نبيٌّ وهبه الله رحمةً لأخيه
هارون عليه السلام نبيٌّ كريم، وهو أخو موسى عليه السلام، ذكره الله في القرآن في مواضع كثيرة، ولم يُذكر وحده في قصة مستقلة تامة، بل جاء ذكره دائمًا إلى جانب موسى: في طلب الرسالة، وفي الذهاب إلى فرعون، وفي غيبة موسى لميقات ربه، وفي حادثة العجل. وقد رأينا أن نجمع هذه المواضع المتفرقة في قصة واحدة مرتبة، مقتصرين على ما جاء في القرآن الكريم وما صحّ في السنة، مع بيان معاني الآيات من كلام المفسرين.
وأول ما يُذكر في فضله قول الله تعالى في سورة مريم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. فجعل الله هارون هبةً من رحمته لموسى، وجعله نبيًّا. وهذا مدح لهارون ومنّة على موسى معًا. فالآية تدل على منّة خاصة: أن يجعل الله أخا النبي نبيًّا مثله، استجابةً لدعاء موسى.
موسى يسأل ربه وزيرًا
حين كلّم الله موسى وكلّفه بالذهاب إلى فرعون، دعا موسى ربه بدعاء يدل على حذر وأدب: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. فجاء الجواب: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾.
وفي سورة القصص ذكر موسى حجته في طلب هارون: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾. فكان هارون أفصح لسانًا من موسى، وطلب موسى أن يكون عونًا له يصدقه ويقوي حجته. فأجابه الله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. والسلطان هنا الحجة الظاهرة والغلبة.
وقد ذكر المفسرون أن «العقدة» التي في لسان موسى كان فيها ثقل، وأنه سأل الله حلّها ليفهم الناس كلامه. وهناك روايات في تفاصيل سببها، كحكاية عن جمرة وضعها في فمه وهو طفل، وهي مما يُروى عن بعض السلف نقلًا عن أخبار بني إسرائيل، ولا يثبت منها شيء مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فلا نعتمدها، ونكتفي بقول القرآن: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾. وفي الآية درس: أن الاستعانة بالأخ الصالح الأقدر في الدعوة لا تنقص من النبي، بل هي من تمام الأخذ بالأسباب مع التوكل.
وقد امتن الله على موسى بذلك في موضع آخر من الكتاب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. فالوزير هنا هو المعين الذي يحمل عن صاحبه بعض الأعباء، ويُعاضده في المهمة.
الذهاب إلى فرعون: القول اللين
ثم أمرهما الله بالذهاب إلى أعتى الطغاة: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. وهذا أدب الدعوة: مع أن فرعون طغى، أُمرا بالقول اللين. قال ابن كثير ما معناه إن في الآية عبرة عظيمة، وهي أن فرعون في غاية العتو وموسى صفوة الله من خلقه، ومع ذلك أُمر بأن يخاطبه بالرفق، فمن دونهما أولى بالرفق في الدعوة. ثم قالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾، أي أن يعاجلنا بالعقوبة أو يزداد طغيانًا. فطمأنهما الله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾.
وفي هذا المقام يظهر دور هارون: رفيق في الطريق، مطمئن بمعية الله، يشاركه الخطاب: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ﴾. فالخطاب بصيغة المثنى: «إنا رسولا ربك»، وهو يدل على أن هارون كان رسولًا مع موسى في هذه المهمة.
وقد أخبر الله أن فرعون وملأه وجّهوا الخطاب إليهما معًا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. فاتهموهما بطلب الرئاسة والعلو في الأرض، وهذا اتهام تقليدي من الظالمين لكل داعٍ إلى الحق.
أمرٌ بالبيوت والصلاة
وفي سورة يونس يقول الله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فأوحى الله إلى موسى وهارون معًا أن يتخذا لقومهما بيوتًا في مصر، وأن يجعلوا بيوتهم قبلة، وأن يقيموا الصلاة. وللمفسرين في معنى «قبلة» أقوال، منها أن يجعلوها متقابلة، وقيل مساجد، وقيل متوجهة إلى القبلة، وقد ذكر ابن كثير هذه الأقوال عن السلف. والذي لا خلاف فيه أن الآية تدل على أمر هارون وموسى بإقامة الصلاة وتثبيت المؤمنين في بيوتهم في وقت الخوف من فرعون.
ثم جاء بعد ذلك دعاؤهما على فرعون وملئه، فأجاب الله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. والخطاب بصيغة المثنى، فقال بعض المفسرين، كما نقل ابن كثير عن بعض السلف، إن موسى كان يدعو وهارون يؤمّن، فنُسبت الدعوة إليهما معًا، ومن هنا استدل جماعة من العلماء على أن المؤمِّن شريك الداعي في الدعاء. وهذا استنباط فقهي معروف، يدل عليه ظاهر المثنى في الآية.
هارون وموسى والسحرة
وحين جاء يوم الزينة وجُمع السحرة، وألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف ما يأفكون، خرّ السحرة ساجدين، ونطقوا بإيمانهم، وكان في إيمانهم ذكر هارون: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾. وفي موضع آخر قدّموا موسى: «رب موسى وهارون». وفي ذلك دلالة على أن هارون كان ظاهرًا مع موسى في المواجهة، حتى إن السحرة ذكروا اسميهما معًا في إعلان إيمانهم. ولم يذكر القرآن لهارون موقفًا مفردًا في هذه الواقعة، فنقف عند ما ذكره.
الاستخلاف أثناء ميقات الطور
ثم حدث ما يظهر فيه معدن هارون عليه السلام. فلما نجّى الله بني إسرائيل من فرعون، وأمر موسى بالذهاب لميقات ربه، قال القرآن: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فاستخلفه على بني إسرائيل ووصاه بالإصلاح وعدم اتباع سبيل المفسدين. وهذه الوصية تدل على علو منزلته وثقة موسى به. ومعلوم أن الله أنزل التوراة على موسى في هذا الميقات.
وقد وصف الله ما وقع في غيبة موسى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾. وفي سورة طه أن السامري هو الذي أخرج لهم العجل: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾. والخوار صوت البقر. وقد ذكر القرآن أن السامري قبض قبضة من أثر الرسول فنبذها، وسوّلت له نفسه ذلك. وقال المفسرون ومنهم ابن كثير إن الرسول هنا هو جبريل عليه السلام في أحد الأقوال المروية عن ابن عباس وغيره، وإن التفاصيل في كيفية الصياغة وكيف صار له خوار تختلف الروايات فيها، ولا يثبت منها خبر مرفوع، فنقف على ما في الآية.
هارون ينهى قومه ويُبيّن
والمهم في موضوعنا هو موقف هارون من هذه الفتنة. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. فهارون لم يسكت، بل حذّرهم منذ البداية: بيّن أن العجل فتنة وليس إلهًا، وبيّن أن ربهم هو الرحمن، وأمرهم باتباعه وطاعته. فأجابوه إجابة المصرّين على الباطل: ﴿قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾.
وهذا مهم: فقد أنكر هارون الشرك بالقول، ولم يستجب له قومه. وفي سورة الأعراف يذكر هارون العذر الذي قاله لموسى حين رجع: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي أنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه حين نهاهم، فلم يستطع أن يغيّر بالقوة.
موسى يعود غضبان أسفًا
ورجع موسى إلى قومه، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. وقد ثبت في السنة حديث يفسر شدة غضبه: روى أحمد وابن حبان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «ليس الخبر كالمعاينة، إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يُلقِ الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت». وقد صححه جماعة من أهل العلم. ففي الحديث أن موسى كان قد علم بالخبر من الله أثناء الميقات فاحتمله، فلما رأى المنكر بعينه اشتد غضبه حتى ألقى الألواح.
وفي سورة طه تفصيل المحاورة بين الأخوين: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. أي ما الذي منعك أن تتبعني أو تلحق بي أو تنكر بقوة؟ فأجاب هارون: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
وقد بين المفسرون أن مخاطبة هارون له بقوله «ابن أم» استعطاف وتلطف، وإن كانا شقيقين، فخصّ الأم لأنها أدعى للرحمة، وهذا ما ذكره ابن كثير وغيره. وبيّن هارون وجه اجتهاده: خشي أن يؤدي الإنكار بالقوة إلى اقتتال بين بني إسرائيل وتفرق جمعهم قبل رجوع موسى، فآثر الانتظار وحفظ وحدة القوم إلى أن يعود. وهذا الاجتهاد تفسير لقوله: «ولم ترقب قولي»، أي لم تنتظر أمري بحفظ الجماعة.
وفي سورة الأعراف قال موسى حين اتضح له عذر أخيه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. فانتهى الموقف بدعاء موسى لنفسه ولأخيه بالمغفرة والرحمة. ولم يذكر القرآن أن هارون عصى أو أذنب، بل ذكر أنه ناصح ومنكر، لكنه كان معذورًا بالخوف على وحدة القوم وبالاستضعاف. ثم توجّه موسى إلى السامري يحاسبه، وكان العجل هو الجريمة، لا هارون.
وهكذا انتهى الموقف بين الأخوين على الوفاق والدعاء المشترك. ولا يصح أن يُنسب إلى هارون أنه شارك في عبادة العجل، فقد برّأه القرآن حين نقل قوله لهم: ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾، وقبل موسى عذره ودعا له.
أخت هارون
ومما يرتبط باسم هارون ما ورد في قصة مريم عليها السلام: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. وقد أشكل ذلك على بعض الناس: كيف تكون مريم أخت هارون أخي موسى، وبينهما قرون؟ وجاء الجواب في صحيح مسلم، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا لي: إنكم تقرؤون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وقد علمتم ما بين موسى وعيسى من الزمن. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم». فبيّن النبي ﷺ أن التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين كانت معروفة، وذكر العلماء أن المراد رجل صالح اسمه هارون من قوم مريم، أو أنها شُبّهت به في الصلاح، وليس المراد هارون أخا موسى.
هارون في ليلة الإسراء
وثبت في الصحيحين، من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قصة المعراج، أنه ﷺ لقي هارون عليه السلام في السماء الخامسة بعد أن فُتح له بعد استئذان جبريل عليه السلام. وفي رواية البخاري أن جبريل قال له: هذا هارون فسلّم عليه، فسلّم عليه فردّ، ثم قال: «مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح». فكان الترحيب من هارون بنبينا ﷺ ترحيب الأخ الصالح بأخيه، وهي شهادة أخوّة بين الأنبياء.
بمنزلة هارون من موسى
ومن أشهر ما ورد في السنة عن هارون ما ثبت في الصحيحين، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا رضي الله عنه على المدينة، فقال علي: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ فقال له النبي ﷺ: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبيٌّ بعدي». وقد شرح العلماء هذا الحديث، فبيّنوا أن التشبيه في الاستخلاف على الأهل والقوم في مدة الغيبة، كما استخلف موسى هارون حين ذهب إلى ميقات ربه، وأن قوله «إلا أنه لا نبي بعدي» يخرج النبوة من هذه المنزلة، فالتشبيه ليس في النبوة، وفيه إثبات لمكانة علي رضي الله عنه عند النبي ﷺ دون أن يجعله نبيًّا. وهذا ما ذكره النووي وابن حجر وغيرهما في شرحهما.
آل هارون وبقية ما ترك
وفي سورة البقرة ذكر الله آل هارون مع آل موسى في قصة التابوت: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. فكان لآل هارون ذكر خالد في ميراثٍ كان بنو إسرائيل يعظّمونه. ولم يحدد القرآن ماهية هذه البقية، وللسلف أقوال في ذلك لا تثبت بدليل مرفوع، فنقف عند الآية.
وقد أثنى الله على موسى وهارون معًا في سورة الصافات بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهذا ثناء كامل: منّة بالنجاة، ونصر، وكتاب مستبين، وهداية إلى الصراط المستقيم، وسلام، وشهادة بالإيمان والإحسان.
وفاته: لا خبر ثابت
ولم يذكر القرآن وفاة هارون عليه السلام، ولا مكانها، ولا وقتها، ولم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ. وما يُروى في كتب التفسير والتاريخ عن موته على جبل وعن ظنون بني إسرائيل في أمره يعود إلى أخبار أهل الكتاب أو إلى روايات لا تثبت بإسناد صحيح، فلا نذكره، ونكتفي بأن الله أثنى عليه، وأن النبي ﷺ لقيه في السماء الخامسة.
العبر من قصة هارون عليه السلام
أولًا: من نعمة الله على الداعية أن يهيئ له أخًا ناصحًا ومعينًا، وأن من الأدب الاستعانة بالأقدر في الميدان. وقد سأل موسى ربه الوزير، فأعطاه هارون.
ثانيًا: القول اللين مأمور به حتى مع أطغى الطغاة، وقد أُمر به موسى وهارون في دعوة فرعون.
ثالثًا: إنكار المنكر واجب بالقدر المستطاع، وقد أنكر هارون الشرك بالقول، ولما خشي من الفرقة ومن القتل التزم الحكمة ومنع الفتنة. وأقرّ موسى عذره ودعا له بالمغفرة.
رابعًا: وحدة الصف قيمة عظمى، وقد قال هارون: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، لكن الوحدة لا تعني السكوت عن الشرك، فقد بيّن لهم هارون أن العجل فتنة وأن ربهم الرحمن.
خامسًا: الأنبياء بشر يختلف اجتهادهم في وسائل الإصلاح، ويجمعهم الإخلاص والتسليم لله، وقد انتهى الأمر بينهما بالمحبة والدعاء المشترك.
سادسًا: الأنبياء إخوة، ويُذكرون بالخير ويُتأسّى بهم، فقد رحّب هارون بنبينا ﷺ ترحيب الأخ الصالح، واستخلف النبي ﷺ عليًّا على المدينة فشبّه ذلك باستخلاف موسى لهارون.
وصلى الله وسلم على هارون وموسى وجميع الأنبياء والمرسلين.
