Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

استسقاء عمر بالعباس: دعاء عمّ النبي ﷺ في عام الرمادة

عمر بن الخطاب والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

في سنة ثماني عشرة للهجرة أصاب المدينة والحجاز قحط شديد وجدب، عُرف في التاريخ بعام الرمادة، لأن الأرض اسودّت من القحط حتى صارت كالرماد. وفي ذلك العام وقعت حادثة الاستسقاء الشهيرة التي رواها البخاري، وفيها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بعمّ النبي ﷺ العباس رضي الله عنه. وقد استدل العلماء بهذه الحادثة على مسائل كثيرة في التوسل والاستسقاء.

الحديث في صحيح البخاري

روى البخاري في كتاب الاستسقاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا. قال: فيُسقون.

وهذا نص ثابت في صحيح البخاري. وفيه أن الدعاء كان من العباس، ومعنى التوسل هنا الدعاء: أي كنا نطلب من النبي ﷺ أن يدعو لنا في حياته فيستجيب الله، والآن نطلب من عمّه أن يدعو لنا.

ماذا فعل النبي ﷺ في الاستسقاء؟

وللنبي ﷺ سنة ثابتة في الاستسقاء: فقد خرج إلى المصلى وحوّل رداءه واستقبل القبلة وصلّى ركعتين ودعا، كما في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين. ودعا النبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة فقام رجل فقال: يا رسول الله هلك المال وانقطعت السبل، فادعُ الله يغثنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. وفي هذا الحديث في الصحيحين أن الرجل جاء الجمعة التالية فقال: تهدّمت البيوت، فقال ﷺ: اللهم حوالينا ولا علينا. فكانت سنّة عمر في عام الرمادة اتباعًا لسنة النبي ﷺ.

لماذا اختار عمر العباس؟

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» في شرح هذا الحديث: ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وتواضع عمر ومعرفته بحق آل النبي ﷺ. وقد قال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه في حديث مسلم لما أرسله إلى الصدقة: أما شعرتَ أن عمّ الرجل صِنو أبيه؟ يعني العباس. فلما احتاج عمر إلى من يدعو، اختار الأقرب إلى النبي ﷺ نسبًا من الأحياء، مع صلاح الدين.

وأما معنى التوسل في الحديث فقد قال العلماء إن عمر لم يتوسل بذات العباس ولا بجاهه، وإنما طلب منه أن يدعو الله، ولو كان التوسل بذات النبي ﷺ جائزًا بعد وفاته بهذا المعنى لما عدل عمر والصحابة عنه إلى العباس. وهذا استدلال أهل العلم كابن تيمية وغيره، وعلى هذا حمله شراح الحديث: أن التوسل كان بدعاء العباس لا بذاته.

ما روي عن دعاء العباس

روى الزبير بن بكار في كتاب «الأنساب» أن العباس لما قام بعد عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يُكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. وذُكر أنهم سُقوا. وقد أورد الحافظ ابن حجر هذا الأثر في «فتح الباري» واستشهد به، وهو من الأخبار المشهورة، لكن إسناده لا يبلغ درجة الصحيح، فنذكره للفائدة لا لإثبات الحكم.

خطبة عمر في الاستسقاء

ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقال: لقد استسقيتُ بمجاديح السماء التي يُستسقى بها، ثم تلا قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ وما بعدها في وعد الله بإرسال المطر. وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي من طرق عن الشعبي، وهو مرسل أو منقطع في بعض طرقه، لكنه معروف ومشهور، ولا يعارض شيئًا ثابتًا، فإن الاستغفار من أعظم أسباب نزول الغيث، وفيه نص القرآن.

خبر المنام: ما حاله؟

وهناك خبر آخر يروى في هذا الموضع: أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ في زمن عمر فشكا القحط، ثم رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنكم مسقيّون. وقد رواه ابن أبي شيبة بإسناد قال ابن حجر إنه صحيح، وذكر أن سيفًا سمّى الرجل بلال بن الحارث المزني، لكن مدار إسناده على رجل يسمى مالك الدار وهو غير معروف بالتوثيق عند كثير من المحققين، فضعّفه آخرون كالألباني، ولا يقوم به حجة. والصواب أن يُذكر خبر الصحيح فقط وهو دعاء العباس واستسقاء عمر، ويُتوقف في هذا المنام. وقد ردّ كثير من العلماء الاستدلال به على جواز دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم، لأن المنام ليس مصدر تشريع، ولأن فعل الصحابة الثابت في الصحيح هو الذي رأيناه: التوجه إلى الحي الصالح.

عام الرمادة وعمر

وعمر رضي الله عنه كان في ذلك العام يتقاسم مع الناس شدة الجوع، فيروى أنه حلف ألا يأكل السمن واللبن حتى يحيا الناس، وأنه كان يتولى بنفسه الإشراف على إطعام الناس. وهي أخبار مشهورة في كتب الطبقات وفيها شيء من الاضطراب، وقد أفردنا لها قصة مستقلة في هذه السلسلة، فلا نكررها هنا. والعبرة أن الإمام القدوة يبدأ بنفسه حين تنزل الشدة، ثم يتوجه إلى ربه بالاستغفار والدعاء.

وخلاصة المقام أن الحديث الصحيح يثبت أن الصحابة طلبوا الدعاء من رجل صالح حي من أهل بيت النبي ﷺ، وأن الله استجاب لهم. وهذا يعلّمنا أن نطلب الدعاء من الصالحين الأحياء، وأن نتوجه إلى الله وحده بالدعاء، ونتضرع إليه بتوبتنا لا بمجرد انتساب إلى الصالحين.

العبرة

الاستسقاء عبادة تقوم على التوبة والاستغفار والدعاء، وقد جمع عمر بينها مع طلب الدعاء من عمّ النبي ﷺ الحي الصالح. والتوسل في الحديث توسّل بدعاء الصالح لا بذاته.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء (باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) عن أنس؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث عبد الله بن زيد، وحديث الأعرابي يوم الجمعة)؛ صحيح مسلم (العباس صنو أبيه)؛ فتح الباري لابن حجر؛ مصنف ابن أبي شيبة؛ سورة نوح (الآيتان 10-11).

الدرجة: الحديث الأصل صحيح في البخاري عن أنس؛ وأثر الاستغفار مشهور بإسناد مرسل أو منقطع؛ ودعاء العباس مروي من طريق الزبير بن بكار فيه ضعف؛ وخبر منام بلال بن الحارث مختلف في إسناده (صححه ابن حجر وضعفه آخرون)، فلا يُحتج به.