Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ٢٨ دقيقة

من اليُتم إلى الوحي: سيرة النبي محمد ﷺ من المولد إلى العهد المكي

النبي محمد ﷺ

قبل أن نبدأ: كيف نقرأ هذه السيرة

هذه سيرة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ في مرحلتها الأولى: من مولده إلى أن أذن الله له بالهجرة. وقد جرى المنهج فيها على التفريق الصريح بين ثلاث درجات من الأخبار: ما ثبت في القرآن الكريم، وما ثبت في الصحيحين وسائر كتب السنة بإسناد صحيح، وما انفردت به كتب السيرة والتاريخ كسيرة ابن هشام (وهي تهذيب لسيرة ابن إسحاق) وكتاب «البداية والنهاية» لابن كثير. والفرق بين هذه الدرجات مهم: فكتب السيرة حفظت لنا تفاصيل نافعة كثيرة، لكنها جمعت أخبارها غالبًا بأسانيد منقطعة أو بلا أسانيد، فما لم يشهد له القرآن أو الحديث الصحيح يُروى بصيغة التمريض أو بنسبته إلى راويه، وما كان ضعيفًا مشهورًا نبّهنا عليه.

النسب الشريف والبيت الذي خرج منه

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، من قريش، وقريش من كنانة، وكنانة من العرب العدنانية الذين يرجعون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقد أجمع أهل النسب على صحة النسب إلى عدنان، وما فوق عدنان إلى إسماعيل عليه السلام فيه اختلاف لا يثبت منه تفصيل. وثبت في صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

وكانت قريش تسكن مكة وتخدم البيت الحرام، فلها السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وكانت لها المنزلة بين العرب. وكان جده عبد المطلب سيد قريش في زمانه، وهو الذي حفر بئر زمزم من جديد بعد أن طُمّت، كما ذكر ابن إسحاق في السيرة.

عام الفيل ومولد النبي ﷺ

نزلت في القرآن سورة كاملة تذكّر بحدث عظيم وقع في العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ على المشهور، وهو مجيء أبرهة الحبشي بجيشه ومعه الفيل ليهدم الكعبة، فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول. وهذا ثابت في سورة الفيل. أما تفاصيل القصة من أسماء القادة وحوار عبد المطلب مع أبرهة فمصدرها كتب السيرة (ابن إسحاق ثم ابن هشام وابن كثير)، ومنها قول عبد المطلب المشهور: «أنا ربّ الإبل وللبيت ربّ سيمنعه»، وهو مما ذكره أهل السير ولم يثبت بإسناد صحيح متصل.

وكون مولده ﷺ في عام الفيل هو قول جمهور أهل السير، وقد حكى ابن كثير الإجماع عليه. وأما اليوم والشهر فالثابت في صحيح مسلم أنه وُلد يوم الإثنين، إذ سُئل ﷺ عن صوم يوم الإثنين فقال: «ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت، أو أُنزل عليّ فيه». وأما تحديده بالثاني عشر من ربيع الأول فهو المشهور عند أهل السير، ولكنه ليس في حديث صحيح، وقد وقع في تحديد اليوم خلاف قديم بين أهل العلم، فقيل غير ذلك من الأيام. فالمقطوع به أنه وُلد في عام الفيل يوم الإثنين من شهر ربيع الأول على قول الجمهور، وما زاد على ذلك فمرجوح أو محل نزاع.

ومات أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه آمنة بنت وهب على ما ذكره ابن إسحاق وجماعة، وقيل بل مات بعد ولادته بأشهر. وعلى كلا القولين نشأ ﷺ يتيمًا، وقد امتنّ الله عليه بذلك في سورة الضحى فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾. وسمّاه جده عبد المطلب «محمدًا»، وكان هذا الاسم قليلًا في العرب. وثبت في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب».

الرضاعة في بني سعد وشقّ الصدر

أرضعته أولًا ثُويبة مولاة أبي لهب أيامًا، وقد ثبت ذكر رضاعتها في الصحيح. ثم كانت عادة أشراف مكة أن يسترضعوا أولادهم في البادية لصحة الأبدان وفصاحة اللسان، فاسترضع له في بني سعد بن بكر، وكانت مرضعته حليمة السعدية رضي الله عنها، كما ذكر ابن إسحاق. وما رُوي في كتب السيرة عن بركة حلّت على أهل حليمة وعن أتانها ولبن شاتها، فهو مما يذكره أهل السير بلا إسناد صحيح، فنرويه خبرًا تاريخيًا لا حديثًا ثابتًا.

أما الثابت في ذلك فهو حادثة شقّ الصدر الشريف، وقد رواها مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: «هذا حظّ الشيطان منك»، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، أي جمعه وأعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعني مرضعته، فقالوا: إن محمدًا قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: «وقد كنت أرى أثر ذلك المِخيَط في صدره». وهذه الحادثة خبر صحيح من أخبار الغيب لا يُقاس بالعادة، ومعناها تطهير قلبه وإعداده لما سيحمله من الوحي. وقد وقع شقّ آخر قبل الإسراء والمعراج، وسيأتي ذكره في موضعه. ويذكر أهل السير أن حليمة ردّته بعدها إلى أمه خوفًا عليه، وكان عمره نحو أربع أو خمس سنين.

فقد الأم، ثم الجد، ثم كفالة أبي طالب

ولما بلغ نحو ست سنين خرجت به أمه آمنة إلى المدينة لتزور أخوال جده عبد المطلب من بني النجار، ومعها أم أيمن، كما ذكر ابن إسحاق. وفي طريق العودة ماتت آمنة بالأبواء، فدُفنت هناك. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكّر الموت». فكان أول وعي له بالدنيا فقد أبيه ثم أمه، وهو في سن صغيرة جدًا.

فكفله جده عبد المطلب، وكان يحبّه حبًّا شديدًا ويُقدّمه على أولاده، على ما ذكر أهل السير. ثم مات عبد المطلب ورسول الله ﷺ ابن ثماني سنين، فانتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب بوصية جده، وكان أبو طالب فقيرًا كثير العيال، ولكنه أحاط ابن أخيه بحبّ ورعاية وحماية ظلّت معه حتى مات أبو طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. وفي هذا المعنى يذكّره الله بنعمته فيقول في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾.

رعي الغنم والطفولة النقيّة

ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة». وفي رعي الغنم تدريب على الصبر والرفق وتحمّل المسؤولية، وهو من الحكم التي ذكرها العلماء في اختيار هذه المهنة للأنبياء.

وحفظ الله نبيّه في صباه من أقذار الجاهلية. ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان ينقل الحجارة مع عمه العباس لبناء الكعبة، فقال له العباس: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، ففعل فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: «إزاري إزاري»، فشدّ عليه إزاره. وفي رواية: فما رُئيت عورته بعد ذلك. وقد ذكر ابن إسحاق أن الله عصمه من أدناس الجاهلية حتى كان بين قومه يُعرف بالأمين، وهو اسم عُرف به قبل البعثة بين الناس لصدقه وأمانته، وهذا مما استقرّ في السيرة وتواردت عليه الأخبار.

الرحلة إلى الشام وخبر بحيرى

يذكر ابن إسحاق أن أبا طالب خرج في ركب تجارة إلى الشام ومعه محمد ﷺ وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزلوا بُصرى لقيهم راهب يقال له بحيرى، فرأى في النبي ﷺ علامات النبوّة وأوصى أبا طالب أن يرجع به خوفًا عليه من اليهود. وقد رواها الترمذي في جامعه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وقال: حسن غريب. لكن أهل العلم نبّهوا على أن في متنها لفظة منكرة، وهي قوله إن أبا بكر بعث معه بلالًا، وأبو بكر رضي الله عنه كان آنذاك صغيرًا، وبلال لم يكن يومئذ معه. فالخلاصة أن أصل الخبر مشهور في السيرة وفي إسناده كلام وفي متنه نكارة، فلا يُجعل أصلًا من أصول العقيدة، وإنما يُذكر خبرًا في كتب السير مع التنبيه.

حلف الفضول والشباب الصالح

شهد النبي ﷺ في شبابه حلف الفضول، وهو حلف تعاقدت فيه بطون من قريش في دار عبد الله بن جدعان على نصرة المظلوم ومنع الظلم في مكة. وقد روى ابن إسحاق عنه ﷺ أنه قال: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبّ أن لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبتُ». وهذا مما صححه جمع من أهل العلم، وهو يدل على أن الإسلام لا يمنع من التعاون على الخير مع غير المسلمين ما دام على نصرة المظلوم.

الزواج من خديجة رضي الله عنها

تاجر النبي ﷺ في مال خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وكانت امرأة تاجرة شريفة، فخرج في تجارتها إلى الشام ومعه غلامها ميسرة، كما ذكر ابن إسحاق. ويذكر أهل السير أن ميسرة حدّثها بما رأى من أمانته وأخلاقه، فرغبت في الزواج منه، فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت يومئذ أكبر منه سنًّا، وقيل إنها كانت ابنة أربعين، وفي ذلك خلاف بين أهل السير. وكان هذا الزواج سببًا في استقرار حياته ﷺ، فكانت له خير سند ونصير.

وأولاده كلهم من خديجة رضي الله عنها إلا إبراهيم، فقد كان من مارية القبطية رضي الله عنها: القاسم وبه كان يُكنّى، وعبد الله ويلقّب بالطيب والطاهر، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهن. ومات الذكور في صغرهم، وأما البنات فأدركن الإسلام وهاجرن.

تجديد بناء الكعبة وحكم الحجر الأسود

لما بلغ النبي ﷺ نحو خمس وثلاثين سنة، على ما ذكر ابن إسحاق، أعادت قريش بناء الكعبة بعد أن وهت جدرانها من سيل. فلما بلغوا موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يضعه، حتى كادوا يقتتلون، ثم اتفقوا على أن يحكّموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فكان رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد. فلما أخبروه الخبر أمر بثوب فوضع الحجر فيه، وطلب من زعماء القبائل أن يمسكوا بأطراف الثوب جميعًا، فرفعوه، فلما بلغ موضعه أخذه بيده ووضعه. وهذه القصة مشهورة في السير، وقد جاءت من وجوه، وحسّن بعض أهل العلم إسنادها، وفيها بيان عقله ورجاحة رأيه ﷺ قبل النبوّة.

وقصرت بهم النفقة الحلال التي جمعوها عن إتمام البناء على قواعد إبراهيم، فأخرجوا الحِجْر وهو ما يُسمّى اليوم حِجر إسماعيل. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرتُ بالبيت فهُدم فأدخلتُ فيه ما أُخرج منه...» وذلك من حرصه ﷺ على تأليف القلوب وتقديم الحكمة في تغيير المنكر.

ما قبل الوحي: الخلوة والرؤيا الصادقة

كانت هذه السنوات سنوات إعداد. وقد قال الله تعالى مخاطبًا نبيّه: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، فهو أمّي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من أدلة صدق الوحي، لأن من كان كذلك لا يمكن أن يأتي بكتاب محكم من تلقاء نفسه. وكان قومه قبل البعثة على الوثنية: يعبدون الأصنام ويطوفون بالبيت عراة ويئدون البنات ويتعاملون بالربا ويثور بينهم القتال لأتفه الأسباب، وإن بقيت فيهم بقايا من دين إبراهيم، كالحج والطواف وتعظيم البيت.

وتبدأ القصة الثابتة التي رواها البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: «أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، وهو التعبّد، الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها».

ليلة الوحي في غار حراء

حتى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، وكان ذلك في شهر رمضان على الراجح، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وكان عمره أربعين سنة، فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بُعث على رأس أربعين سنة. وفي حديث عائشة: فجاءه الملك فقال: «اقرأ»، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾».

فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: «زمّلوني زمّلوني»، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيتُ على نفسي». فقالت خديجة: «كلّا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». وفي هذا الكلام شهادة عاقلة من أقرب الناس إليه بأن أخلاقه لا تتفق مع من يُخذل، وأن الله لا يُهين من كانت هذه صفاته.

ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان قد تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى، فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك». فقال رسول الله ﷺ: «أَوَمُخرِجيّ هم؟» قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئتَ به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي.

فترة الوحي ثم أمر الإنذار

فتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا. ثم جاء الفرج، وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال وهو يحدّث عن فترة الوحي: «بينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا من السماء فرفعتُ بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجُئثتُ منه حتى هويتُ إلى الأرض، فجئتُ أهلي فقلت: زمّلوني زمّلوني، فدثّروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾».

ومنذ ذلك اليوم تتابع الوحي، وبدأت النبوة بـ«اقرأ»، وبدأت الرسالة بـ«قم فأنذر».

الدعوة السرية وأوائل المسلمين

بدأ ﷺ بدعوة أقرب الناس إليه وأخصّهم ثقةً به، فآمنت به زوجه خديجة رضي الله عنها، وهي أول من آمن به، ثم صديقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنه، كما ذكر ابن إسحاق وغيره. وجعل أبو بكر يدعو من يثق به من قومه، فأسلم على يديه نفر من خيار الصحابة، منهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم أجمعين، على ما ذكره ابن إسحاق.

ويذكر أهل السير أن هذه المرحلة السرّية دامت نحو ثلاث سنين، وهو قول مشهور ولم يثبت فيه حديث صحيح صريح في التحديد، فيُنقل بصيغة النسبة إلى أهل السير. وكان الصحابة يجتمعون في الخفاء، ويذكر أهل السير أن دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه كانت مكانًا للقاء بين النبي ﷺ والمؤمنين في تلك الفترة.

الجهر بالدعوة على جبل الصفا

ثم نزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لما نزلت هذه الآية صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾».

ومن هذه القصة نتعلم أن القوم شهدوا للنبي ﷺ بالصدق قبل أن يطلب منهم الإيمان، وأن العداوة التي واجهها لم تكن عن شك في أمانته، وإنما عن كبر وخوف على المكانة والموروث. وهذا ما بيّنه القرآن في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.

أذى قريش وصبر المؤمنين

اشتدّ أذى قريش للمستضعفين من المسلمين. ثبت من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فيما رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما بإسناد حسن، أن أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس. وقال في بلال: هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد.

ويذكر أهل السير أن سمية أم عمار رضي الله عنها هي أول شهيدة في الإسلام، وأن النبي ﷺ كان يمرّ بآل ياسر وهم يُعذّبون فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»، وهو مرويّ في مستدرك الحاكم وغيره وحسّن إسناده بعض أهل العلم، وهو معنى مستقيم موافق لما ثبت.

وفي صحيح البخاري من حديث خباب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشقّ باثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

وناله هو نفسه أذى كبير. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان ساجدًا عند البيت وحوله ملأ من قريش، فجاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، أي ما يُخرج مع الولد من أحشاء الناقة، فألقاه على ظهره وهو ساجد، فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فأخذته عن ظهره، فدعا على سبعة من كبار قريش بأسمائهم، قال ابن مسعود: فوالذي بعث محمدًا بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر. وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: «أشدّ ما صنع المشركون بالنبي ﷺ: بينا النبي ﷺ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾».

ولم يكن جواب النبي ﷺ على الأذى انتقامًا، بل ثباتًا ودعوة. ولم يؤذن له في القتال في مكة، بل أُمر بالصبر والعفو والصفح، كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.

الهجرة الأولى إلى الحبشة

ولما اشتدّ البلاء أشار النبي ﷺ على أصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة، فقال لهم كما ذكر ابن إسحاق: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه». فخرج جماعة من الصحابة، منهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ﷺ رضي الله عنهما، وكان ذلك في السنة الخامسة من البعثة على ما ذكر أهل السير، ثم تلتها هجرة ثانية أكبر بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أم سلمة رضي الله عنها خبر ما جرى مع النجاشي، وأقرّه ابن كثير في «البداية والنهاية»: أن قريشًا أرسلت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردّوا المسلمين، فاستدعى النجاشي المسلمين، فسألهم عن دينهم، فتكلم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القويّ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء...». ثم قرأ عليه صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته، وقال: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». ثم قال لرسولَي قريش: انطلقا فلا والله لا أُسلمهم إليكما.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى فصفّ بهم وكبّر أربع تكبيرات، أي صلّى عليه صلاة الغائب.

إسلام حمزة وعمر

أسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمّ النبي ﷺ في تلك الحقبة، على ما ذكر ابن إسحاق، وكان سبب إسلامه غضبه حين علم أن أبا جهل آذى النبي ﷺ، فعزّ الله به المؤمنين. ثم أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروى الترمذي في جامعه أن النبي ﷺ قال: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب»، قال: فكان أحبهما إلى الله عمر. وصحّح الحديث بعض أهل العلم. وذكر ابن إسحاق خبر إسلامه المشهور حين ذهب ليقتل النبي ﷺ فلقي من أخبره بأن أخته وزوجها قد أسلما، فدخل عليهما فوجدهما يقرآن صحيفة فيها سورة طه، فلانَ قلبه بعدما سمعها، وذهب إلى النبي ﷺ فأسلم. وهذا الخبر مشهور في كتب السيرة وفي أسانيده ضعف، فلا يُعدّ ثابتًا بدرجة الصحيح، ولكن الثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح البخاري قوله: «ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر».

حصار شِعب أبي طالب

لما رأت قريش أن الإسلام ينتشر، ورأت حماية بني هاشم وبني المطلب للنبي ﷺ، كتبوا صحيفة تعاقدوا فيها على مقاطعتهم: ألا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم ولا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مع النبي ﷺ إلى شعب أبي طالب، وبقوا هناك على ما ذكره ابن إسحاق نحو ثلاث سنين، فأصابهم جهد شديد. وفي صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر»، يعني المكان الذي تعاهدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم، وهذا ما يؤيد وقوع هذا الحدث. وثبت من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: «لقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع النبي ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحُبلة وهذا السَّمُر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما له خِلط»، وهذا يدل على شدة ما كابدوه في سبيل دينهم.

وأما قصة أن الأرضة أكلت الصحيفة إلا ما فيه اسم الله، وأن النبي ﷺ أخبر عمه بذلك فصدق الخبر، فهي مذكورة في ابن إسحاق وابن كثير، ولم تثبت بإسناد صحيح، فتُذكر على أنها من أخبار السير لا من الحديث الثابت. وانتهى الحصار بعد أن تحرّك بعض رجال قريش المنصفين لنقض الصحيفة، منهم هشام بن عمرو وزهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي، كما يذكر أهل السير.

عام الحزن: وفاة أبي طالب وخديجة

ثم توفي أبو طالب بعد خروجهم من الشعب بنحو ستة أشهر على قول، وتوفيت خديجة رضي الله عنها بعده بأيام أو بأشهر، على اختلاف الروايات، وسمّى أهل السير هذا العام «عام الحزن». وقد ثبت في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيّب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: «أي عمّ، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتى قال آخر شيء كلّمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك»، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، ونزلت في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. وفي هذا بيان لحدود النبوة: أن الهداية بيد الله، وأن النبي ﷺ لا يملك لقريب ولا لبعيد إلا البلاغ.

وثبت في الصحيحين أيضًا أن النبي ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه»، وفي لفظ: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدَّرك الأسفل من النار».

وأما خديجة رضي الله عنها فقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما غِرتُ على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها»، وقال ﷺ لما ذكرها: «إني قد رُزقتُ حبّها». فهذه شهادة على وفاء النبي ﷺ لمن وقف معه في أصعب أيامه.

رحلة الطائف

ولما فقد النبي ﷺ حماية عمه خرج إلى الطائف يدعو ثقيفًا ويلتمس منهم النصرة، وذلك في السنة العاشرة من البعثة على ما ذكر أهل السير. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد، فقال ذلك فيما شئتَ، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي ﷺ: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».

وهذه من أعظم لحظات الرحمة في السيرة: عُرض عليه أن يهلك قومه فاختار الرجاء في أبنائهم. وهو تطبيق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

أما بقية ما يُروى في هذه الرحلة ففي كتب السير: أن ثقيفًا سلّطوا عليه سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، وأنه التجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأن غلامًا نصرانيًا اسمه عدّاس جاءه بعنب فلما قال النبي ﷺ «بسم الله» عجب وأسلم أو كاد، وأنه دعا بالدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس...». وهذا الدعاء ذكره ابن إسحاق وروي من وجوه ضعيفة، ولا يصح إسناده، وإن كان معناه حسنًا، فلا يُنسب إلى النبي ﷺ على سبيل الجزم. ومما ثبت أن النبي ﷺ رجع من الطائف فمرّ بنخلة، وفيها صلّى بأصحابه الفجر، فاستمع نفر من الجنّ إلى قراءته وآمنوا، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ونزلت في ذلك سورة الجن، وفيها: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾.

ولم يستطع النبي ﷺ دخول مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، كما ذكر أهل السير، وقد أثنى عليه النبي ﷺ بعد ذلك، ففي صحيح البخاري من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النَّتْنى لتركتهم له».

الإسراء والمعراج

وبعد هذه المحن العظيمة أكرم الله نبيّه بالإسراء والمعراج، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

وجاء تفصيل المعراج في الصحيحين من حديث أنس ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم. فمجمل ما صحّ: أن جبريل أتاه وهو بمكة فشقّ صدره وغسل قلبه بماء زمزم وملأه حكمة وإيمانًا، وأُتي بالبُراق، دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبه حتى أتى بيت المقدس، فصلّى بالأنبياء إمامًا، ثم عُرج به إلى السماء الدنيا فما فوقها، فلقي آدم في السماء الأولى، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة وهو مسند ظهره إلى البيت المعمور. ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، وفُرضت عليه الصلاة خمسين صلاة، فرجع فمرّ بموسى عليه السلام فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فلم يزل يتردد بين ربه وموسى حتى جعلها خمسًا، فقال الله تعالى: «هي خمس وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ».

ومن فوائد هذه الحادثة أن الصلاة فُرضت في أرفع مقام عُرج إليه النبي ﷺ، وفي ذلك تنبيه على منزلتها. أما تحديد ليلة الإسراء بليلة سبع وعشرين من رجب، وما يُحتفل به عند بعض الناس، فلم يثبت فيه دليل صحيح، وقد نصّ جمع من المحققين على أن وقت الإسراء لم يثبت تعيينه، وأن الاحتفال به بدعة لم يفعلها السلف.

وفي صباح تلك الليلة أخبر النبي ﷺ قومه، فكذّبوه واستهزأوا، وارتدّ بعض ضعاف الإيمان على ما تذكره السير. فأتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا له: هل لك في صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أَوَقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: «لئن كان قال ذلك لقد صدق، إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة». فسُمّي الصدّيق. وهذا الخبر رواه الحاكم وصححه جمع من المحققين. وأرادوا اختباره فسألوه عن بيت المقدس، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لقد رأيتني في الحِجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبتها، فكُرِبتُ كربةً ما كُرِبتُ مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به».

عرض النفس على القبائل وبيعة العقبة

ثم كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويسأل: «من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي وله الجنة؟»، كما روى الإمام أحمد من حديث جابر رضي الله عنه. وكان أبو لهب يتبعه ويصدّ الناس عنه، وبقي على ذلك سنوات حتى لقي نفرًا من الخزرج عند العقبة بمنى فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وعادوا إلى المدينة، فنشروا الدعوة فيها.

وجاء الموسم التالي فوافى النبي ﷺ اثنا عشر رجلًا من أهل المدينة، فبايعوه بيعة العقبة الأولى. وفي صحيح البخاري من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على ألّا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه». قال: فبايعناه على ذلك.

وبعث النبي ﷺ معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه يقرئهم القرآن ويفقّههم في الدين، ثم أتبعه ابن أم مكتوم رضي الله عنه، ففي البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم». ويذكر أهل السير أن إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب كان سببًا في دخول بيوت الأنصار في الإسلام، وهو خبر مشهور في السير.

وفي العام التالي جاء إلى الموسم نحو ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتان من الأنصار، فواعدوا النبي ﷺ عند العقبة في الليل، وجاء معه عمه العباس، وكان لا يزال على دين قومه، وأراد أن يطمئن على ابن أخيه، فقال لهم كلامًا يوثّق به العهد، كما روى كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل أخرجه الإمام أحمد وابن إسحاق. فبايعوه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولوا في الله لا تأخذهم لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم عليهم فيمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة. واختار منهم اثني عشر نقيبًا. وأخذ أبو الهيثم بن التيهان يسأله: إن بيننا وبين الرجال حبالًا، أي عهودًا مع اليهود، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم النبي ﷺ وقال: «بل الدم الدم والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»، كما ذكر ابن إسحاق.

مكر قريش وإذن الله بالهجرة

لما رأت قريش أن المسلمين يتجهزون للخروج إلى المدينة خافت أن يجد النبي ﷺ عندهم منعة، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيه، كما ذكر ابن إسحاق وابن كثير، وهو المعنى الذي بيّنه القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وبعد أن تتابع المسلمون في الهجرة سرًّا وأفرادًا حتى بقي في مكة النبي ﷺ وأبو بكر وعلي رضي الله عنهما ومن حُبس أو فُتن، أذن الله لنبيّه بالهجرة، وكان ذلك بداية مرحلة جديدة سنذكرها في السيرة المدنية.

خلاصة المرحلة المكية وفوائدها

عاش النبي ﷺ في مكة ثلاثة وخمسين عامًا: أربعين منها قبل البعثة، وثلاث عشرة بعدها على ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وكان محور الدعوة المكية العقيدة: توحيد الله، والإيمان بالبعث والجزاء، وتزكية النفس، وبناء الأخلاق، والصبر على الأذى. وقد نزل في هذه المرحلة معظم السور القصيرة المحكمة ذات الفواصل القويّة التي تخاطب القلب والعقل. ولم يؤمر المسلمون بالقتال في مكة، بل بالصبر والتحمّل، تهيئةً لجيل يحمل الأمانة.

وأهم ما نقف عنده من دروس هذه المرحلة: أن الدعوة بدأت من نقاء القلب وصدق الخلق قبل أن تبدأ بالنصوص، وأن النبي ﷺ لم يطلب النصر العاجل بل جاهد في طول الأناة، وأن أصحابه الذين صبروا في مكة هم أنفسهم الذين حملوا الراية بعد ذلك. وقد جمع الله لنبيّه الثناء في القرآن بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

العبرة

الدعوة تبدأ بنقاء القلب وصدق الخلق ثم تصبر على الأذى؛ والهداية بيد الله وحده والنبي ﷺ ليس عليه إلا البلاغ.

المصدر: القرآن الكريم: سور الفيل والضحى والعلق والمدثر والمسد والإسراء والأنفال (الآية في مكر قريش) والجن؛ صحيح البخاري وصحيح مسلم (بدء الوحي، شق الصدر، أبو طالب، الطائف، المعراج، بيعة العقبة)؛ مسند أحمد وسنن الترمذي؛ سيرة ابن هشام (تهذيب ابن إسحاق)؛ البداية والنهاية لابن كثير.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم فيما صُرّح به؛ وما سوى ذلك ثابت في كتب السيرة بلا إسناد صحيح، وقد نُبّه على الضعيف منه (دعاء الطائف، صحيفة المقاطعة والأرضة، إسلام عمر بقصة أخته، تحديد ليلة الإسراء وتاريخ المولد بـ12 ربيع).