من يقرأ تاريخ الخلافة الراشدة في كتب المؤرخين يجد أن مادة كثيرة من تفاصيل حروب الردة، وفتوح العراق والشام، ووقعة الجمل وما يتصل بها، تعود إلى راوٍ واحد هو سيف بن عمر التميمي. ولهذا كان لا بد لكل من يكتب هذه الأحداث للناس أن يعرف من هو سيف، وما درجة روايته، وكيف نتعامل معها بلا إفراط ولا تفريط. وهذه القصة ليست حدثًا بعينه، بل هي بيان للمنهج الذي نحاسب به كل قصة من قصص هذه السلسلة.
من هو سيف بن عمر؟
هو سيف بن عمر الأسدي التميمي، كان إخباريًّا (أي راوية للأخبار والتاريخ) من أهل الكوفة، وتوفي في زمن هارون الرشيد في حدود سنة مئتين للهجرة. ألّف كتابين مشهورين: «الفتوح الكبير والردة»، و«الجمل ومسير عائشة وعلي». ولم يصلنا كتاباه كاملين، ولكن نقل منهما كثيرًا الإمام ابن جرير الطبري في تاريخه، ومن طريقه نقل ابن الأثير وابن كثير وغيرهما. وإسناد الطبري إليه في الغالب هكذا: كتب إليّ السري بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر. وقد نبّه العلماء إلى أن شعيب بن إبراهيم الراوي عن سيف غير معروف بالتوثيق عندهم، فتجتمع في السلسلة علّتان.
ما قاله أئمة الجرح والتعديل فيه
تكلم النقاد في سيف كلامًا شديدًا في الحديث النبوي: فقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث. ونُقل عنه أنه قال في موضع آخر: فَلْسٌ خير منه. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. وبالغ ابن حبان فقال إنه كان يروي الموضوعات عن الأثبات وإنه اتُّهم بالزندقة. ولخّص الحافظ ابن حجر القول في «تقريب التهذيب» بعبارة جامعة تُعدّ ميزانًا للقارئ: ضعيف في الحديث، عمدة في التاريخ، أفرط ابن حبان فقال: اتُّهم بالزندقة.
وليس بين هذه العبارات تناقض: فالنقاد يزنون الحديث النبوي بميزان صارم لأنه دين وتشريع، ويتساهلون أكثر في أخبار التاريخ والمغازي. ولهذا قالوا في سيف إنه عمدة في التاريخ من جهة إحاطته بتفاصيل الفتوح وأسماء القادة والأماكن، لكنه ضعيف إذا انفرد بما لا شاهد له، ولا يُقبل منه ما خالف الأسانيد الصحيحة. وكان للحافظ ابن حجر نفسه في «الإصابة» اعتماد على بعض أخباره في تعيين أسماء الصحابة ومواضعهم، وقد انتُقد في ذلك، وهو يدل على أن سيفًا ليس مطّرحًا عند الجميع.
ما قاله الطبري عن نفسه
وقد نبّه الإمام الطبري في مقدمة تاريخه تنبيهًا ينبغي أن يُحفظ: وهو أنه يروي ما وصل إليه بأسانيده، وأن ما يستنكره القارئ في كتابه من خبر فليس هو الذي اختلقه، وإنما نقله كما أُدّي إليه. أي أنه جعل الإسناد حجة على الناقل وبراءة له، وترك الحكم للقارئ الناقد. فالخطأ في فهم هذا أن يُظن أن كل ما في تاريخ الطبري صحيح، أو أن يُرمى الطبري نفسه بما ينقله عن غيره.
أين تظهر رواية سيف في هذه الأحداث؟
يُعدّ سيف المصدر الأغزر لتفاصيل كثيرة من حروب الردة: ترتيب الجيوش واحدًا واحدًا، ووجهة كل أمير، وتفصيل ما جرى مع طليحة في بُزاخة. ويكاد يكون المصدر الوحيد لكثير من حوادث فتوح العراق والقادسية والمدائن وبعض فتوح الشام. وهو أيضًا المصدر الأكبر لتصوير دور عبد الله بن سبأ، المعروف بابن السوداء، في تأليب الناس على عثمان رضي الله عنه. وقد اختلف الباحثون في هذا: فمنهم من أنكر وجود ابن سبأ أصلًا، ومنهم من أثبته وضخّم أثره، والأحوط أن يقال: لم يثبت بإسناد صحيح ما يُنسب إليه من تفصيل التحريض وتنظيم الثورة، ولا نبني على ذلك حكمًا شرعيًّا ولا تاريخيًّا قاطعًا.
ومن المهم أن نعلم أن الأحداث الكبرى لا تتوقف على سيف: فقتال أبي بكر لمانعي الزكاة ثابت في الصحيحين، ومقتل مسيلمة ثابت في البخاري، وفتح بلاد الشام والعراق ومصر ثابت أصله عند جميع المؤرخين، ومقتل عثمان ثابت، والجمل وصفين وموقعة النهروان ثابتة في أصلها. إنما تأتي رواية سيف في التفاصيل: من قال لمن، وأين التقى الجيشان، وكم كان العدد، وماذا قيل في الخطبة.
قواعد نسير عليها في هذه السلسلة
أولًا: نقدّم ما في الصحيحين وما ثبت بأسانيد صحيحة أو حسنة من كتب السنة، ونصرّح بذلك في خانة الدرجة.
ثانيًا: ما اشتهر في كتب السير والتاريخ بأسانيد متعددة يقوّي بعضها بعضًا، كطبقات ابن سعد وتاريخ خليفة بن خياط وتاريخ الطبري من غير طريق سيف، نذكره مع التنبيه على أنه من كتب التاريخ لا من أصول الحديث.
ثالثًا: ما تفرّد به سيف أو من هو في طبقته من الإخباريين المتكلَّم فيهم، كالواقدي وأبي مخنف لوط بن يحيى وهشام الكلبي، نتركه أو نذكره بعبارة صريحة مثل: ورُوي ولم يثبت. فأبو مخنف إخباري شيعي متروك الحديث كما قال النقاد، وروايته في مقتل عثمان والجمل وصفين كثيرة في الطبري، ولا يؤخذ منها ما يخالف الأصح.
رابعًا: ما فيه مساس بعدالة الصحابة أو ثلب لأحدهم لا نذكره إلا إذا ثبت بإسناد صحيح، وإذا ثبت حملناه على اجتهادهم وسلامة مقصدهم، فنحن نؤمن بأن الله رضي عنهم، وبأن ما شجر بينهم اجتهادٌ لا يُذكر إلا بخير، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الاعتدال في النظر
وإذا كان من الخطأ أن نبني تاريخًا كاملًا على راوٍ ضعيف، فمن الخطأ أيضًا أن نرمي كل ما رواه سيف جملة. فقد وافقت رواياته في مواضع كثيرة ما رواه غيره من الثقات في وقائع الفتوح، ولا يُرد خبره لمجرد أنه جاء من طريقه إذا شهد له غيره. وقد قال العلماء إن للمؤرخ أن يقبل من أخبار السير ما لا يقبل من أحاديث الأحكام، لكن بشرط ألا يخالف نصًّا ثابتًا ولا يصادم عقلًا ولا يتضمن طعنًا غير مبرَّر.
وبهذا الميزان سنرى في القصص التالية أن بعض التفاصيل تُذكر بصيغة التمريض، وأن بعضها يُترك لعدم ثبوته، وأن الكلام في كل موضع يُبنى على نظرٍ في الإسناد والمتن معًا، بلا حماسة ولا هوى.
