Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

علي وأبو بكر: كيف عادت القلوب بعد شهور من الحزن

علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وفاطمة رضي الله عنهم

في الأشهر الأولى بعد وفاة النبي ﷺ حدث بين آل بيت النبي ﷺ والخليفة أبي بكر رضي الله عنه حزن وتوقف، ثم عاد الصفاء. والقصة رواها البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، وفيها دروس في أدب الخلاف وأمانة الراوي في نقل ما يبدو غير مريح، دون تحريف ولا تهويل.

مطالبة فاطمة بميراث النبي ﷺ

تروي عائشة رضي الله عنها أن فاطمة عليها السلام ابنة النبي ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَك وما بقي من خُمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورَث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال. وإني والله لا أغيّر شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله ﷺ. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا.

قالت عائشة: فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تكلمه حتى توفيت. وعاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر. هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي. وقد أراد أبو بكر التزام نصّ سمعه من النبي ﷺ، فلم يكن يمنعها حقًّا يملكه، بل أمرًا قد قضى فيه النبي ﷺ، وقد وافقه على روايته عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد، كما في حديث مالك بن أوس في الصحيحين حين تخاصم علي والعباس إلى عمر.

وفاة فاطمة ودفنها

لما توفيت فاطمة رضي الله عنها دفنها زوجها علي ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي. وفي لفظ البخاري: فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلًا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها علي. وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر.

علي يبعث إلى أبي بكر

فأرسل علي إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية لمحضر عمر. فقال عمر لأبي بكر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينّهم. فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي ثم قال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفَس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددتَ علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبًا. فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر.

فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابةُ رسول الله ﷺ أحبُّ إليّ أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آلُ فيها عن الخير، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلّفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي فعظّم حق أبي بكر وحدّث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكار للذي فضّله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا. فسُرّ بذلك المسلمون وقالوا: أصبتَ. وكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر بالمعروف.

هل تأخرت بيعة علي ستة أشهر حقًّا؟

يُفهم من لفظ الصحيحين أن عليًّا لم يبايع إلا بعد وفاة فاطمة بنحو ستة أشهر. لكن علماء الحديث والتاريخ جمعوا بين هذا وبين رواية أخرى أصح في الدلالة على المبايعة المبكرة. فقد روى البيهقي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري أن عليًّا والزبير بايعا أبا بكر في اليوم الأول أو في وقت قريب منه، وصحح البيهقي إسناد هذه الرواية. قال البيهقي في ما معناه: إن بيعة علي الأولى ثابتة، وما جرى بعد وفاة فاطمة هو تجديد للبيعة وإزالة لما ظهر من الوحشة بينهما. وبهذا الجمع قال ابن كثير في البداية والنهاية وغيره. وقد نقل مسلم عن الزهري أنه سُئل: أفلم يبايعه أحد من بني هاشم حتى بايعه علي؟ فقال: لا ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. وتفسير العلماء أن عليًّا تخلف عن مجلس السقيفة وعن مشورتها، ثم بايع، وأن كلام الزهري يفيد قصد التجديد العلني بعد فاطمة.

الفوائد

أولًا: أن الصحابة كانوا يصارحون بما في أنفسهم، ثم يرجعون إلى الله وإلى الإخاء. فلم يكن عليّ يخفي أنه رأى لقرابته من النبي ﷺ نصيبًا، ولم يكن أبو بكر يردّ ذلك بغلظة، بل بكى وقال: قرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي.

ثانيًا: أن الإمام الصديق التزم نصًّا سمعه من النبي ﷺ ولو أغضب ذلك أحب الناس إليه. وفي سائر ما يتعلق بمنزلة فاطمة، أخرج البخاري قوله ﷺ: فاطمة بَضعة مني، فمن أغضبها أغضبني. فدلّ على عظم مقامها، وأن الغضب الذي وجدته كان شديدًا على نفسها، لكن لم يثبت عن أبي بكر ما يدل على ظلم، بل ثبت عنه الاعتذار والوفاء. وقد روى البيهقي أن أبا بكر أتاها فرضّاها حتى رضيت (وفي إسناده انقطاع، فلا يُعتمد عليه).

ثالثًا: أن علي بن أبي طالب ختم الأمر بتعظيم حق أبي بكر على المنبر أمام الناس، وبقي في المدينة يستشيره الخلفاء بعد أبي بكر، وهذا هو الذي ينبغي أن يبقى في الذهن عند قراءة مثل هذه الأخبار: أن لحظة الوحشة كانت عابرة، وأن الألفة كانت هي الأصل.

العبرة

الاختلاف على الاجتهاد لا يقطع الأخوة بين أهل الإيمان، والصدق في الاعتذار والبيان يعيد القلوب. وعلى المسلم أن يقرأ أخبار الصحابة بميزان النصوص ولا يبني على الفتنة ما ليس بثابت.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب المغازي (باب غزوة خيبر) وكتاب فرض الخمس؛ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير (باب قول النبي ﷺ: لا نورث ما تركنا فهو صدقة)؛ سنن البيهقي الكبرى؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ فتح الباري لابن حجر.

الدرجة: صحيح في أصل القصة (البخاري ومسلم عن عائشة)؛ وتجديد البيعة والجمع بين الروايات من كلام البيهقي وابن كثير؛ وفي ذكر ترضية أبي بكر لفاطمة رواية منقطعة لا يُعتمد عليها.