Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عتبة بن غزوان وخطبة البصرة: سابع سبعة أكلوا ورق الشجر حتى قرحت أشداقهم

عتبة بن غزوان رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وُجّه عتبة بن غزوان المازني إلى جنوب العراق، فأسس مدينة البصرة، وكانت من أعظم مدن الإسلام. ومن أنفس ما بقي لنا من أخباره خطبته التي ألقاها على أهلها، ورواها مسلم في صحيحه، ويظهر فيها زهد الصحابة وتواضعهم وبصيرتهم في عاقبة الدنيا. وهذه الخطبة تصلح لأن تكون وثيقة تاريخية عن بدايات الإسلام وعن أخلاق القادة الفاتحين.

من هو عتبة بن غزوان؟

عتبة بن غزوان بن جابر المازني، من السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة، وشهد بدرًا وما بعدها مع رسول الله ﷺ. ويقول في خطبته الآتية إنه كان سابع سبعة في أول الإسلام. وهو معدود في المهاجرين الأولين، كما ذكر ابن سعد في الطبقات.

تأسيس البصرة

بعثه عمر رضي الله عنه في المسلمين إلى أرض الأبُلّة في جنوب العراق، والأبلة ميناء مهم على الخليج، وكانت الدولة الفارسية تستخدمها منفذًا. ويذكر المؤرخون، كالطبري والبلاذري، أن ذلك كان في سنة أربع عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: سبع عشرة. ففتح الأبلة وما حولها وعسكر في موضع قريب، وكان المكان أرضًا حصباء فيها حجارة بيض، وقد ذكر اللغويون أن البصرة في اللغة الأرض الغليظة ذات الحجارة، وقيل في تسميتها أقوال غير ذلك. وبنى المسلمون فيها بيوتًا من القصب، ومسجدًا من القصب، وجعلوها معسكرًا لا مدينة ثابتة في أول الأمر، ثم تحولت بعد ذلك إلى مصر من الأمصار. وتفاصيل التخطيط الأول مأخوذة من كتب التاريخ، وفيها أخبار عن سيف بن عمر وعن غيره، فنكتفي بالأصل.

خطبة عتبة في صحيح مسلم

روى مسلم عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصُرم، وولّت حذّاء، ولم يبقَ منها إلا صُبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذُكر لنا أن الحجر يُلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا، ووالله لتُملأنّ، أفعجبتم؟ ولقد ذُكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتينّ عليها يوم وهو كظيظ من الزحام.

ثم قال: ولقد رأيتُني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطتُ بردةً فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك، فاتّزرتُ بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكًا، فستخبرون وتجرّبون الأمراء بعدنا.

شرح الخطبة

قوله: آذنت بصرم، أي أعلمت بانقطاعها وفنائها. وولّت حذّاء، أي سريعة الذهاب. والصبابة بقية الماء في الإناء، أي لم يبقَ من الدنيا إلا القليل. ومعنى يتصابّها صاحبها، أي يشربها شاربها فيبقى كأنه يسحبها بشفتيه. وفي كلامه أن الدنيا قد ولّت ومضى أكثرها، وأن المرء مقبل على الآخرة.

وأما حجر جهنم فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان جالسًا فسمعوا وجبة، فقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أُرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها. فكلام عتبة موافق لما ثبت. وأما قوله إن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عامًا فهو مما قال إنه ذُكر لهم، وقد جاء في الصحيح بيان آخر للمسافة في حديث أبي هريرة: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر. فهذا من باب الاختلاف في تقدير ما ليس لنا فيه حساب، والمقصود الإخبار بسعتها وعظمتها وكثرة داخليها.

أين الأمراء الذين تنبأ بهم عتبة؟

لما قال عتبة إن كل واحد من أولئك السبعة صار أميرًا على مصر، كان يقصد نفسه على البصرة، وسعد بن أبي وقاص على الكوفة، وغيرهما. وقد كان سعد رضي الله عنه هو المقصود بقوله: سعد بن مالك، أي سعد بن أبي وقاص، فإن اسم أبيه مالك بن أهيب، وكنيته أبو وقاص. وهما اللذان تقاسما البردة. وتحقق قوله بأن سعدًا أمير الكوفة وأن عتبة أمير البصرة.

وقوله: لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكًا، يريد أن أمر النبوة يتغير تدريجيًّا بعد النبي ﷺ، فتجيء الخلافة الراشدة ثم الملك. وقد وافق ذلك حديث النبي ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكًا (رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث سفينة، وصححه جمع من أهل العلم). فهذا الكلام من عتبة ليس طعنًا في أحد، بل هو بيان لسنة الله في تغير الأحوال، وتحذير مسبق للمسلمين من أن يغتروا بسلطان ولو كان شرعيًّا.

تواضع الأمير

والعبرة أن عتبة، وهو أمير على مصر من أعظم الأمصار، لم يتكبر ولم يرَ نفسه عظيمًا، بل استعاذ بالله من أن يكون عظيمًا في نفسه صغيرًا عند الله. وكان يتذكر أيام الجوع في أول الإسلام، وكيف كانوا يأكلون ورق الشجر ويتقاسمون بردة واحدة. ويذكر المؤرخون أنه طلب من عمر أن يعفيه من الإمارة، ثم توفي في طريقه إلى المدينة وقد جاوز الخمسين، في سنة سبع عشرة على قول، وذلك من الأخبار المشهورة في الطبقات.

وبهذا جمع عتبة بين الزهد والعمل والشجاعة، وترك لنا خطبة تعد من أبلغ ما قيل في ذم الاغترار بالدنيا.

العبرة

القائد المسلم يذكّر نفسه وأهل مصره بأيام الفقر والجوع التي سبقت الفتح، فلا تطغيه الإمارة. وقد جمعت الخطبة بين تذكير الآخرة وشكر النعمة وتحذير من فتنة السلطان.

المصدر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق (حديث خطبة عتبة بن غزوان، وحديث الحجر في جهنم)؛ صحيح مسلم (حديث ما بين المصراعين)؛ مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي (حديث سفينة: الخلافة ثلاثون سنة)؛ طبقات ابن سعد؛ تاريخ الطبري وفتوح البلدان للبلاذري (تأسيس البصرة).

الدرجة: خطبة عتبة صحيحة في صحيح مسلم؛ وتأسيس البصرة وتاريخ وفاة عتبة من كتب التاريخ والطبقات، وفي سنة التأسيس خلاف (14 أو 16 أو 17هـ)، وتفاصيل التخطيط فيها ما أُخذ من سيف بن عمر.