— مريم تنتبذ مكانًا شرقيًا — بعد أن نشأت مريم عليها السلام في المحراب متفرغة لعبادة ربها، جاءها أمر عظيم لم يخطر لها على بال. وقد قصّه الله في سورة مريم فقال: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا﴾. ومعنى ﴿انتبذت﴾ اعتزلت وانفردت، و﴿مكانًا شرقيًا﴾ أي جهة الشرق، وأنها جعلت بينها وبينهم حجابًا أي سترًا. والقرآن لا يذكر سبب خروجها، ونحن لا نختلق له سببًا. أما الروح الذي أُرسل إليها فهو جبريل عليه السلام عند جمهور المفسرين، وقد تمثل لها في صورة رجل تام الخلق ﴿بشرًا سويًا﴾.
— الخوف والاستعاذة — فلما رأت رجلًا يدخل عليها في خلوتها فزعت وتعوذت بالرحمن، قال تعالى: ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا﴾. أي إن كنت تخاف الله فاتعظ بتعوذي بالله وانصرف. وفي هذا الموقف تظهر عفتها وحياؤها وسرعة لجوئها إلى الله. فجاءها الجواب مطمئنًا لها: ﴿قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيًا﴾. أي أنه ملك مرسل من ربها، وأن مهمته أن يكون سببًا في هبة هذا الغلام الطاهر الزاكي.
ولم يسكت فؤاد مريم، فسألت عن الكيفية سؤال المتعجبة: ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًا﴾. فهي لم تتزوج، ولم تكن امرأة سوء، فكيف يكون لها ولد؟ فجاء الجواب: ﴿قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرًا مقضيًا﴾. أي أن هذا مقضي في علم الله، وأن الله سيجعل هذا الغلام علامة عظيمة للناس على قدرته، ورحمة منه لهم.
وفي سورة آل عمران صيغة أخرى للبشارة، ذُكر فيها اسمه ومكانته قبل أن يولد: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلًا ومن الصالحين﴾. فأخبرتها الملائكة بالاسم، واللقب، ونسبته إليها وهو ابن مريم، وأنه وجيه ذو مكانة في الدنيا والآخرة، وأنه يكلم الناس صغيرًا في المهد وكبيرًا، وهو من الصالحين. وتعجبت مرة أخرى: ﴿قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾. فهو الخلق بكلمة «كن» دون حاجة إلى سبب.
وقد بيّن القرآن منزلة هذا الخلق بما يزيل الاستبعاد: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾. فإذا كان آدم خُلق بلا أب ولا أم، فخلق عيسى من أم بلا أب أهون في العقول، والكل بقدرة الله. وسمّي «كلمة الله» لأنه خُلق بالكلمة، وسمّي «روحًا منه» كما في قوله: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾، أي روح مخلوقة من الله، وإضافتها إليه إضافة تشريف، لا كما زعم من زعم أنه جزء من الله. ونقل ابن كثير عن بعض السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فحملت بإذن الله، وهو ما أشار إليه قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾.
— الحمل واللجوء إلى مكان بعيد — قال تعالى: ﴿فحملته فانتبذت به مكانًا قصيًا﴾. فاعتزلت به إلى مكان بعيد عن الناس. ولم يحدد القرآن اسم المكان ولا مدة الحمل، وقد اختلف الناس في ذلك بما لا دليل عليه من صحيح السنة، فنكتفي بما ذكر القرآن. ثم كان الأمر الشديد: ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا﴾. أي ألجأها وجع الولادة إلى جذع نخلة، فتمنت الموت قبل أن ترى هذا الموقف، وتمنت أن تكون شيئًا مطّرحًا لا يُذكر. وذكر المفسرون أنها قالت ذلك حياءً وخوفًا من كلام الناس فيها، وعلمًا بأن ما سيقال لها شديد على نفس مثلها.
— النداء من تحتها — ولم يتركها الله في خوفها، قال تعالى: ﴿فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا فكلي واشربي وقري عينًا﴾. اختلف المفسرون في المنادي، فقال بعضهم هو جبريل عليه السلام، وقال آخرون هو عيسى عليه السلام، وقد ذكر الطبري وابن كثير القولين. وأما ﴿سريًا﴾ فالأكثر على أنه نهر صغير جعله الله تحتها، ورُوي ذلك عن ابن عباس وغيره. فهيّأ الله لها الشراب من النهر والطعام من الرطب، وأمرها أن تهز جذع النخلة تساقط عليها رطبًا جنيًّا أي طريًّا صالحًا للأكل. وفي هذا درس: إن الله أمرها بالأخذ بالسبب وهي في تلك الحال الشديدة من الوضع، فهزّت الجذع ليسقط الرطب، مع أن الله قادر على أن يأتيها به بلا هزّ. وقد نبّه كثير من أهل العلم إلى فائدة تعليق الرزق بالسعي ولو كان يسيرًا.
ثم علّمها الله كيف تواجه الناس: ﴿فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾. والصوم هنا في اللغة الإمساك عن الكلام، وكان مشروعًا عندهم، ولم يبقَ مشروعًا في شريعتنا؛ فقد روى البخاري في قصة أبي إسرائيل الذي نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، أن النبي ﷺ قال: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه». فكُلِّفت مريم ألا تدخل في جدال مع القوم، وأن تكتفي بالإشارة إلى المولود ليتولى هو الجواب، فيكون الدليل أقوى وأبلغ.
— أمام القوم — قال تعالى: ﴿فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريًا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيًا﴾. فجاءت تحمل ولدها فاستنكر القوم الأمر، واتهموها وهم يعيّرونها بصلاح أهلها: أبوك رجل صالح وأمك امرأة عفيفة، فكيف جئت بهذا؟ أما قولهم ﴿يا أخت هارون﴾ فقد أشكل على بعض الناس، فسأل نصارى نجران المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: إنكم تقرؤون ﴿يا أخت هارون﴾ وقد كان بين موسى وعيسى ما كان؟ فلم يعرف الجواب، فرجع إلى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: «إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم». رواه مسلم. ففي هذا بيان أن هارون هنا اسم رجل صالح من قومها سمّيت أخته على التشبيه، لا هارون أخو موسى عليهما السلام.
— أول كلام عيسى عليه السلام — وهنا وقع الموقف الذي تتحدث به الأجيال. قال تعالى: ﴿فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا﴾. أشارت إليه فاستغربوا: كيف نكلم طفلًا في المهد؟ فنطق عيسى عليه السلام، وأول ما قال: ﴿إني عبد الله﴾. وهذا أول ما أعلنه، وفيه رد على كل من يغلو فيه. ثم أخبر أن الله آتاه الكتاب وجعله نبيًا مباركًا أينما كان، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيًا، وبالبرّ بوالدته. وقد ذكر ابن كثير أن أول ما نطق به أن اعترف لله بالعبودية، فنزّه ربه عن الولد والشريك. وفي نطقه تبرئة لأمه، إذ شهد وهو في المهد أن الله آتاه الكتاب وجعله نبيًا. ثم ختم بالسلام عليه في المواطن الثلاثة، كما سلّم الله على يحيى.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وصبي كان يرضع من أمه...» الحديث. فذكر عيسى في هؤلاء الثلاثة، وهو موافق للقرآن. ومن لطائف القرآن أن الله ذكر هذه المعجزة على لسان عيسى نفسه في موضع آخر حين يعدّ عليه نعمه يوم القيامة: ﴿تكلم الناس في المهد وكهلًا﴾.
— رسول إلى بني إسرائيل — ثم كبر عيسى عليه السلام، وبعثه الله رسولًا إلى بني إسرائيل خاصة، قال تعالى: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولًا إلى بني إسرائيل﴾. وآتاه الإنجيل كما قال: ﴿وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين﴾. فهو جاء مصدقًا للتوراة لا ناسخًا لأصولها، ومحلّلًا لبعض ما حرّم عليهم، كما قال على لسانه: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾. وكان مما دعا إليه التوحيد الخالص، وبيّن لهم: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم﴾. وقد أخبر النبي ﷺ عن وحدة دعوة الأنبياء بقوله: «الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ: «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّات، وليس بيني وبينه نبي».
— آيات عيسى عليه السلام — أيّد الله عيسى بآيات عظيمة، وقد فصّلها في موضعين من القرآن. ففي آل عمران على لسانه: ﴿أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾. وفي المائدة يذكّره ربه بنعمته: ﴿إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلًا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين﴾.
وتشتمل هذه الآيات على: أولًا خلق الطير من الطين ثم النفخ فيه فيكون طيرًا حيًّا. وثانيًا إبراء الأكمه، وهو الذي وُلد أعمى كما فسّره جماعة من السلف، وإبراء الأبرص. وثالثًا إحياء الموتى. ورابعًا الإخبار بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم من الغيب. وكل ذلك مقيّد بقيد لا يُترك: ﴿بإذن الله﴾ و﴿بإذني﴾، تكرر مرات، لينفي عن عيسى أي صفة ألوهية، وليثبت أن هذه الآيات هبات من الله لا قدرة ذاتية. وقد ذكر الله عن بني إسرائيل أنهم قالوا لهذه البينات ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾، وهذا شأن المكذبين في كل زمان. ولا يذكر القرآن ولا صحيح السنة أسماء من أحياهم عيسى ولا تفاصيل أماكن ذلك، وما يُحكى في ذلك من القصص لا نعتمده.
وقد ذكر جماعة من المفسرين، ومنهم ابن كثير، حكمة هذه الآيات، وحاصل كلامهم: أن كل نبي يؤتى من الآيات ما يناسب أهل زمانه؛ فلما كان الغالب على قوم موسى السحر جاءهم بما بهر السحرة، ولما كان الغالب على قوم عيسى الطب والعلاج جاءهم بما يعجز الأطباء من إبراء من لا يبرأ بالدواء كالأكمه والأبرص وإحياء الميت، ولما كان الغالب على العرب الفصاحة جاءهم محمد ﷺ بالقرآن. وهذا المعنى مذكور في كتب التفسير.
— الحواريون — فلما دعاهم عيسى وكذّبه أكثر قومه آمن به نفر قليل. قال تعالى: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾. ومعنى ﴿أحس منهم الكفر﴾ أي علمه وتحققه، فسأل: من يكون معي في نصرة دين الله؟ فأجاب الحواريون. والحواريون هم الأنصار والأصفياء الخلّص من أتباع عيسى، وقد رُوي في اشتقاق الكلمة أنها من الحَوَر وهو البياض، وأقوال أخرى. والمهم أنهم صفوة أصحابه، وقد وصفوا أنفسهم بالإسلام: ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾، فدين الأنبياء كلهم الإسلام، أي الاستسلام لله وتوحيده.
وقد نص القرآن على فضلهم وجعلهم قدوة للمؤمنين، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾. وجاء في الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: «إن لكل نبي حواريًا، وإن حواريّ الزبير». رواه البخاري ومسلم. فالحواري هو الناصر الخاص الصادق. وأما عدد الحواريين وأسماؤهم وقصصهم فلم يثبت فيها شيء في القرآن أو الصحيح من السنة، وما يُذكر من أرقام وأسماء مأخوذ عن غير هذين المصدرين، فلا نجزم به.
وقد ذكر القرآن أيضًا وحيه إليهم: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾. فأوحى الله إليهم، أي ألقى في قلوبهم الإيمان، أو أمرهم عن طريق نبيهم، على اختلاف قولي المفسرين، فآمنوا بالله ورسوله.
— المائدة — ومن مواقف الحواريين التي ذكرها القرآن طلبهم مائدة من السماء. قال تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾. فخشي عيسى عليه السلام أن يكون في طلبهم تجرّؤ على الله، فنصحهم بتقواه، فبيّنوا مقصدهم: ﴿قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين﴾. فلما أخلصوا القصد دعا عيسى ربه: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾. فاستجاب الله وحذّر: ﴿قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾.
وقد ذهب جمهور المفسرين، ومنهم الطبري وابن كثير، إلى أن المائدة نزلت، لقوله تعالى ﴿إني منزلها عليكم﴾. واختلفوا في صفتها وما فيها من الطعام، وروي في ذلك آثار عن بعض السلف، أما ما روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ في الترمذي أنها نزلت بخبز ولحم، فقد ضعّفه أهل العلم ورجّحوا وقفه على بعض الصحابة، فلا نعتمد تفصيله. ويكفينا من القصة ما فيها من تحذير: أن الآية إذا جاءت فالجحود بعدها أشد عقابًا.
— الحق في أمر عيسى عليه السلام — ولأن الناس اختلفوا في عيسى، فقوم رفعوه فوق منزلته، وآخرون رموا أمه بالفاحشة، فقد جاء القرآن بالحكم العدل. قال تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾. فبشريّته وبشريّة أمه ظاهرة، وهما يأكلان الطعام. وقال سبحانه: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون﴾، وقال: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾. وقد حكى القرآن موقفًا يوم القيامة يسأل الله فيه عيسى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾. وهذا إعلان براءته من كل ادعاء.
وبشّر عيسى عليه السلام بنبي يأتي بعده، فقال القرآن على لسانه: ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾. فهو آخر أنبياء بني إسرائيل، والنبي المبشَّر به هو محمد ﷺ.
— تواضع عيسى وصدقه — ومن الأخبار الصحيحة عن خلقه ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلّا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنتُ بالله وكذّبتُ عيني». ففيه حسن الظن بمن حلف بالله، وتعظيم الله في قلبه حتى لا يتهم من أقسم به، فيقدّم قسمه على ما رآه ببصره في ظاهر الأمر. وليس في الحديث تفاصيل أخرى عن الرجل أو المسروق، فنقف عند لفظه.
— ختام الحديث عن ميلاده ودعوته — هذه حياة عيسى عليه السلام كما رواها المصدر الأوثق: ولادة بلا أب بكلمة «كن» وجذع نخلة ونهر صغير، وكلام في المهد يبرّئ أمه ويثبت عبوديته، ونبوة وكتاب وآيات تدل على صدق الرسول وقدرة المرسِل، وأتباع أخلصوا فنُصروا. وقد بقي ما يتعلق بنهايته وبما أخبر به النبي ﷺ عن عودته، وهو موضوع القصة التي تليها.
