لا يكاد يُذكر قتال المرتدين في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلا ويتصدّر الذكرُ يومَ اليمامة، وهو من أشد أيام المسلمين، وفيه سقط عدد كبير من حفاظ القرآن، وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت عمر إلى مقترح جمع القرآن. وقد جاء الحديث عن مسيلمة في الصحيحين من عهد النبي ﷺ، ثم في عهد أبي بكر، ثم في مقتله على يد وحشي رضي الله عنه.
من هو مسيلمة؟
مسيلمة بن حبيب الحنفي من أهل اليمامة في نجد، وقد جاء في وفد بني حنيفة إلى النبي ﷺ في السنة التاسعة أو العاشرة للهجرة، وذكر ابن إسحاق وابن هشام أنه كان في رحال القوم ولم يحضر مجلس النبي ﷺ، فأمر له النبي ﷺ بمثل ما أمر لأصحابه وقال: أما إنه ليس بشرّكم مكانًا لحفظه رحال أصحابه. فلما رجعوا إلى بلادهم ادّعى النبوة وقال إن النبي ﷺ أشركه في الأمر. وهذا الخبر مشهور في كتب السيرة ولم يخرجه البخاري ولا مسلم بهذا السياق.
ما ثبت في الصحيح: ثابت بن قيس والقطعة من الجريد
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، في كتاب المغازي، قصة قدوم مسيلمة المدينة وهو يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعتُه. فأقبل إليه النبي ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرتَ ليعقرنّك الله، وإني لأراك الذي أُريتُ فيك ما أُريتُ، وهذا ثابت يجيبك عني، ثم انصرف.
قال ابن عباس: فسألتُ عن قول النبي ﷺ: إنك الذي أُريت فيك ما أُريت، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب، فأهمّني شأنهما، فأُوحي إليّ في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأوّلتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما العنسي والآخر مسيلمة صاحب اليمامة. فهذا نص ثابت في الصحيحين على تسمية الكذابين، وفيه إشارة إلى أنهما يزولان كما تزول النفخة. وفي نفخ السوارين فطارا إشارة إلى أن أمرهما يزول سريعًا مهما بدا لامعًا.
رسالتان وعاقبة الرسولين
ومما اشتهر في السيرة أن مسيلمة كتب إلى النبي ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أُشركتُ في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون. فكتب إليه النبي ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وذكر هذا السياق ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما، وهو مشهور في كتب السيرة وليس في الصحيحين بنصه.
وروى أحمد وأبو داود، وصححه الأرناؤوط، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى النبي ﷺ، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال النبي ﷺ: آمنتُ بالله ورسله، لو كنتُ قاتلًا رسولًا لقتلتكما. قال ابن مسعود: فمضت السنّة أن الرسل لا تقتل. وفيه تحريم قتل الرسل وإن كانوا على الكفر. وذكر بعض الرواة أن ابن النواحة قُتل بعد ذلك في الكوفة في ولاية ابن مسعود عليها لأنه ثبت أنه يدعو لمسيلمة، لأنه لم يعد رسولًا بل مرتدًّا.
ختم النبوة بنص القرآن
يُبطل دعوى مسيلمة وأمثاله قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة قوله ﷺ: لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله. وفي سنن أبي داود والترمذي عن ثوبان نحوه وفيه: وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. وروى المؤرخون أن مسيلمة كان يقلّد القرآن بسجع سخيف مثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقّي ما تنقّين، نصفك في الماء ونصفك في الطين. وهي من النقول المشهورة في التاريخ لا من أحاديث الصحيح، وفيها دلالة على سخف دعواه.
أبو بكر يجهّز الجيش
كان بنو حنيفة أكبر القبائل المرتدة عددًا وقوة، وكان مع مسيلمة جمع كثير يتعصبون له لا لصدقه بل لعصبية قبلية، كما نُقل عن بعضهم: كذابُ ربيعة أحبُّ إلينا من صادق مضر. وهذه العبارة من نقل المؤرخين وقد جاءت من طرق عدة. ويذكر المؤرخون أن أبا بكر بعث عكرمة بن أبي جهل ثم شرحبيل بن حسنة إلى بني حنيفة، فلم يتم النصر، ثم أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه على رأس جيش كبير من المهاجرين والأنصار، وكان ذلك سنة اثنتي عشرة للهجرة في الأرجح. وكانت المعركة شديدة، وذكر المؤرخون أن المسلمين انكشفوا في أول القتال أمام ضراوة بني حنيفة ثم ثبتوا. وتفاصيل الترتيب والعدد والخطط مصدرها الأكبر عند الطبري سيف بن عمر، وقد قدّمنا ما فيه، فنقتصر على ما هو أصل متفق عليه.
من استشهد في اليمامة
ثبت في صحيح البخاري، في قصة جمع القرآن، قول عمر لأبي بكر: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن. فهذا نص صحيح على فداحة الخسارة. ومن الشهداء المشهورين زيد بن الخطاب أخو عمر، وثابت بن قيس خطيب الأنصار، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم، وهذه التسميات مذكورة في الطبقات وكتب السير. وقد روى ابن سعد أن عمر قال في زيد: رحم الله زيدًا، سبقني إلى الحسنى، أسلم قبلي واستُشهد قبلي. وهو خبر مشهور وإسناده لا يبلغ شرط الصحيح، لكن لا يخالف شيئًا ثابتًا.
مقتل مسيلمة
روى البخاري في كتاب المغازي، في قصة قتل حمزة رضي الله عنه، عن وحشي بن حرب رضي الله عنه أنه قال: فلما خرج الناس عام عامَ مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة قلتُ: لأخرجنّ إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة. فخرجتُ مع الناس فكان من أمره ما كان. قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، فرميتُه بحربتي فأضعُها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته. وجاء في الرواية نفسها عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين، قتله العبد الأسود.
فكانت هذه الحربة عند وحشي مكافأةً عن ذنبه القديم في قتل حمزة، وكان وحشي قد أسلم بعد فتح مكة ثم ندم على قتل حمزة، فجاء هذا اليوم يطهّر به ما مضى. أما الأنصاري الذي ضرب مسيلمة بسيفه فقد وقع الخلاف في تعيينه عند أهل السير: فقيل أبو دجانة، وقيل عبد الله بن زيد المازني، ولم يعيّنه الحديث، والأحوط أن يُقال: رجل من الأنصار كما في الصحيح.
درس اليمامة
وفي هذا اليوم درس لمن بعدهم في وجوب الثبات على الحق ومحاربة من ادّعى النبوة بعد خاتم الأنبياء. وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مسيلمة ومن تبعه، وعلى أن من ادّعى النبوة بعد محمد ﷺ كافر مرتد يُقتل بعد الاستتابة.
ويذكر المؤرخون أن أبا بكر عاتب خالدًا حين بلغه زواجه من ابنة مجّاعة بعد المعركة وما سال بسببها من دماء المسلمين. وهذه القصة مشهورة في كتب التاريخ، وأكثر ألفاظها من طريق سيف بن عمر، فهي مما نكتفي فيه بالإشارة.
