيرهم يعلمونه.

سادسًا: الحذر من الإسرائيليات في قصص الأنبياء، فإن كثيرًا مما يُنسب إلى سليمان من خاتم وبساط وأسرار ليس من القرآن ولا من صحيح السنة، وقد برّأه الله من السحر والكفر.

وصلى الله وسلم على سليمان وداود وسائر الأنبياء.

العبرة

الشكر يقابل النعمة؛ والحاكم يتثبت قبل أن يعاقب؛ وغاية الملك الصالح دعوة الناس إلى التوحيد؛ وعلّق الأمور بمشيئة الله؛ والغيب لله وحده؛ وتُجتنب الإسرائيليات في قصص الأنبياء.

المصدر: القرآن الكريم: سورة النمل (الآيات في قصة النملة والهدهد وبلقيس والعرش)، والأنبياء، وسبأ، وص، والبقرة (براءة سليمان من السحر)؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث أبي هريرة (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة)، وحديث أبي هريرة (العفريت ودعوة أخي سليمان)، وحديث لا نورث؛ سنن أبي داود وابن ماجه وأحمد: النهي عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد؛ النسائي وابن ماجه وأحمد: دعاء سليمان عند بناء بيت المقدس؛ التفسير: ابن كثير والسعدي.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم + أحاديث صححها أهل العلم في السنن. نُبّه في النص على أن اسم بلقيس وقصة الخاتم والشيطان والبساط ومدة بقائه ميتًا وزواجه من الملكة ليست ثابتة، وتُركت.