Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

طاعون عمواس: رحيل أبي عبيدة ومعاذ وقرار عمرو بن العاص

أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

في سنة ثماني عشرة للهجرة وقع في بلاد الشام وباء عظيم عُرف بطاعون عمواس، نسبة إلى قرية عمواس بين الرملة وبيت المقدس. وقد ثبتت في الصحيح قصة رجوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من سَرْغ حين بلغه خبر الطاعون، وقوله: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، ونحن لا نعيد تلك القصة التي سبق إفرادها بالذكر. وهذه القصة تتناول ما حدث بعد ذلك: من توفي من كبار الصحابة، وماذا قالوا وفعلوا، وكيف انتهى الوباء.

خبر النبي ﷺ المسبق

روى البخاري عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: أتيتُ النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: اعدُدْ ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا. والمُوتان هو الموت الكثير، وكقعاص الغنم أي داء يأخذ الغنم فتموت دفعة. قال العلماء، ومنهم ابن حجر، إن هذا المُوتان وقع في طاعون عمواس في زمن عمر، وبه تحقق خبر النبي ﷺ.

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: الطاعون شهادة لكل مسلم. وهذا يفسّر طمأنينة الصحابة في الصبر عليه.

رسالة عمر إلى أبي عبيدة

لما انتشر الطاعون في الشام كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وكان أمير الشام، يقول: إنه قد عرضت لي إليك حاجة لا غنى بي عنك فيها، فإذا أتاك كتابي هذا بالليل فإني أعزم عليك ألا تصبح حتى تركب إليّ، وإن أتاك نهارًا فإني أعزم عليك ألا تمسي حتى تركب إليّ. فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: قد عرفتُ حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ. ثم كتب إليه: إني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم، ولا أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره. فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ والبداية والنهاية، وهي من رواية الطبري وغيره، وتحتمل في إسنادها كلامًا.

وفاة أبي عبيدة ومعاذ

وفي مسند الإمام أحمد، وصححه الأرناؤوط لغيره، عن عبد الرحمن بن غنم قال: لما وقع الطاعون بالشام قام أبو عبيدة فخطب الناس فقال: إن هذا الوجع رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه. فطُعن فمات، واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبًا بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذًا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظهم. فطُعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطُعن في كفه، فجعل ينظر إليها ويقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا. فلما مات استُخلف على الناس عمرو بن العاص.

وكان أبو عبيدة أمين هذه الأمة، كما قال النبي ﷺ: إن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح (رواه البخاري ومسلم). وتوفي وله ثمان وخمسون سنة في أرجح الأقوال. ومعاذ بن جبل هو الذي قال فيه النبي ﷺ: أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل (رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وصححه جمع). وذكر ابن سعد وغيره أنه توفي وهو في أواخر الثلاثينات على الأشهر.

قرار عمرو بن العاص

روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي واثلة الهذلي أن عمرو بن العاص لما ولي الناس في طاعون عمواس قام فقال: أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبّلوا منه في الجبال، أي تفرّقوا في الجبال والشعاب. فاعترض عليه بعض الحاضرين بكلام شديد، ولم يردّ عمرو عليه، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ورفعه الله عنهم. قال الراوي: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فما كرهه. والحديث في المسند وصححه المحققون.

وقد فهم جمهور العلماء أن قرار عمرو ليس مخالفًا لحديث النبي ﷺ: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، لأنه ليس فرارًا من القدر بل هو أخذ بالأسباب كالتفرق في أماكن مفتوحة، مع بقائهم في ديارهم، ولا يقال إنهم خرجوا من الشام. واعتبره ابن حجر وغيره من الاجتهاد المقبول، وقالوا: إن نهي النبي ﷺ يتعلق بالخروج فرارًا من البلد المصاب، لا بتفريق الناس في أطرافها.

من مات في الطاعون

ذكر المؤرخون، كالطبري وابن كثير، أن في طاعون عمواس مات عدد كبير من الصحابة والجند، منهم أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم، ويذكرون معهم آخرين، والاختلاف في بعضهم معروف في التراجم. وذكر بعضهم أن عدد الموتى بلغ عشرات الآلاف، ولا يثبت تقدير معين.

ولما انقطع الطاعون سافر عمر رضي الله عنه إلى الشام، فقسم المواريث، وأقرّ الأمراء، ووجّه معاوية بن أبي سفيان على دمشق بدل أخيه يزيد، كما ذكر الطبري وابن كثير، وهي أخبار مشهورة في كتب التاريخ.

الدروس

أولًا: الطاعون شهادة لمن صبر فيه محتسبًا كما قال النبي ﷺ. ثانيًا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، فقد جمع عمر بين رجوعه من سرغ وقوله إنه فرار من قدر الله إلى قدر الله. ثالثًا: كان كبار الصحابة يرفضون أن يتركوا جندهم في ساعة الشدة، كما فعل أبو عبيدة. رابعًا: الأعمار بيد الله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.

العبرة

لا تعارض بين الصبر على الوباء والأخذ بأسباب النجاة؛ فعمر رجع من سرغ، وعمرو فرّق الناس في الجبال، وأبو عبيدة بقي مع جنده. وكلهم مؤمن بقضاء الله.

المصدر: صحيح البخاري (حديث عوف بن مالك في الست قبل الساعة، وحديث: الطاعون شهادة لكل مسلم)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث أمين هذه الأمة)؛ مسند أحمد (خطبة أبي عبيدة ومعاذ، وقرار عمرو في الجبال)؛ تاريخ الطبري والبداية والنهاية؛ فتح الباري لابن حجر؛ سورة النساء.

الدرجة: الأحاديث في البخاري ومسلم صحيحة؛ وخطبتا أبي عبيدة ومعاذ وقرار عمرو في مسند أحمد بإسناد صحيح لغيره؛ ورسالة عمر إلى أبي عبيدة وأسماء من مات في الطاعون مشهورة في كتب التاريخ بأسانيد فيها كلام.