لماذا نزلت قصة الفتية؟
أصحاب الكهف قصة قرآنية ثابتة، ورد خبرها في مطلع سورة الكهف، وهي من السور المكية. وجاء في كتب التفسير والسيرة، كابن كثير والطبري وابن إسحاق، أن قريشًا أرسلت إلى أحبار اليهود في المدينة تسألهم عن أمر محمد ﷺ، فقالوا: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، وعن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، فإن أخبركم بها فهو نبي. وهذا السبب مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سيرة ابن إسحاق وتفسير الطبري، وإسناده فيه ضعف، فالأولى أن نقول إنه مشهور في كتب التفسير والسير ولا يبلغ درجة الصحيح، لكن مضمون القصة لا يتوقف عليه، فهي ثابتة بنص القرآن الكريم.
ويذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ وعدهم أن يخبرهم «غدًا» ولم يقل إن شاء الله، فتأخر الوحي أيامًا، ثم نزلت سورة الكهف وفيها قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ومعنى الأمر ثابت لا ريب فيه، وهو أن المؤمن لا يجزم بمستقبله إلا معلّقًا على مشيئة الله.
ومما صحّ في فضل هذه السورة ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال». وفي رواية لمسلم: «من آخر سورة الكهف». وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشّته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن». وأما فضل قراءتها يوم الجمعة وأنها تضيء لقارئها من النور ما بين الجمعتين، فقد رواه الحاكم والبيهقي وصحّحه جمع من المحدثين، فهو من الأحاديث التي اعتمدها أهل العلم في استحباب قراءتها يوم الجمعة.
عرض القرآن للقصة: التشويق أولًا
بدأ القرآن القصة بسؤال يُحرّك العقل: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. قال المفسرون ومنهم ابن كثير: أي ليس أمرهم عجبًا بالنسبة إلى قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر أعجب من ذلك. فالقصة ليست غاية العجب، لكنها آية من آيات الله تدل على قدرته وعلى البعث.
وأما «الرقيم» فقد اختلف فيه المفسرون: فقيل هو لوح مكتوب كُتبت فيه أسماؤهم وقصتهم ووُضع على باب الكهف، وهو قول مروي عن مجاهد وغيره، وقيل هو اسم الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف، وقيل غير ذلك. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ما أدري ما الرقيم»، وهذا نقله الطبري وابن كثير. فنقول ما قاله الأئمة: الله أعلم بالرقيم، ولا يتوقف فهم القصة عليه.
الفتية يلجؤون إلى الله
ثم يقصّ القرآن الخبر: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. هؤلاء فتية، أي شبّان، لجؤوا إلى الكهف فرارًا بدينهم، وكان أول ما فعلوه أن رفعوا أيديهم إلى الله بالدعاء. قال ابن كثير رحمه الله: «ذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل». وقد أثنى الله عليهم فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
وتصف الآيات موقفهم المشهور: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. والربط على القلوب تثبيتها وإلهام الصبر. وقال المفسرون: قاموا بين يدي ملك قومهم أو في موقف عرضوا فيه إيمانهم، فأعلنوا التوحيد على رؤوس الأشهاد. ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. أي: هلّا أقاموا دليلًا واضحًا على ألوهية ما يعبدون؟ ففي هذه العبارة قاعدة عظيمة: أن الدين لا يُقبل بلا برهان، وأن العقائد لا تقوم على تقليد الآباء.
قرار الاعتزال
ثم اتخذوا القرار: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾. وقد استدلّ العلماء من هذه الآية على مشروعية الفرار بالدين عند الفتنة إذا عجز المرء عن إظهاره وخاف على دينه، وهو معنى مأخوذ من نظائر النصوص. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن». وهذه الآية تعلّمنا أن الاعتزال ليس هروبًا من المسؤولية بقدر ما هو وقاية للدين حين تغلب الفتنة، وأن مع الاعتزال توكّلًا على الله وثقةً برحمته: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾.
ولا يصح أن نجزم بتفصيلات لم يذكرها القرآن عن زمانهم وملكهم ومدينتهم. فقد ذكر بعض المفسرين أنهم كانوا في الروم، وأن الملك المضطهد اسمه «دقيوس»، وأنهم كانوا في مدينة «أفسس»، وسمّوا الفتية بأسماء، وسمّوا الكلب «قطمير»، وذكروا ألوانه وغير ذلك. وهذه الأسماء والتفاصيل لا يشهد لها القرآن ولا صحيح السنة، وهي مما تداولته الإسرائيليات ونقله بعض المفسرين عن أهل الكتاب أو عن مرويات ضعيفة، فلا نُثبتها. والقاعدة التي قررها ابن كثير وغيره أن ما سكت عنه القرآن في هذه القصة فلا فائدة من البحث عنه إلا بخبر صحيح، فنسكت عمّا سكت عنه القرآن. ومعنى ما قرره ابن كثير عند قوله تعالى ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ أن الأولى في مثل هذا عدم التكلف والاشتغال بما لا طائل تحته.
النوم الطويل
ثم يقول الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾. والضرب على الآذان كناية عن الإنامة العميقة التي لا يوقظ صاحبها صوت. ثم يقول: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. وقال المفسرون: الحزبان هما الفتية والقوم، أو الطائفتان المتنازعتان لاحقًا في مدة لبثهم.
ويصف القرآن حال أجسادهم في الكهف وصفًا مدهشًا: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾. أي إن الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم يمينًا، وعند غروبها تتجاوزهم شمالًا، فلا تصيبهم مباشرة بحرّها وهم في متسع من الكهف، وقد عدّها القرآن من آيات الله: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾. ومعنى ذلك عند المفسرين أن الله هيّأ لهم موضعًا يحفظ أجسادهم من أذى الشمس مع مرور الهواء.
ثم يقول: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. ففي الآية ثلاثة معان: أن أعينهم تبدو مفتوحة فيظنّهم الناظر أيقاظًا، قاله بعض المفسرين، وأن الله يقلّبهم في نومهم لئلا تأكل الأرض أجسادهم، وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، أي بعتبة الكهف أو فنائه. وقال أهل التفسير: ومن حكمة هذا التقليب حفظ أجسادهم. وأما الهيبة والرعب اللذان يصيبان من يطّلع عليهم فهو من حفظ الله لهم وحمايتهم من الأعين.
ويلاحظ أن القرآن ذكر الكلب ولم يذكر أنه كلب صيد أو حراسة، وذكر أنه معهم، وقد أخذ بعض العلماء من هذا فضل صحبة الصالحين، فقد ذُكر الكلب في كتاب الله تعالى بسبب مصاحبته أهل الإيمان، وإلى هذا المعنى ذهب بعض أئمة التفسير. ومعنى ما ذكره السعدي في تفسيره أن هذا من بركة صحبة الأخيار، حتى إن كلبهم المقتفي أثرهم قد حصل له من الخير ما ذكره الله.
البعث والسؤال
ثم يقول سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.
ويستفاد من هذه الآية فوائد جمّة: أن البعث بعد النوم يشبه بعث الموتى، وأن الفتية استيقظوا يظنون أنهم ناموا ليلة أو بعض يوم، وأنهم ردّوا علم المدة إلى الله، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. وهذا أدب في العلم: أن يردّ الإنسان ما لا يعلم إلى الله. وأنهم مع ذلك أخذوا بالأسباب؛ فأرسلوا واحدًا منهم بالنقود التي معهم، وهي «الورق»: الفضة أو الدراهم. وأوصوه بوصايا عملية: أن ينظر إلى أطيب طعام يشتريه، أي أحلّه وأنقاه، قال المفسرون: لأن الذبائح كانت فيها ما يُذبح للأصنام، وأن يتلطف ولا يلفت إليهم الأنظار.
ثم عللوا هذه الاحتياطات: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. والمعنى: إن عرفوا مكانكم قتلوكم رجمًا بالحجارة أو أكرهوكم على الكفر. وهم يعلمون أن الخطر الأكبر عليهم ليس القتل فقط، بل الردة. فتأمل كيف خافوا على دينهم أكثر مما خافوا على أجسادهم، فقالوا: ﴿وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
العثور عليهم
ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾. أي كما أنمناهم وبعثناهم، أطلعنا الناس عليهم ليعلموا أن وعد الله بالبعث حق. وقد ذكر المفسرون أن أهل ذلك الزمان كانوا مختلفين في أمر البعث، فمنهم المؤمن به ومنهم المنكر، فجعل الله هذه الحادثة حجةً على إمكان البعث.
والآية دالة على أن المدة التي مضت قد غيّرت أحوال القوم والمدينة، فتغيّر ما كان يعرفه الفتية من الأمر، ولما ظهر أمرهم اختلف الناس: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾. وقد وقف ابن كثير عند هذه الآية فقال: إن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم قد اختلف في أمرهم: هل هم محمودون أو مذمومون؟ وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تحذّر ما صنعوا. فالآية لا تدل على جواز بناء المساجد على القبور، بل جاء النهي عنها في السنة الصحيحة. فهي حكاية لما قالوه لا إقرار لفعلهم، وهذا مما يؤكد ضرورة فهم القرآن بالسنة.
عدّتهم ومدة لبثهم
وفي موضوع عدد الفتية يقول القرآن: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾. ولاحظ العلماء أن القرآن وصف القولين الأولين بأنهما «رجمًا بالغيب»، أي ظنًّا بلا علم، وسكت عن وصف القول الثالث. فاستنتج بعض المفسرين أن الصحيح أنهم سبعة وثامنهم كلبهم. وقد ذكر ابن كثير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أنا من القليل الذين استثنى الله، كانوا سبعة»، ونقله الطبري وغيره بأسانيد متعددة. وهذا الذي رجّحه ابن كثير، ولكنه ليس حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وإنما هو استنباط صحابي جليل من الآية. وقد جاء الأمر الإلهي بعدم المجادلة فيه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، أي لا تجادل إلا جدالًا ظاهرًا لا تعمّق فيه، ولا تسأل أحدًا من أهل الكتاب عنهم.
وهذه قاعدة تربوية عظيمة: أن بعض الأسئلة لا نفع لها، وأن العلم النافع في القصة هو العبرة لا التفاصيل. قال ابن كثير ما معناه: إن الخلاف في عدتهم لا فائدة فيه ولا ثمرة، فاللائق رد علمه إلى الله وترك الجدل فيه.
ثم يبيّن القرآن مدة اللبث: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ثم عقّب بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. وذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ إخبار من الله عز وجل بمدة لبثهم، وهو الظاهر الذي رجّحه ابن كثير وغيره. وقالوا: إن الثلاثمائة بالحساب الشمسي توافق ثلاثمائة وتسعًا بالحساب القمري، لزيادة نحو ثلاثة أيام عن كل ثلاث وثلاثين سنة، وهو تفسير مشهور ذكره القرطبي وغيره، وهو اجتهاد في بيان المعنى. وذهب آخرون إلى أن الآية حكاية لقول أهل الكتاب، ثم جاء الرد: «الله أعلم بما لبثوا»، وهو قول مروي عن قتادة ورجّح ابن كثير الأول.
مكان الكهف وزمانه
وأما مكان الكهف وزمانه، فلا يوجد نص صحيح يعيّنهما. وقد نقل المفسرون في موضعه أقوالًا: فقيل إنه قرب مدينة أفسس، وقيل بأرض أخرى، وقيل غير ذلك، ولم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة ما يحسم الأمر. كما أن تعيين زمنهم بعهد ملك بعينه من ملوك الروم مما تناقلته الكتب ولم يثبت. ولذلك فإن أي موقع يدعيه الناس في بلد من البلاد ينبغي أن يُعامل على أنه من الاجتهاد التاريخي لا من الثابت الشرعي. والمقصود الشرعي من القصة لا يتوقف على هذا كله.
تنبيه: لا تخلط بين الكهف وحديث الثلاثة المحبوسين
وربما اختلط على بعض الناس خبر أصحاب الكهف بخبر آخر ثابت في الصحيحين، وهو قصة ثلاثة نفر من الأمم السابقة دخلوا غارًا فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم باب الغار. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدعُ كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه». فدعا أحدهم ببرّه بوالديه، ودعا الثاني بعفّته عن الحرام مع قدرته عليه، ودعا الثالث بأمانته في حفظ أجر أجير ثم ردّه له مضاعفًا، ففُرّجت الصخرة. فهذه قصة أخرى مروية في السنة، ليس فيها نوم طويل ولا فتية آمنوا في وجه ملك، ولا هي المقصودة بآيات سورة الكهف.
مواضع العبرة
أولًا: الفرار بالدين عند الفتنة والاعتصام بالله. فالفتية لما اشتدّ عليهم الحال لم يتحايلوا على دينهم، ولم يقولوا: نجامل القوم ونُبقي إيماننا في قلوبنا إلى حين، بل خرجوا. وهي صورة مبكرة من صور ما يُعرف بالهجرة بالدين، وقد خرج الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى الحبشة والمدينة بمعنى قريب منها.
ثانيًا: دعاؤهم ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ دعاء جامع يُحفظ ويُدعى به عند الشدائد. فهو جمع بين طلب الرحمة وطلب الرشد.
ثالثًا: الإيمان بالبعث. فالله جعلهم دليلًا يراه الناس بأعينهم على أن من أنام فتية ثلاثة قرون ثم أيقظهم قادر على بعث الأموات. وهذا هو المقصد الذي نصّت عليه الآية: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾.
رابعًا: الأخذ بالأسباب مع التوكل. فهم فرّوا إلى الكهف واثقين برحمة الله، ثم أرسلوا من يشتري طعامًا وأوصوه بالتخفّي، فلم يقولوا: الله حافظنا فلا حاجة إلى حذر. فالإيمان بالقدر لا يلغي الحذر.
خامسًا: رد علم الغيب إلى الله. قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، وأمر الله نبيّه أن يقول: ﴿رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. وفي هذا تأديب للعقل المسلم ألا يتكلف ما ليس له به علم، وألا يخوض في الأرقام والأسماء والأمكنة التي لم يثبت فيها نص.
سادسًا: أثر الصحبة الصالحة. فقد وصل أثر صحبة الفتية إلى كلبهم، كما بيّن المفسرون. وقد أمر الله نبيّه في السورة نفسها بما يوافق ذلك: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير» رواه البخاري ومسلم.
سابعًا: أن النصر والرحمة قد يأتيان من حيث لا يحتسب العبد. فالفتية دخلوا الكهف لا يملكون إلا الإيمان، فأحاطهم الله بحفظه: حرّك الشمس عن كهفهم، وقلّب أجسادهم، وألقى الرعب على من يطّلع عليهم، ثم أخرجهم في الوقت الذي أراده.
خاتمة: قصة تُقرأ في كل جمعة
وإنما استُحبّ للمسلمين قراءة سورة الكهف في الجمعة، كما روي في الأحاديث التي ذكرناها، لأن فيها قصصًا أربعة، ذكر بعض أهل العلم أنها تعالج أربع فتن: فتنة الدين في قصة أصحاب الكهف، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين. وقد جاء في الحديث الصحيح أن حفظ أوائل السورة أو أواخرها عاصم من فتنة الدجال، وهي أعظم فتنة في الدنيا. وهذه الفتن الأربع ستُذكر في القصص التالية من هذه الدفعة.
وحقيقة هذه القصة أن الله سبحانه يحفظ من لجأ إليه، وأن من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، وأن الدنيا بأحداثها مهما طالت فهي كأنها يوم أو بعض يوم عند من يُبعث ويرى حقيقة الأمر، وهو المعنى الذي قال الله فيه في موضع آخر من كتابه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.
