تمهيد: منهج هذه المرحلة
هذه تتمة سيرة النبي محمد ﷺ: من خروجه من مكة مهاجرًا إلى أن لحق بالرفيق الأعلى. وقد التزمنا فيها بالتفريق بين ثلاث درجات من الأخبار: ما جاء في القرآن الكريم، وما صحّ في الصحيحين وسائر كتب السنة، وما ذُكر في كتب السير كابن إسحاق وابن هشام وابن كثير. فالقسم الأول والثاني نرويه على سبيل الجزم، والثالث ننسبه إلى أصحابه ونبيّن ما لم يثبت منه.
الهجرة: ظهيرة لا تُنسى
أذن الله لنبيّه في الهجرة بعد أن أتمّ المسلمون هجرتهم إلى المدينة فرادى وجماعات. وفي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل: أن النبي ﷺ كان يأتي بيت أبي بكر طرفي النهار، فأتاهم يومًا في نحر الظهيرة متقنّعًا في ساعة لم يكن يأتي فيها، فقال أبو بكر: ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. فأخبره: «إني قد أُذن لي في الخروج»، فقال أبو بكر: «الصحبة يا رسول الله؟» قال: «الصحبة». قالت عائشة: «فوالله ما شعرتُ قطّ قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، فرأيتُ أبا بكر يبكي يومئذ».
وكان قد أعدّ راحلتين، واستأجر عبد الله بن أريقط دليلًا ماهرًا بالطرق، وكان على دين قومه لكنهما أمناه فدفعا إليه راحلتيهما. وصنعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما سفرتهما، فقطعت قطعة من نطاقها فربطت بها فم الجراب، فسُمّيت «ذات النطاقين». وبات علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي ﷺ تلك الليلة ليُظنّ أنه نائم فيه، ومكر القوم ما مكروا، والله خير الماكرين.
في غار ثور
خرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا، ولجآ غار ثور في جنوب مكة، وبقيا فيه ثلاث ليال. كان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما يبيت عندهما ثم يرجع إلى مكة في السحر فيصبح مع قريش كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبره إذا اختلط الظلام. وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى عليهما منيحة من غنم فيُريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْلِهما، أي لبنها ورضيفها، حتى ينعق بها عامر بغلس. هكذا رواه البخاري.
وفي الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه قال: «كنتُ مع النبي ﷺ في الغار، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبيّ الله، لو أنّ بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما». وفي لفظ: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما». وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾. وما يروى عن العنكبوت التي نسجت على باب الغار وعن حمامتين وعشّهما، فمصدره بعض الروايات الضعيفة التي لا تصحّ، والأولى الاقتصار على ما ثبت، وهو أن الله حفظهما بقدرته.
وفي صحيح البخاري أن قريشًا جعلت مئة ناقة لمن يردّ النبي ﷺ وصاحبه، فتبعهما سراقة بن مالك المدلجي حتى قرب منهما، فساخت قوائم فرسه في الأرض فطلب الأمان، ورجع يصرف الطالبين عنهما، وكتب له أبو بكر كتاب أمان بأمر النبي ﷺ. أما ما رُوي أن النبي ﷺ بشّره بأنه سيلبس سواري كسرى، فهو مذكور في كتب السير والدلائل بإسناد مرسل لا يثبت على شرط الصحيح، وإن كان مضمونه قد تحقق في خلافة عمر رضي الله عنه. وكذلك خبر أم معبد الخزاعية ووصفها للنبي ﷺ، فهو في المستدرك وغيره وفي إسناده ضعف، فلا يُحتجّ به.
الوصول إلى قباء والمدينة
وصل النبي ﷺ إلى قباء في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، ويذكر ابن إسحاق أنه الثاني عشر منه، وهو المشهور، وقد خالف فيه بعض المحققين في ضبط التاريخ بالحساب الفلكي. فنزل على كلثوم بن الهدم، وأقام فيها أيامًا على ما ذكر ابن إسحاق وأسّس مسجد قباء، وهو المسجد الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾. ثم سار إلى المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف فصلّاها في بطن الوادي، على ما ذكر ابن إسحاق، وهي أول جمعة أقامها في المدينة.
وكان أهل المدينة قد بلغهم خروجه من مكة وكانوا يخرجون كل غداة إلى الحرّة ينتظرونه. ففي الصحيحين من حديث عروة عن الزبير رضي الله عنهما أنهم انقلبوا يومًا بعد طول انتظار حين اشتدّ الحرّ، فإذا رجل من اليهود قد صعد أُطمًا من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصُر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيّضين، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: «يا معاشر العرب، هذا جدّكم الذي تنتظرون». فثار المسلمون إلى السلاح فتلقّوا رسول الله ﷺ بظهر الحرّة.
وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس رضي الله عنه: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء». وأما النشيد المشهور «طلع البدر علينا» وأن الجواري أنشدنه عند قدومه، فلم يثبت له إسناد صحيح، وقد ذكره بعضهم في دلائل النبوة بإسناد مرسل، والمحقّقون على أن لا أصل له من جهة الإسناد.
وقد بقي أهل المدينة كل واحد منهم يريد أن ينزل النبي ﷺ عنده، فقال: «دعوها فإنها مأمورة»، يعني ناقته، حتى بركت عند موضع المسجد، ثم قام إلى بيت أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه، وهو ما ذكره ابن إسحاق وأصله في الصحيح. وروى مسلم أن أبا أيوب كان يسكن الطابق العلوي وكان النبي ﷺ في السفلي، فكره أبو أيوب أن يكون فوق رسول الله ﷺ، فتحوّل النبي ﷺ إلى العلوي.
بناء المسجد النبوي
وروى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: «لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله». وكان فيه قبور المشركين، وفيه خِرَب، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبشت، وبالخرب فسُوّيت، وبالنخل فقُطع، فصفّوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم، وهو يقول: «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة».
وفي البخاري أن عمارًا رضي الله عنه كان يحمل لبنتين لبنتين، فقال له النبي ﷺ: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار». فهذا المسجد الذي بُني على بساطة شديدة: جدران من لبن وسقف من جريد، وعُمُده جذوع النخل، صار محور حياة الأمة: للصلاة والعلم والشورى واستقبال الوفود. وجعل بجواره حجرات لأزواج النبي ﷺ. ويذكر أهل السير أن في المسجد مكانًا يأوي إليه فقراء المهاجرين عُرفوا بأهل الصفة، وقد ثبت ذكرهم في أحاديث الصحيح، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
ثم آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: «قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّوني على السوق». وفي صحيح البخاري أن الأنصار قالوا للنبي ﷺ: «اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل»، قال: «لا»، فقالوا للمهاجرين: «تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة»، قالوا: «سمعنا وأطعنا». وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
وهي قصة تُعلّم أن الأخوّة الصادقة تُترجم عطاءً، وأن المهاجر لم يكن عالة بل جاء يطلب السوق ويكدّ بيده، فقد عمل عبد الرحمن في التجارة حتى صار من أغنى الصحابة.
تنظيم المجتمع الجديد: الأذان والوثيقة
ثم شرع الأذان. فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن المسلمين كانوا يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَلا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا بلال، قم فناد بالصلاة». وروى أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه رأى الأذان في المنام، وأن عمر رأى مثل ذلك، فقال النبي ﷺ: «إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك». وهكذا بدأ نداء الإسلام يملأ سماء المدينة خمس مرات في اليوم.
وكتب النبي ﷺ وثيقة تنظم العلاقات بين المسلمين والأنصار واليهود وسائر ساكني المدينة، أوردها ابن إسحاق وأبو عبيد في الأموال ونقلها ابن كثير، وهي التي يسمّيها العلماء «صحيفة المدينة» أو «دستور المدينة». وفيها أن المؤمنين أمة واحدة من دون الناس، وأن اليهود الذين دخلوا معهم لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن المدينة حرم لأهل هذه الصحيفة. وقد ثبتت بعض معانيها في الصحيح، كما في حديث علي رضي الله عنه في الصحيفة: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم». أما نصّ الوثيقة بتفاصيله فمصدره السير، وفي أسانيده مقال، وأصل مبادئه موافق لأحكام الإسلام.
تحويل القبلة
وكان المسلمون يصلّون إلى بيت المقدس. وفي صحيح البخاري من حديث البراء رضي الله عنه: «صلّينا مع النبي ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت». فنزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وجاء رجل إلى قوم من الأنصار يصلّون الفجر في مسجد قباء، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، فقال: «أُنزل الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة». وكان ذلك في السنة الثانية للهجرة، في شعبان على المشهور من أقوال أهل السير.
غزوة بدر الكبرى
وفي السنة الثانية، السابع عشر من رمضان، وقعت غزوة بدر، وهي اليوم الذي سمّاه الله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. خرج النبي ﷺ يريد عير أبي سفيان، لا يريد قتالًا مستحكمًا، فنجت العير، وأقبلت قريش بنحو ألف مقاتل، فاستشار النبي ﷺ أصحابه. وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن المقداد بن عمرو قال: «يا رسول الله، لا نقول لك كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن امضِ ونحن معك، فكأنه سُرّي عن رسول الله ﷺ». وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن سعد بن معاذ رضي الله عنه قال: «والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا». فاطمأن النبي ﷺ لعزيمة أنصاره، وقال: «سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين».
وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، كما في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب، وفي مسلم: «ثلاثمائة وتسعة عشر»، وكان المشركون نحو ألف. وتحدّث القرآن عن وقائعها: النعاس الذي غشّي المؤمنين، والمطر الذي ثبّت الأرض، وإمداد الملائكة. وفي مسلم من حديث عمر رضي الله عنه: «فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾».
وانتهت المعركة بنصر عظيم. ثبت في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب أن الذين قُتلوا من المشركين سبعون وأُسر سبعون. وقُتل أبو جهل، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف، إذ تمنّى شابّان من الأنصار، وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، قتله، فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، وذكر في رواية أن عبد الله بن مسعود أجهز عليه. وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أمر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقُذفوا في قليب من قلب بدر، ثم وقف عليهم فناداهم بأسمائهم: «يا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟». فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال: «والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».
وفي أمر الأسرى، روى مسلم من حديث ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أن النبي ﷺ استشار أبا بكر وعمر، فأشار أبو بكر بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فمال النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. وفُدي الأسرى بمال، وجعل بعضهم فداءه تعليم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة، كما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس، وإسناده حسن عند جمع من أهل العلم. واستُشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا على ما ذكر ابن إسحاق، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وهم أول شهداء الإسلام في القتال.
غزوة أحد
وفي شوال من السنة الثالثة جاءت قريش تطلب الثأر في ثلاثة آلاف مقاتل، فاستشار النبي ﷺ أصحابه، ثم خرج بنحو ألف، فانخذل عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الجيش، وهو رأس المنافقين، كما ذكر ابن إسحاق وهو مشهور ثابت في الصحيحين في الجملة. ثم وضع النبي ﷺ خمسين من الرماة على جبل عيينين، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه. وفي صحيح البخاري من حديث البراء قال: «وقال لهم: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم». فهزم المشركون، فلما رأى الرماة الغنائم قالوا: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ فأبوا، فلما أتوهم صُرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. فأصيب سبعون.
وناله ﷺ في هذه المعركة ما ناله. ففي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أُفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «من يردّهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: «من يردّهم عنا وله الجنة...» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعة. وفي مسلم أيضًا أن رباعيته كُسرت وشُجّ في وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟» فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وفي البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: «رأيت يد طلحة شلّاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد».
وقُتل في الغزوة عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، قتله وحشي بن حرب غلام جبير بن مطعم، كما في صحيح البخاري من حديث جعفر بن عمرو، وفيه أن وحشيًّا أسلم بعد ذلك. وأما التمثيل بجسد حمزة رضي الله عنه وما فعلته هند، فمذكور عند ابن إسحاق وغيره من أهل السير. واستشهد مصعب بن عمير رضي الله عنه، وفي البخاري عن خباب بن الأرت: «قُتل مصعب بن عمير يوم أحد ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه خرج رأسه، فقال لنا النبي ﷺ: غطّوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر». وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن أنس بن النضر عمّه قال لسعد بن معاذ: «يا سعد بن معاذ، الجنة وربّ النضر، إني أجد ريحها من دون أحد». قال أنس: «فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم».
ثم نزلت الآيات في سورة آل عمران تعالج الهزيمة بالمواساة والتربية: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وصاح أبو سفيان بعد المعركة: «أفي القوم محمد؟» فقال النبي ﷺ: «لا تجيبوه»، ثم سأل عن أبي بكر وعمر، ثم قال: «اعلُ هبل»، فقال النبي ﷺ: «ألا تجيبوا له؟ قولوا: الله أعلى وأجلّ»، كما في البخاري. وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله في الصحيحين: «أُحُدٌ جبلٌ يحبّنا ونحبّه».
بئر معونة والرجيع، ثم بنو النضير
وفي السنة الرابعة وقعت فاجعتان: في الرجيع، حيث غُدر بنفر من الصحابة، وفي بئر معونة حيث قُتل نحو سبعين من القراء، كما في الصحيحين. وفي البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قنت شهرًا يدعو على قبائل رعل وذكوان وعصيّة، وقال: «ما رأيته وجد على أحد ما وجد عليهم». وفي قصة خُبيب بن عدي رضي الله عنه أسير الرجيع، ففي البخاري من حديث أبي هريرة: «وكان خبيب هو سنّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتل صبرًا»، فقد صلى ركعتين قبل أن يُقتل.
ثم أجلى النبي ﷺ بني النضير عن المدينة بعد أن نقضوا العهد وهمّوا بالغدر، على ما ذكر ابن إسحاق وابن كثير، وفيهم نزلت سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِم لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.
غزوة الأحزاب (الخندق)
وفي شوال من السنة الخامسة تحزّبت قريش وغطفان وسائر القبائل في نحو عشرة آلاف، وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، على ما ذكر أهل السير. وفي صحيح البخاري عن البراء رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الأحزاب حتى أغمر بطنه، أو اغبرّ بطنه، يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا، فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا، إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا». وفي البخاري من حديث جابر رضي الله عنه أنهم أصابهم جوع شديد، وربط النبي ﷺ حجرًا على بطنه، فصنع جابر لهم طعامًا قليلًا من شاة وصاع شعير، فدعا النبي ﷺ أهل الخندق وهم ألف تقريبًا فأكلوا حتى شبعوا والقدر تغطّ كما هي. ويذكر أحمد والنسائي قصة الصخرة التي ضربها النبي ﷺ فبرقت وبشّر بفتح الشام وفارس واليمن، وفي إسنادها مقال عند بعض أهل العلم، وإن كان مضمونها قد ثبت بأحاديث صحيحة، منها قوله ﷺ في البخاري: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده».
وصوّر القرآن شدة الموقف: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. ونقضت بنو قريظة العهد. وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ أرسله ليلًا يأتيه بخبر القوم في ريح شديدة وبرد قارس، وقال له: «لا تُحدِثنّ شيئًا حتى تأتيني». فدخل في عسكرهم فرأى الريح تقلب قدورهم وتطفئ نيرانهم، وسمع أبا سفيان يأمر بالرحيل، فرجع بالخبر. فأنزل الله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وقال ﷺ: «نُصرتُ بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور». وقال بعد انصرافهم، كما في البخاري: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم».
وبعد الأحزاب سار النبي ﷺ إلى بني قريظة لنقضهم العهد، وفي الصحيحين: «لا يُصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة». فلما نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه قال النبي ﷺ حين جاء: «قوموا إلى سيدكم»، فحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ: «لقد حكمتَ فيهم بحكم الله». وفي الصحيحين أن سعدًا أصيب في الأكحل يوم الخندق، وفي البخاري: «اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ».
حادثة الإفك
وبعد غزوة بني المصطلق حدثت أشدّ محنة مرّت بأهل بيت النبي ﷺ: حادثة الإفك. روى البخاري ومسلم حديثها الطويل عن عائشة رضي الله عنها: أنها خرجت مع النبي ﷺ في تلك الغزوة، فضاع عقدها فرجعت تبحث عنه، فرحل القوم ظانّين أنها في هودجها، فتخلّفت، ثم جاء صفوان بن المعطّل السلمي رضي الله عنه فعرفها، فاسترجع، وأناخ راحلته فركبتها وقاد بها حتى بلغوا الجيش. فأشاع المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول القالةَ الكاذبة، وتأثر بها بعض المؤمنين، وانقطع الوحي شهرًا يعاني النبي ﷺ فيه من الألم. وقالت عائشة: لما أخبرها أبواها بأن النبي ﷺ قال إن كانت بريئة فسيبرئها الله، قالت: «والله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾». فأنزل الله براءتها في عشر آيات من سورة النور أولها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾. ولما قال لها أبوها: قومي إليه، قالت: «لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله». ففي هذه القصة ما يعلّمنا الصبر على ألم التهمة، وحرمة أعراض المؤمنين، وأنّ ما يُظنّ شرًّا قد يكون خيرًا: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
صلح الحديبية
وفي ذي القعدة من السنة السادسة خرج النبي ﷺ معتمرًا في نحو ألف وأربعمائة من أصحابه، كما في البخاري من حديث جابر رضي الله عنه، ومعه الهدي لا يريد قتالًا. فلما اقتربوا من مكة بركت ناقته القصواء، فقالوا: خلأت القصواء، فقال: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخُلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». وأرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي، فرأى تعظيم الصحابة لنبيّهم حتى قال: «والله إن تنخّم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه». وأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش، فشاع أنه قُتل، فدعا النبي ﷺ أصحابه إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة، قال الله تعالى فيها: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
وجاء سهيل بن عمرو فكتبوا الصلح. وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب أنهم كتبوا: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما منعناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال لعلي: «امحُ رسول الله»، فقال علي: لا والله لا أمحوها، فأخذ النبي ﷺ الكتاب فمحاه بيده. وشروطه: هدنة عشر سنين، وأن من جاء قريشًا من أصحاب محمد لم يردّوه، ومن جاء محمدًا من قريش بغير إذن وليّه ردّه إليهم، وأن يرجع هذا العام ويعتمر من قابل في ثلاثة أيام.
وشقّ هذا على الصحابة. قال عمر رضي الله عنه: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: «بلى»، قال: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري». وجاء أبو جندل يرسف في قيوده فردّه النبي ﷺ تنفيذًا للعهد، وقال له: «اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا». ثم أمر الصحابة أن ينحروا ويحلقوا فلم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فأشارت عليه أن يخرج فينحر ويحلق دون أن يكلّم أحدًا، ففعل، فقاموا ينحرون ويحلقون. وفي طريق العودة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم». وكان كذلك، إذ دخل الناس في الإسلام في هذه الهدنة أكثر ممّا دخلوا قبلها، حتى قال الزهري في ما نقله البخاري: «فما فُتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية».
كتبه إلى الملوك
وبعد الحديبية أرسل النبي ﷺ كتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتّبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا...﴾». وسأل هرقل أبا سفيان وكان يومئذ في الشام تاجرًا عن حال النبي ﷺ: عن نسبه وصدقه وأتباعه وهل غدر وبماذا يأمر. فقال أبو سفيان فيما قال: «يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة». فقال هرقل: «إن يكن ما تقول فيه حقًّا فإنه نبي».
وأما كسرى، ففي البخاري أنه مزّق كتاب النبي ﷺ، فقال ﷺ: «مزّق الله ملكه». وذكر أهل السير أن النجاشي والمقوقس وغيرهما ردّوا ردودًا مختلفة. وكان للنبي ﷺ خاتم من فضة نقشه: محمد رسول الله، ثلاثة أسطر، كما في البخاري، اتخذه ليختم به كتبه.
خيبر وعمرة القضاء
وفي المحرم من السنة السابعة سار النبي ﷺ إلى خيبر، وكانت حصونًا لليهود. ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ، فأعطاه الراية، فقال علي: «أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟» فقال: «انفُذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النعم».
وفي البخاري عن أنس رضي الله عنه أن امرأة يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها؟ قال: «لا». وفي البخاري تعليقًا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في مرضه: «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهري من ذلك السم». وفي ذي القعدة من السنة نفسها اعتمر النبي ﷺ عمرة القضاء، فدخل مكة وأقام فيها ثلاثة أيام، وتزوج ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وهو محرم على قول ابن عباس في الصحيحين، وفي ذلك خلاف بين الصحابة، ورجح كثير من العلماء رواية ميمونة نفسها أنه تزوجها وهو حلال.
غزوة مؤتة
وفي جمادى الأولى من السنة الثامنة بعث النبي ﷺ جيشًا إلى مؤتة في أرض الشام، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة»، كما في البخاري. وفي البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم». وهو خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي حفظ الجيش وانسحب به. وعدّ ابن عمر في الجراحات التي في جسد جعفر رضي الله عنهما بضعًا وتسعين بين طعنة وضربة، ليس فيها شيء في دبره، كما في البخاري.
فتح مكة
ثم كان الفتح الأعظم في رمضان من السنة الثامنة. وسببه أن بني بكر حلفاء قريش اعتدوا على خزاعة حلفاء النبي ﷺ فأعانتهم قريش، فنقضوا العهد، كما ذكر ابن إسحاق. فسار النبي ﷺ بعشرة آلاف من المسلمين، ونزل مرّ الظهران، فأوقدوا نيرانًا كثيرة، وخرج أبو سفيان يتجسّس فأخذه العباس رضي الله عنه وأتى به النبي ﷺ فأسلم، وقال النبي ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»، كما في الصحيح وفي رواية مسلم: «ومن ألقى السلاح فهو آمن».
ودخل النبي ﷺ مكة في صبيحة العشرين من رمضان على ما ذكره بعض أهل السير، وفي البخاري عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: «رأيت النبي ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح»، وفي رواية أنه كان يرجّع. وذكر أهل السير أنه دخل مطأطئًا رأسه تواضعًا حتى كادت لحيته تمسّ واسطة الرحل. ثم طاف بالبيت، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾».
وخطب الناس عند باب الكعبة، فقال كما في صحيح البخاري ومسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وروى ابن إسحاق أنه قال لقريش: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعلٌ فيكم؟» قالوا: «خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم». قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذه الرواية مشهورة ولكنها مرسلة ولا يصح إسنادها، أما مضمونها من العفو العام فمستفاد من الأحاديث الصحيحة في الأمان العام. وكذلك ما يُنسب إليه من قوله: «لا تثريب عليكم اليوم» على نسق يوسف عليه السلام فمذكور في كتب السير وفي ثبوته مقال، فلا يُجزم به.
وثبت في الصحيح عفوه عن كثيرين من أعدى أعدائه. ففي صحيح مسلم أن صفوان بن أمية رضي الله عنه قال: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ». وأمر بقتل نفر قليل لجرائمهم، منهم عبد الله بن خطل الذي وُجد متعلقًا بأستار الكعبة، كما في البخاري. وأمر بلالًا أن يؤذن على الكعبة، ويذكر أهل السير أنه أخذ مفتاحها من عثمان بن طلحة ثم ردّه إليه، ونزل في الأمانة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ على ما ذُكر في بعض كتب التفسير، وإسناد سبب النزول فيه ضعف. وأقام النبي ﷺ في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، كما في البخاري من حديث ابن عباس.
غزوة حنين
وفي شوال من العام نفسه جمعت هوازن وثقيف جموعها، فخرج إليهم النبي ﷺ باثني عشر ألفًا، وقال بعض المسلمين: لن نُغلب اليوم من قلة. وجاء في القرآن: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ثبت يومئذ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». ثم نزل ودعا واستنصر، وقال لعمّه العباس: «ناد أصحاب الشجرة»، فأقبلوا يقولون: لبيك لبيك، فكرّوا وانتصروا.
وجاء التقسيم في الجعرانة، فأعطى النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم عطايا كبيرة، فتكلم بعض شباب الأنصار، فجمعهم وقال كما في الصحيحين: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ ... أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكتُ شعب الأنصار». فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا. وجاء وفد هوازن مسلمين فردّ إليهم سباياهم وأموالهم على ما ذكره أهل السير، وفي صحيح البخاري ما يوافقه.
غزوة تبوك
وفي رجب من السنة التاسعة خرج النبي ﷺ إلى تبوك في جيش العسرة، وكان الحرّ شديدًا والمسافة بعيدة. وكان الناس في ضيق من المال، فحثّ على الإنفاق، وجاء أبو بكر بماله كله كما في الترمذي وأبي داود من حديث عمر رضي الله عنه، قال: «فقلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا»، وحسّن إسنادها جمع من أهل العلم. وتخلّف قوم من المنافقين بعذر كاذب، وتخلف ثلاثة من الصادقين: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم، وقصتهم في الصحيحين من حديث كعب الطويل: أنه لما أخبر النبي ﷺ بالصدق ولم يعتذر بكذب أُمر بهجر الناس لهم خمسين ليلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم. وكتب إليه ملك غسان يدعوه إلى اللحاق به، فقال كعب: «وهذا أيضًا من البلاء»، فتيمّم به التنور فسجره. ثم نزلت توبتهم، فأتاه المبشّر، فخلع كعب ثوبيه فكساهما إياه، وقال: «يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله»، فقال: «أمسِك عليك بعض مالك فهو خير لك». قال كعب: «فوالله ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني». ونزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾.
وفي تبوك لم يكن قتال، فصالح النبي ﷺ أهل أيلة وغيرهم على الجزية. وخلّف عليًّا على أهله، فقال: يا رسول الله، تخلّفني في الصبيان والنساء؟ قال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي»، كما في الصحيحين. وأمر النبي ﷺ بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، وقد ذكره القرآن: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
عام الوفود
وتتابعت وفود العرب بعد الفتح وتبوك، حتى سُمّيت السنة التاسعة «سنة الوفود». وفي الصحيحين وفود عبد القيس وتميم وغيرهم. وجاء وفد نجران النصارى فجادلوه، فنزل قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ آية المباهلة. وفي البخاري من حديث حذيفة رضي الله عنه أن العاقب والسيد جاءا يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعَنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالا: «نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا»، فقال النبي ﷺ: «لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حقّ أمين»، فاستشرف لها أصحابه، فبعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه.
وأقبل الناس على الإسلام. وفي هذه السنة نزلت سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر كان يُدخله مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فسألهم عن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
لمحات من أخلاقه ﷺ في بيته ومع الناس
وقبل أن نبلغ ختام السيرة نقف عند ما صحّ من خلقه ﷺ. فقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه فقالت كما في صحيح مسلم: «كان خلقه القرآن». وقال أنس رضي الله عنه، وقد خدمه عشر سنين، كما في الصحيحين: «ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟». وقالت عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: «ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حرمة الله». وفي صحيح مسلم أيضًا عنها: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله».
وسُئلت عائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت كما في البخاري: «كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة». وفي مسند أحمد بإسناد صحيح: «كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم». وقالت: «كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه». وفي البخاري عن عائشة: «إنا كنا آل محمد ﷺ نمكث شهرًا ما نستوقد نارًا، إن هو إلا التمر والماء». وفي صحيح البخاري أيضًا قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض».
وابنه إبراهيم من مارية القبطية رضي الله عنها وُلد في المدينة ومات رضيعًا، وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنه دخل عليه ﷺ وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه ﷺ تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». وكسفت الشمس يوم موته، فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم، فقال ﷺ، كما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلّوا حتى ينكشف ما بكم». فرفض أن يُستغلّ حزنه معجزةً زائفة.
حجة الوداع
وفي السنة العاشرة أعلن النبي ﷺ أنه سيحجّ، فاجتمع إليه خلق كثير، ويذكر ابن كثير أنهم نحو تسعين ألفًا أو أكثر، وقيل غير ذلك. وقد روى مسلم حديث جابر الطويل في وصف حجته ﷺ. ومن أعظم ما فيه خطبته يوم عرفة في بطن الوادي: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله... وقد تركتُ فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: «نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت»، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات.
ويروي البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه خطبته ﷺ في منى يوم النحر: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه».
وفي عرفة نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وفي الصحيحين أن رجلًا من اليهود قال لعمر: «يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا»، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر: «إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة». وقد فهم بعض الصحابة، كما يذكر العلماء، أن الآية نعي لرسول الله ﷺ لأن الكمال بعده النقصان.
وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي ﷺ خطب بماء يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة، فقال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي»، ثلاث مرات.
مرض النبي ﷺ ووداع أصحابه
وفي آخر صفر أو في أوائل ربيع الأول من السنة الحادية عشرة بدأ به المرض. وقبل ذلك جهّز جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى الشام. وفي صحيح البخاري من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: «صلّى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها». وقال عقبة: «فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ على المنبر».
واشتد به الوجع وهو في بيت ميمونة رضي الله عنها، فاستأذن أزواجه أن يُمرَّض في بيت عائشة فأذنّ له، كما في الصحيحين. فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه الأرض. وقالت عائشة: «وارأساه»، فقال: «ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك»، كما في البخاري. وفي البخاري عن عائشة: «لما ثقل النبي ﷺ واشتدّ وجعه استأذن أزواجه أن يُمرَّض في بيتي فأذنّ له». وقال: «هَرِيقوا عليّ من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهنّ، لعلي أعهد إلى الناس»، فأجلسوه في مخضب لحفصة ثم طفقنا نصبّ عليه تلك، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتنّ، ثم خرج إلى الناس فصلّى بهم وخطبهم.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. فبكى أبو بكر الصديق، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خُيّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ: إن من أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدّ إلا باب أبي بكر».
وأوصى ﷺ في آخر أيامه بما جمعه أنس رضي الله عنه: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغرها في صدره وما يكاد يفيض بها لسانه»، رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح.
وأمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» ثلاثًا، ثم قال: «إنكنّ صواحب يوسف». وفي الصحيحين أنه وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين، أحدهما العباس، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر، فأومأ إليه أن لا تتأخر، وقال: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر.
يوم الإثنين: آخر النظرات
ويروي البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه بينما المسلمون في صلاة الفجر يوم الإثنين وأبو بكر يصلّي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف، ثم تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظنّ أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم أن أتمّوا صلاتكم، وأرخى الستر، فتُوفي من يومه ذلك.
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: «إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته: دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفتُ أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: أليّنه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فليّنته، فأمرّه، وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قُبض ومالت يده.
وقالت أيضًا: «كان رجال يرون أنه لا يموت حتى يخيَّر، فلما سمعتُ النبي ﷺ يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، علمتُ أنه لم يختر الدنيا». وهكذا انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى يوم الإثنين من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، ويذكر ابن إسحاق أنه الثاني عشر منه وهو المشهور، وفيه خلاف في الحساب، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة على الصحيح، كما في الصحيحين من حديث عائشة وغيرها، وفي رواية غير ذلك.
وفي الصحيحين من حديث عائشة قصة فاطمة رضي الله عنها: «دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه الذي قُبض فيه، فسارّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارّها فضحكت. فسألتها عن ذلك، فقالت: سارّني النبي ﷺ فأخبرني أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارّني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه فضحكت». وفي رواية أنه أخبرها أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة وأنه عارضه العام مرتين، وما أراه إلا حضر أجلي. وفي الحديث نفسه أنه قال لها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟».
موقف الصديق بعد الوفاة
وأصاب الناس ذهول عظيم. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر أقبل على فرسه من مسكنه بالسنح، فنزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمّم رسول الله ﷺ وهو مسجّى ببرد حِبَرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله وبكى، ثم قال: «بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها».
ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: «على رسلك يا عمر، أنصت»، فأبى عمر أن ينصت، فأقبل أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وتلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قال عمر: «فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها». وقال عمر: «فوالله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر تلاها فعقرتُ حتى ما تُقلّني رجلاي، وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمتُ أن النبي ﷺ قد مات».
الغسل والتكفين والدفن
وتولّى غسله أهل بيته: علي والعباس والفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولاه رضي الله عنهم، على ما ذكر أهل السير، وفي بعضه كلام. وكُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة، كما في الصحيحين من حديث عائشة. وصلّى عليه المسلمون أفرادًا، يدخلون فرقًا فرقًا بلا إمام، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره. ودُفن في حجرة عائشة رضي الله عنها حيث قُبض. وروى الترمذي من حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «ما قُبض نبي إلا دُفن حيث يُقبض»، وقد قاله أبو بكر حين اختلفوا في موضع دفنه، فحُفر له في موضع فراشه.
ثم اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وجرى التشاور الذي انتهى ببيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول الله ﷺ، ثم بايعه الناس البيعة العامة، كما ورد مفصلًا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس عن عمر. وكان أول أعمال أبي بكر أن أنفذ جيش أسامة، فحقّق به وصية النبي ﷺ.
ماذا ترك ﷺ؟
وفي صحيح البخاري عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه: «ما ترك رسول الله ﷺ إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة». وعن عائشة رضي الله عنها: «توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير». ما أعظم هذه الشهادة: رجل ملك الله له جزيرة العرب، ودخل الناس في دينه أفواجًا، وجبيت إليه الغنائم والأموال، ومات وهو على هذه الحال من التقشف والزهد. وقد قال الله تعالى مخاطبًا إياه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
خلاصة السيرة المدنية
عاش النبي ﷺ في المدينة عشر سنين تقريبًا، وكانت سنوات بناء: بناء مسجد ومجتمع ودولة وتشريع، وتثبيت العقيدة والأخلاق وإقامة العدل. خاض خلالها نحو سبع وعشرين غزوة قاتل في بعضها، وبعث عشرات السرايا على ما ذكر أهل السير، وتعدّدت الروايات في الأعداد والتفاصيل، فلا نجزم بها. وفي كل تلك الحروب كان القتال دفاعًا عن الدعوة وحرية الدين ورد العدوان، وكان يوصي قادة الجيوش، كما في صحيح مسلم من حديث بريدة: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدًا».
وختم الله حياته الشريفة بعد أن أتمّ الدين، فلم يُحدث بعده نبي، ولم يبق بعده إلا الكتاب والسنة. وقد قال ﷺ في الصحيحين: «إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وُضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين».
