— بيت اصطفاه الله — تبدأ هذه القصة في القرآن من بيت بعينه اختاره الله وفضّله، فقال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم﴾. وآل عمران في قول جمهور المفسرين هم أهل بيت عمران والد مريم عليها السلام، وهو غير عمران والد موسى وهارون عليهما السلام. وفي هذا البيت الصالح وُلدت مريم، وفي كنفه ثم في كنف نبي من أنبياء الله نشأت، وعلى هذه الأرض الطيبة وُلد نبيان كريمان هما يحيى وعيسى عليهما السلام.
وقبل أن نمضي ننبّه على أمر يهمّ كل قارئ: مريم بنت عمران عليها السلام امرأة صدّيقة مصطفاة، وهي من أفضل نساء العالمين، لكنها ليست نبية. وسيأتي بيان ذلك في موضعه من القصة بأدلته.
— نذر امرأة عمران — قال الله تعالى: ﴿إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾. ومعنى «محررًا» أي خالصًا لخدمة بيت الله والتفرغ لعبادته، لا يشغله عنها شيء من أمور الدنيا. وذكر المفسرون أن هذا النذر كان معروفًا عندهم، وأنها كانت ترجو أن يكون المولود ذكرًا يقوم بهذه الخدمة. فلما وضعتها جاء ما لم تتوقعه، قال تعالى: ﴿فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
وفي قولها ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ إشارة إلى أن الله يعلم ما في هذه المولودة من الخير ما لا تعلمه أمها. وقد تبيّن لاحقًا أن هذه الأنثى كانت خيرًا من كثير من الذكور، وأن الله جعلها وابنها آية للعالمين. وقد سمّتها أمها مريم، وهذا الاسم ورد في القرآن نفسه على لسان أمها.
وأما دعاؤها بأن يعيذ الله ابنتها وذريتها من الشيطان الرجيم، فقد استجابه الله، وثبت في ذلك حديث في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ما من مولود يولد إلا مسّه الشيطان حين يولد فيستهلّ صارخًا من مسّ الشيطان إياه، إلا مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾. ورواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة. فكان هذا من إجابة دعوة امرأة عمران في ابنتها وفي ولدها الذي سيأتي.
— تقبّل حسن ونبات حسن — ثم قال تعالى: ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وكفّلها زكريا﴾. فهذا ثلاث نعم في آية واحدة: قَبِلها الله لخدمة بيته مع أنها أنثى، وأنشأها نشأة صالحة في جسدها وخلقها وعبادتها، وهيّأ لها من يكفلها ويرعاها. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره إن معنى ﴿أنبتها نباتًا حسنًا﴾ أي جعل نشأتها حسنة، وإنه سبحانه هيّأ لها أسباب القبول، وقيّض لها زكريا عليه السلام كافلًا.
وقد تنافس أهل ذلك الزمان في كفالتها لمكانة أبيها فيهم، فأشار القرآن إلى ذلك بقوله لنبيه ﷺ: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾. وفي الآية أنهم اقترعوا بإلقاء الأقلام لتحديد من يكفلها، وأن النبي ﷺ لم يكن حاضرًا، وإنما عرف ذلك بوحي الله إليه، ولذلك قال سبحانه قبلها: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾. وأما كيفية القرعة بالتفصيل، وما قيل في الأقلام وأين أُلقيت، فمما رُوي عن بعض السلف وليس في القرآن ولا في السنة الصحيحة ما يعيّنه، فنقف عند ما دلت عليه الآية: اقترعوا، وخرجت القرعة لزكريا عليه السلام.
وقد جاء في الحديث الصحيح من حديث الإسراء عند البخاري ومسلم أن النبي ﷺ لقي في السماء الثانية يحيى وعيسى عليهما السلام، وأنه قال: «وهما ابنا الخالة». وبناء على هذا ذكر العلماء ومنهم ابن كثير أن زكريا عليه السلام كان زوجًا لخالة مريم، فكانت كفالته لها كفالة قريب لقريبته، ولعلّ هذا من أسباب أنه كفلها وأحسن رعايتها.
— مريم في المحراب والرزق الذي يأتيها — وصفت الآية حالها عند زكريا فقال تعالى: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. والمحراب هو المكان الشريف من المسجد الذي تُخصَّص فيه العبادة، وقد كانت مريم متفرغة فيه للعبادة والطاعة. فكان زكريا إذا دخل عليها وجد عندها رزقًا لم يأتها به هو، فيسألها عن مصدره، فتجيبه جواب العارفة بربها: هو من عند الله. ونقل ابن كثير والطبري عن جماعة من السلف أن هذا الرزق كان فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، ولم يحدد القرآن نوعه ولا ثبت في ذلك خبر مرفوع إلى النبي ﷺ، فنكتفي بما في الآية: رزق يأتيها من الله بغير سبب ظاهر، وإجابتها تدل على قوة يقينها وصدق تعلقها بربها.
— مريم صدّيقة وليست نبية — وهنا نقف لنبيّن مكانة مريم ومرتبتها. فقد ذكر القرآن أن الملائكة خاطبتها فقالت: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾. فاصطفاها الله وطهّرها واختارها على نساء العالمين في زمانها، كما قال المفسرون، وأمرها بالقنوت والسجود والركوع شكرًا لهذه النعمة. وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران». وروى البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد». وشهد لها القرآن في سورة التحريم فقال: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾.
ومع هذه المنزلة فإن الذي عليه جمهور أهل السنة، وهو الذي رجّحه ابن كثير رحمه الله، أن مريم صدّيقة وليست نبية. والدليل على ذلك قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾، فقد وصفها الله بالصدّيقية ولم يصفها بالنبوة، وهو في سياق ذكر مرتبتها. وقال سبحانه: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم﴾، فجعل الرسالة والوحي النبوي في الرجال. وأما كلام الملائكة لها وبشارتها فلا يلزم منه النبوة، فقد قال تعالى في أم موسى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾، وأم موسى ليست نبية بإجماع من يُعتدّ به. وقد ذكر ابن كثير أن في المسألة خلافًا قليلًا عند بعض أهل العلم، كابن حزم رحمه الله الذي قال بنبوة بعض النساء، إلا أن الراجح عند الجمهور ما ذكرناه. فمريم عليها السلام أفضل نساء زمانها وإحدى أكمل نساء الأرض، لكنها صدّيقة لا نبية.
— دعاء زكريا — وفي ذلك المحراب، وعند رؤية ما يأتي مريم من فضل الله، تحرّك قلب زكريا عليه السلام، وقد بلغ من الكبر مبلغًا. قال تعالى: ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء﴾. وقال ابن كثير ما معناه: لما رأى زكريا أن الله يرزق مريم بغير حساب وأن من قدر على ذلك قادر على أن يرزقه الولد على الكبر، طلب من ربه ذرية. فكان مشهد مريم وما تُرزقه سببًا في أن يتجه قلبه إلى ربه بهذا الطلب. وكلمة ﴿هنالك﴾ أي في ذلك الموضع وعند ذلك الحال.
وفي سورة مريم تفصيل لهذا الدعاء وبيان لحال الداعي: ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيًا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا ولم أكن بدعائك رب شقيًا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرًا فهب لي من لدنك وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيًا﴾. فناداه نداءً خفيًا، أي سرًّا بينه وبين ربه، وقد نقل ابن كثير عن قتادة أن الله يعلم القلب التقي ويسمع الصوت الخفي. وذكر ضعف عظمه وشيب رأسه وعقم امرأته، توسلًا إلى الله بحاجته وضعفه، ثم بيّن أنه ما كان بدعاء الله شقيًا، أي أن الله عوّده الإجابة فلم يخب له دعاء.
أما قوله ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ فليس المراد ميراث المال، بل ميراث العلم والنبوة. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نورَّث، ما تركناه صدقة». وقال ابن كثير في هذه الآية إن المراد وراثة النبوة، لأن الأنبياء لا يورّثون المال، ولأن زكريا عليه السلام كان نجارًا يأكل من عمل يده، وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كان زكريا نجارًا». فلم يكن صاحب مال عظيم يخاف عليه من الموالي، وإنما خاف على الدين والعلم أن يضيعا بعده. وكلمة ﴿الموالي﴾ هنا بمعنى العصبة وبني العم الذين يخلفونه، وقد خشي ألّا يقوموا بحق الدين بعده.
وفي سورة الأنبياء جاء الدعاء بصيغة أخرى مختصرة: ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين﴾، ثم جاءت الاستجابة: ﴿فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾. وفي قوله ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ قال المفسرون إن الله عالج عقمها فصارت تلد بعد أن كانت عاقرًا، وهذا هو الإصلاح المذكور، وقد نقله ابن كثير عن جماعة من السلف. وفي الآية وصف لحال زكريا وأهل بيته: يسارعون في الخيرات، ويدعون الله رغبة ورهبة، ويخشعون له.
— البشارة من الملائكة — ثم جاء الجواب سريعًا. قال تعالى في آل عمران: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين﴾. فكانت البشارة وهو قائم يصلي في المحراب، وهذا من أجمل ما يُستفاد منه: أن الإجابة قد تأتي والعبد في عبادته. وقد وصف الله يحيى بأربع صفات في هذه البشارة: مصدّق بكلمة من الله، وسيّد، وحصور، ونبي من الصالحين.
أما ﴿مصدقًا بكلمة من الله﴾ فقال ابن كثير نقلًا عن جماعة من السلف كابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم إن المراد أنه مصدّق بعيسى ابن مريم عليه السلام، وإن عيسى هو «كلمة الله» لأنه خُلق بكلمة «كن». وهذا يعني أن يحيى عليه السلام صدّق بعيسى وآمن به. وأما ﴿سيدًا﴾ فمعناه كما ذكر المفسرون الذي يسود قومه في العلم والعبادة والورع. وأما ﴿حصورًا﴾ فذكر ابن كثير أن معناه الذي لا يأتي النساء، مع عصمة من الله له وزهدًا منه وعفة، وقد نقله عن ابن عباس وغيره، وذكر أن الحصور في كلام العرب هو الذي يحبس نفسه.
وفي سورة مريم زيادة تفصيل للبشارة: ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميًا﴾. فاسمه يحيى من الله تعالى، وهو اسم لم يُسمَّ به أحد قبله، قال المفسرون: لم يكن لأحد قبله هذا الاسم. وقد أخبر الله زكريا بنفسه باسم الولد قبل أن يولد.
— تعجّب زكريا وآيته — فلما جاءته البشرى سأل ربه عن كيفية حصول ذلك مع كبر سنه وعقم امرأته، لا شكًّا في قدرة الله، بل استعظامًا لنعمته وتثبّتًا من الكيفية: ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرًا وقد بلغت من الكبر عتيًا﴾. أي بلغتُ من الكبر نهايته. فجاءه الجواب مذكّرًا بقدرة الله: ﴿قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا﴾. فمن خلقه من العدم لا يعجزه أن يهبه الولد في الكبر. وهذا الجواب هو منهج القرآن في كل أمر عجيب يقع بإذن الله.
ثم طلب زكريا علامة يعرف بها وقت الحمل أو تحقق الوعد: ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويًا﴾. وقد جاء في آل عمران: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشي والإبكار﴾. فالآية أن يمتنع عليه الكلام مع الناس ثلاثة أيام بلياليها، مع صحة بدنه، فلا يقدر على مخاطبتهم، لكن يبقى قادرًا على ذكر الله وتسبيحه. وقوله ﴿سويًا﴾ يعني صحيحًا سليمًا من غير علة ولا خرس، كما فسّره المفسرون، أي أن امتناع الكلام كان آية لا مرضًا.
فخرج على قومه من المحراب، وحُبس لسانه عن مخاطبتهم، فكيف يخبرهم؟ قال تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾. أي أشار إليهم إشارة أن يسبحوا الله أول النهار وآخره. فكان أول ما أعلنه بإشارته أمرًا بالتسبيح شكرًا لله على ما وهبه، وهذا من الأدب مع النعمة.
— ميلاد يحيى ونشأته — لم يفصّل القرآن لحظة الولادة، لكنه ذكر ما هو أنفع: ما آتاه الله ليحيى منذ صغره. قال تعالى: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيًا وحنانًا من لدنا وزكاة وكان تقيًا وبرًا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًا﴾. فخاطبه الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي يعمل بالتوراة بجد وعزيمة، ومنحه الحكم وهو صبي، والحكم هو الفهم والعلم والنبوة كما ذكر المفسرون، قال ابن كثير: أعطاه الله الفهم والعلم والجدّ والعزم على الخير والإقبال عليه والإكباب عليه وهو صغير.
ثم عدّد القرآن صفاته: ﴿حنانًا من لدنا﴾ أي رحمة وشفقة ورقة من عندنا جعلها في قلبه على الناس، ﴿وزكاة﴾ أي طهارة من الذنوب والآثام، ﴿وكان تقيًا﴾ مطيعًا لربه، ﴿وبرًا بوالديه﴾ فهو بار بأبويه محسن إليهما، ﴿ولم يكن جبارًا عصيًا﴾ أي ليس متكبرًا ولا عاصيًا. وفي ذكر برّه بوالديه بعد التقوى إشارة إلى مكانة هذه الخصلة. ثم ختم الله ذكره بتحية كريمة لا تُعرف لكثير من الخلق: ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًا﴾. أي أمان له وسلامة في أخطر المواقف الثلاثة: حين يُولد، وحين يموت، وحين يُبعث. وقد نقل ابن كثير عن سفيان بن عيينة قوله إن هذه المواطن الثلاثة أوحش ما يكون عليه الخلق، فخصّ الله يحيى بالسلام فيها.
— يحيى يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات — وفي السنة الصحيحة خبر عن عمله ودعوته. روى الترمذي وأحمد من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها». وكان يحيى كأنه أبطأ في تبليغها، فقال له عيسى عليه السلام: إنك قد أُمرت بخمس كلمات تعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن. فقال يحيى: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني بها أن يُخسف بي أو أعذَّب. فجمع الناس في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات، فقال لهم ما معناه: إن الله أمرني بخمس كلمات.
أمرهم أولًا أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وضرب لذلك مثلًا برجل اشترى عبدًا بماله ثم صار العبد يعمل ويؤدي ما يكسبه إلى غير سيده، فمن يرضى أن يكون عبده كذلك؟ فالله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئًا. وأمرهم ثانيًا بالصلاة، وأخبرهم أن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمرهم ثالثًا بالصيام، وضرب له مثلًا برجل في عصابة معه صرّة فيها مسك، فكلهم يعجبه ريحها، وأن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمرهم رابعًا بالصدقة، ومثّلها برجل أسره العدو وأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكّ نفسه. وأمرهم خامسًا بذكر الله كثيرًا، ومثّله برجل طلبه العدو سراعًا في أثره فأتى حصنًا حصينًا فتحصّن فيه، وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله. هذا ملخص الحديث بمعناه، وقد رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، وصححه جماعة من أهل العلم. وفي تمام الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله».
— ما لم يثبت من خبر زكريا ويحيى — والقرآن لم يذكر كيف كانت نهاية زكريا ويحيى عليهما السلام، واكتفى بالسلام على يحيى يوم يموت. وما يُروى في كتب التاريخ والتفسير عن مقتلهما، وعن سبب القتل وصفته وأسماء من شاركوا فيه، مرجعه في الغالب إلى أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت منه شيء عن النبي ﷺ بإسناد صحيح، فلا نعتمده ولا نذكر تفاصيله. وكذلك ما يُحكى عن صفة موت زكريا لا يصح. وقد قال الله عن بني إسرائيل: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق﴾، فالوقوع من جنسهم معلوم من القرآن إجمالًا، أما التفصيل فيُترك لعدم ثبوته.
— من هذه القصة نتعلم — تجمع هذه القصة صورًا متكاملة: امرأة صالحة تنذر ما في بطنها لله، فيتقبل الله منها بقبول حسن؛ وفتاة تنشأ في العبادة فيرزقها ربها من حيث لا تحتسب؛ ونبي كبير السن يرى فضل الله على غيره، فيتوجه إلى الله بقلب خاشع ودعاء خفي، فيجيبه الله على كبر سنه وعقم امرأته؛ وولد يُعطى الحكمة صبيًا ويُوصف بالبر والتقوى. وفي اجتماع الرزق والولد في سياق واحد درس بليغ: إن القادر على رزق مريم بغير حساب قادر على أن يهب زكريا الولد بعد الكبر، وإن من خلق الخلق من العدم لا يعجزه شيء. وهذا يمهد للحدث الأعظم الذي تتولى القصة التالية بيانه، وهو ميلاد عيسى ابن مريم عليه السلام من أم بلا أب.
