لم يكن مسيلمة وحده في ميدان ادّعاء النبوة، بل ظهر في أواخر حياة النبي ﷺ وبعدها عدد من المتنبئين، أبرزهم الأسود العنسي في اليمن، وطليحة الأسدي في نجد، وسجاح التميمية في الجزيرة. وقد أخبر النبي ﷺ بخروج الكذابين قبل أن يخرجوا، فكانت وقائعهم تصديقًا لخبره. وهذه القصة تجمع بين ما ثبت من الأحاديث وما ورد في كتب التاريخ، مع التفريق بين الدرجتين.
ما أخبر به النبي ﷺ
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله. وروى أبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قوله ﷺ: وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. وفي القرآن: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وقد مضى منهم من مضى، وكل من ادّعى النبوة بعد النبي ﷺ فهو داخل في هذا الخبر.
وفي الصحيح كذلك رؤيا السوارين التي سمّى النبي ﷺ فيها العنسي ومسيلمة، فكان الأسود العنسي أول من ظهر منهم.
الأسود العنسي: ذو الخمار
هو عبهلة بن كعب العنسي من مذحج في اليمن، ويلقب بذي الخمار لأنه كان يضع خمارًا على رأسه، وقد ادّعى النبوة في اليمن في أواخر حياة النبي ﷺ، وذكر ابن إسحاق والطبري أنه استولى على صنعاء وقتل شهر بن باذان عامل النبي ﷺ عليها، وتزوج امرأته. وكان يستخدم الكهانة والخدعة في إغراء الناس، فاتبعه جمع كبير. وهذه التفاصيل مأخوذة من كتب السيرة والتاريخ، ولا تبلغ درجة الصحيح.
وكتب النبي ﷺ إلى من بقي من المسلمين في اليمن أن يقاوموه، ومن أبرز من أخذ بهذا فيروز الديلمي وداذويه وقيس بن مكشوح المرادي. وذكر المؤرخون أن امرأة الأسود، وكانت قد قُتل زوجها المسلم، أعانتهم على الدخول عليه، فقتلوه ليلًا. وروي أن النبي ﷺ أخبر أصحابه في المدينة بمقتله في الليلة التي قُتل فيها، وقال: قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز. وهذه الرواية ذكرها بعض أهل السير وفي ثبوتها كلام، فلا تُجعل في مرتبة الصحيح.
وذكر الطبري وابن كثير أن خبر مقتله وصل المدينة في أول خلافة أبي بكر.
طليحة بن خويلد الأسدي
كان طليحة من فرسان العرب المشهورين، وقدم على النبي ﷺ في وفد بني أسد سنة تسع وأسلم، ثم ارتد في أواخر حياة النبي ﷺ وادّعى النبوة، فاتبعته أسد وغطفان وبعض طيء، وكان يقول إن جبريل يأتيه. وتذكر كتب السير والتاريخ أن طليعتين من جيش المسلمين، هما عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم رضي الله عنهما، قُتلا على يده في أول القتال.
وبعد وفاة النبي ﷺ جهّز أبو بكر الجيوش، وقاتل خالد بن الوليد طليحة في بُزاخة، ويذكر المؤرخون أن طليحة لما رأى هزيمة جيشه ركب فرسه وفرّ مع امرأته إلى الشام. وأكثر تفاصيل هذه المعركة من رواية سيف بن عمر، ومنها قولهم إنه كان يتلو قرآنًا مزعومًا، وإنه قال لقومه: إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئًا، فاذكروا الله. وهذه الكلمات مشهورة في الطبري لكن إسنادها ضعيف.
ثم أسلم طليحة بعد أن دخلت أسد وغطفان في الإسلام، وحسن إسلامه، وجاء معتمرًا في خلافة عمر. ويروي أهل السير أن عمر قال له: أنت قاتل عكاشة وثابت؟ والله لا أحبك أبدًا. فقال: يا أمير المؤمنين، ما تهمّ من رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهنّي بأيديهما. وهو خبر مشهور في كتب التراجم. وذكر المترجمون له أنه حسن إسلامه وشارك في فتوح العراق، ثم يُذكر أنه قُتل في نهاوند سنة إحدى وعشرين، وذلك من الأخبار المشهورة التي لم تثبت بسند صحيح.
سجاح بنت الحارث
وهي امرأة من تميم، وكانت نصرانية وأمها من بني تغلب، ادّعت النبوة في أيام ردة العرب، وتبعها جمع من تميم وتغلب. وذكر أهل السير أنها همّت بقتال المسلمين ثم صُرفت عنه، فاتجهت نحو اليمامة لمقابلة مسيلمة، ثم التقيا وتزوجها مسيلمة. وهذا الخبر مشهور في الطبري والبداية والنهاية، وتضاف إليه روايات عن مهر وسجع منسوب إليهما لا تثبت ولا يليق بنا ذكرها هنا. وبعد مقتل مسيلمة رجعت إلى قومها، ثم أسلمت وحسن إسلامها وسكنت البصرة في خلافة معاوية، وماتت بها، على ما ذكره المؤرخون.
كيف صنّف العلماء المرتدين
ذكر الإمام الخطابي في «معالم السنن» أن المرتدين في عهد أبي بكر صنفان: صنف ارتدّوا عن الدين ونابذوا الملّة وعادوا إلى الكفر، وهم أتباع مسيلمة والأسود وطليحة ومن تبعهم، وصنف فرّقوا بين الصلاة والزكاة فأقرّوا بالصلاة ومنعوا الزكاة. وقال الخطابي إن الأول لا خلاف في قتالهم ولا في كفرهم، أما الصنف الثاني فهو الذي وقع فيه النقاش بين أبي بكر وعمر، وانتهى برأي أبي بكر الذي وافقه عليه الصحابة لما بيّنه لهم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.
وبذلك يتبين أن قتال هؤلاء المتنبئين لم يكن اعتداءً على حرية الاعتقاد، بل دفعًا لثورة مسلحة على الدولة الإسلامية الوليدة وإبطالًا لدعاوى تهدم أصل الدين. وقد روى البخاري حديث ابن عباس: من بدّل دينه فاقتلوه، وهو أصل في حكم الردة.
ما بقي في الذاكرة
كان زوال هؤلاء المتنبئين أسرع مما تصوّر أتباعهم: الأسود لم يمكث إلا أشهرًا قليلة، ومسيلمة قُتل بعد نحو عام من وفاة النبي ﷺ، وطليحة تاب ورجع، وسجاح أسلمت. وبهذا تحقق ما أُوّلت به رؤيا النفخ: أن أمرهم يزول كما تزول النفخة عن السوارين. وأما العبرة الكبرى فهي أن الإسلام لا يقوم على سحر الكلام ولا على غموض الغيب، بل على آيات بيّنات حفظها الله بحفظ كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
