— لماذا هذه القصة قصيرة المصدر — هؤلاء أربعة من أنبياء الله ورسله، ذكرهم القرآن الكريم، لكنه ذكرهم ذكرًا موجزًا، وليس في صحيح السنة عن إلياس واليسع وذي الكفل تفصيل يُعتمد عليه، وجاء عن إدريس عليه السلام خبر واحد صحيح في حديث الإسراء. وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾. فنحن لا نعرف من أخبار الأنبياء إلا ما أخبر الله به ورسوله ﷺ، وما عداه فالأصل فيه التوقف، وهو غالبًا من أخبار أهل الكتاب، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا». ولذلك سنقتصر هنا على ما ثبت، ونبيّن مواضع الاختلاف والضعف بوضوح.
— إلياس عليه السلام — ذكر الله إلياس في موضعين من القرآن. ففي سورة الأنعام، عند ذكر طائفة من الأنبياء من ذرية إبراهيم، قال: ﴿وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين﴾. فشهد الله لإلياس بالصلاح، وجعله مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام. وفي سورة الصافات أفرد له ذكرًا فقال: ﴿وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلًا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين﴾.
فهذه الآيات تثبت أنه رسول من المرسلين، وأن دعوته كانت إلى تقوى الله وترك عبادة «بعل». والبعل في اللغة السيد والرب، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن المراد به هنا صنم كان قومه يعبدونه. ونقل الطبري وابن كثير عن جماعة من السلف أن البعل هو الربّ بلغة أهل اليمن، وعن آخرين أنه اسم صنم لهم، والمعنى واحد: أنهم عبدوا معبودًا غير الله. وكان إلياس عليه السلام ينكر عليهم بسؤال التوبيخ: أتعبدون هذا المعبود وتتركون الله وهو ﴿أحسن الخالقين﴾؟ أي أفضل من يُقال له خالق، وإلا فلا خالق إلا الله. وذكّرهم بأن الله ربهم ورب آبائهم الأولين، فهو الذي أوجدهم وأوجد من قبلهم، فما بالهم يتركونه ويعبدون غيره؟
ثم ذكر القرآن عاقبة قومه ومن آمن معه: ﴿فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين﴾. أي كذّبه قومه، فهم محضرون في العذاب يوم القيامة، إلا من أخلص لله منهم. وقد قال المفسرون ومنهم ابن كثير إن المراد بالإحضار إحضارهم للعذاب. ثم أثنى الله على إلياس بما أبقى له من الذكر الحسن: ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين﴾. أي أبقينا له ثناءً جميلًا في الأجيال اللاحقة. وفي ﴿إل ياسين﴾ قراءات وأوجه في التفسير، فذكر ابن كثير أنها لغة في إلياس، كما يقال سيناء وسينين، وقيل المراد به إلياس وأهل دينه، والمعنى في ذلك كله ثناء من الله على إلياس عليه السلام.
ورُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ ﴿وإن إدريس لمن المرسلين﴾، ففهم بعضهم من هذا أن إلياس هو إدريس. لكن هذه القراءة ليست من القراءات المتواترة، والمثبت في المصحف ﴿إلياس﴾، وقد ذكر القرآن إدريس مستقلًا عن إلياس في سورتي مريم والأنبياء، فلا يصح الجزم بأنهما شخص واحد، والأصل أنهما نبيان.
وأما تفاصيل قصته من حيث نسبه وبلده وملك زمانه وما جرى بينه وبين الملك، وأنه رُفع إلى السماء أو أنه حيّ باق يلتقي بالخضر كل عام في الموسم، فمعظمها من أخبار أهل الكتاب أو من روايات واهية. وقد ذكر بعض المصنفين حديثًا في لقاء الخضر وإلياس في كل عام، وهو مما لا يصح عن النبي ﷺ، وقد حكم عليه أهل العلم بالضعف الشديد أو الوضع، فلا يُعتمد. وقد قال الله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾، وهو يكفي في إبطال دعوى بقاء أحد منهم حيًّا إلى اليوم، عدا عيسى عليه السلام الذي ثبت رفعه ونزوله بنصوص خاصة. والأصل في إلياس أنه رسول مؤمن دعا قومه إلى التوحيد ونهاهم عن الشرك، وكذّبه أكثرهم، وجعل الله له ذكرًا حسنًا.
— اليسع عليه السلام — وأما اليسع عليه السلام فقد ذكره الله في موضعين. الأول في سورة الأنعام ضمن قائمة الأنبياء الكرام: ﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًّا فضلنا على العالمين﴾. فالله فضّله على العالمين، أي على أهل زمانه وأهل الأرض في عصره، كما فسّر المفسرون. والثاني في سورة ص، حيث أمر الله نبيه ﷺ أن يذكر عباده الصالحين ويتأسى بهم: ﴿واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار﴾. فوصفهم الله بأنهم من الأخيار، أي المصطفين المختارين.
وليس في القرآن أكثر من ذلك عن اليسع، ولا ثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في تفصيل خبره. وقد ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» أنه من أنبياء بني إسرائيل وأنه جاء بعد إلياس، وأن ما عُرف من أخباره مأخوذ عن أهل الكتاب، فلا نعتمد تلك التفاصيل. ويكفي أن الله فضّله على العالمين وجعله من الأخيار. وفي أمر الله نبيه ﷺ بأن يذكر هؤلاء الأنبياء تربية للمؤمنين على التأسي بسيرهم.
— ذو الكفل عليه السلام — وأما ذو الكفل فقد ذُكر في موضعين أيضًا. ففي سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين﴾. وفي سورة ص مع اليسع وإسماعيل كما تقدم: ﴿واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار﴾. ففي الآية الأولى وصفه الله بأنه من الصابرين، وأنه أدخله في رحمته، وأنه من الصالحين. وفي الثانية وصفه بأنه من الأخيار.
وقد اختلف أهل العلم: هل ذو الكفل نبي أو رجل صالح؟ فذهب جماعة من السلف إلى أنه عبد صالح وليس بنبي، وذهب آخرون إلى أنه نبي، وهو ظاهر القرآن لأن الله ذكره في سياق الأنبياء في السورتين، وقد مال ابن كثير إلى أن الظاهر من السياق أنه نبي. فالأقرب أنه نبي، مع التنبيه على أن في المسألة خلافًا.
ومن أراد معرفة معنى «ذي الكفل»، فالكفل في اللغة الحظ والنصيب والضمان، قيل سمّي بذلك لأنه تكفّل بأمر، وقد رُوي في ذلك قصص عن مجاهد وغيره في أنه تكفّل بصيام النهار وقيام الليل وألا يغضب، وأن إبليس حاول أن يغضبه فلم يستطع. وهذا الخبر من رواية مجاهد، وهو من التابعين، ولم يرفعه إلى النبي ﷺ، وفيه تفاصيل مأخوذة غالبًا عن أخبار بني إسرائيل، ولذلك لا نصدقه ولا نعتمده في بيان قصة ذي الكفل.
وروى الترمذي وأحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما حديثًا يتعلق برجل من بني إسرائيل اسمه «الكفل»، كان لا يتورع من ذنب، وفيه أنه راود امرأة على نفسها بستين دينارًا، ثم ندم وتاب، فغفر الله له. وهذا الحديث ضعيف الإسناد ولا يصح، وقد استغربه ابن كثير وضعّفه جماعة من المحدثين، ثم إنه في «الكفل» لا في «ذي الكفل» المذكور في القرآن، ولا يلزم أن يكون الأول هو الثاني. فلا نعتمد هذا الحديث في شيء من خبر ذي الكفل عليه السلام.
وقد جاء وصفه في القرآن بالصبر، وهو خلق الأنبياء. وصبره مقرون بإسماعيل وإدريس، فهذا يدل على أنه من أهل الصبر على أمر الله وعلى طاعته وعن معصيته وعلى أقداره، وأن من صبر أدخله الله في رحمته. وهذه هي الفائدة التي نحتاج إليها: ﴿كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا﴾.
— إدريس عليه السلام — وأما إدريس فقد ذكره الله في سورتين. في سورة مريم، بعد ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل، قال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا ورفعناه مكانًا عليًا﴾. وفي سورة الأنبياء ذكره مع الصابرين: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين﴾.
فهذه ثلاث صفات ثابتة بالقرآن: إنه كان صديقًا، أي كثير الصدق في قوله وفعله وإيمانه، وكان نبيًا، وأن الله رفعه مكانًا عليًا. وقد وصف القرآن بالصدّيقية إبراهيم وإدريس ويوسف ومريم عليهم السلام، وهو وصف عظيم. وأما ﴿ورفعناه مكانًا عليًا﴾ فقد اختلف السلف في معناه، فقال بعضهم رُفع إلى السماء الرابعة، ورُوي ذلك عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري ومجاهد وغيرهم، وقال بعضهم المراد رفعة المنزلة والقدر. وقد ذكر ابن كثير القولين، وقال إن الأول وردت فيه آثار كثيرة عن السلف، وبعضها مأخوذ عن كعب الأحبار ومن أهل الكتاب، كما ذكر في البداية والنهاية أن في تفاصيل رفعه أخبارًا إسرائيلية لا نصدقها ولا نكذبها.
ويؤيد المعنى الأول ما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء والمعراج من حديث مالك بن صعصعة وأنس رضي الله عنهما وأبي ذر في روايات، أن النبي ﷺ رأى في السماوات الأنبياء، وأنه مرّ بإدريس في السماء الرابعة. ففي حديث مالك بن صعصعة عند البخاري ومسلم أن جبريل قال له في الرابعة: «هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلّمت عليه فردّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح». والترتيب في الصحيحين: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة. فمجيء إدريس في هذا الحديث رابعًا يتوافق مع قول من قال إنه رُفع إلى السماء الرابعة، لكن الحديث لا يقول إنه رُفع حيًّا، فقد رآه النبي ﷺ في السماء كما رأى غيره من الأنبياء الذين ماتوا، فلا يدل ذلك على حياته. وبهذا يتضح أن الثابت الصحيح هو رؤية النبي ﷺ له في السماء الرابعة.
وقد لاحظ العلماء في هذا الحديث أن النبي ﷺ لما لقي آدم قال له: «مرحبًا بالابن الصالح»، ولما لقي إبراهيم قال له: «مرحبًا بالابن الصالح»، أما إدريس وموسى وغيرهما فقال لهم: «مرحبًا بالأخ الصالح». واستدل بعض العلماء بذلك على أن إدريس ليس من آباء النبي ﷺ، وعلى أن ما يُروى من أنه جدّ نوح عليه السلام مما لا دليل عليه، وهو قول يُروى عن أخبار أهل الكتاب. وللعلماء في زمانه قولان: قيل هو قبل نوح، وقيل هو من أنبياء بني إسرائيل، ولا قاطع في ذلك من القرآن أو السنة الصحيحة، فلا نجزم بزمانه ولا نسبه، والواجب الإيمان بنبوته وصدقه.
ومما اشتهر على الألسنة أن إدريس أول من خطّ بالقلم، وأول من خاط الثياب، وأول من نظر في النجوم والحساب، وأنه هو «هرمس» عند اليونان، وأن اسمه من «الدرس» لكثرة دراسته. وكل هذا لا يصحّ فيه شيء عن النبي ﷺ، ولا نص في القرآن، بل هو من أخبار أهل الكتاب أو من اجتهادات المفسرين، وقد نبّه المحققون على ذلك. ولا يصح أن نبني عليه شيئًا. وما يرويه بعض الناس من حكايات عن لقائه بملك الموت أو دخوله الجنة حيًّا وقصص الصعود، فمن أخبار بني إسرائيل التي رواها كعب الأحبار وغيره، ولم تثبت عن النبي ﷺ، فلا تُروى على أنها حق.
— ما يجمع هؤلاء الأربعة — نجد في أخبار هؤلاء الأنبياء نمطًا واحدًا في القرآن: ذكر موجز يثبت النبوة والصلاح، ويبرز صفة بعينها. فإلياس يُذكر بدعوته إلى توحيد الله ونهيه عن عبادة البعل، واليسع يُذكر بالتفضيل على العالمين، وذو الكفل بالصبر، وإدريس بالصدّيقية والرفعة. وقد جمع الله اليسع وذا الكفل في آية واحدة مع إسماعيل في سورة ص ووصفهم بأنهم من الأخيار، وجمع إدريس وذا الكفل في آية واحدة مع إسماعيل في سورة الأنبياء ووصفهم بأنهم من الصابرين.
وفي هذه الصفات دروس لكل مؤمن: ففي إلياس قدوة في الدعوة إلى التوحيد والإنكار على أهل الشرك، وفي ذي الكفل وإدريس قدوة في الصبر، وفي إدريس قدوة في الصدق مع الله. وقد قال الله بعد ذكر الصابرين: ﴿وأدخلناهم في رحمتنا﴾، فالصبر طريق الدخول في رحمة الله.
وأخيرًا ينبغي أن نتذكر أن عدم معرفتنا بتفاصيل حياتهم لا ينقص من قدرهم. فالله أعلم بهم، وقد شهد لهم بالنبوة والصلاح والصبر والصدق، وهذه شهادة أعظم من كل تفصيل. ومن الأدب أن نقف حيث وقف الوحي، فلا نزيد على كتاب الله وسنة نبيه ما ليس منهما، وأن نؤمن بهم جميعًا كما أمرنا الله: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾.
