Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

خطبة الجابية: وصية عمر بالجماعة وأصحاب النبي ﷺ

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الجابية قرية في الجولان من أرض الشام، كانت قبل الإسلام عاصمة الغساسنة، ثم صارت معسكرًا للمسلمين بعد فتح الشام. وقد زارها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قدم الشام في سنة ست عشرة أو سبع عشرة للهجرة، وخطب فيها خطبة مشهورة نقلها لنا الصحابة. وأصح ما ثبت منها حديث رواه الترمذي وأحمد، فيه وصية عمر بالجماعة، ومعها بعض ما نُقل في كتب التاريخ مما هو دونه في الثبوت.

متن الخطبة في سنن الترمذي

روى الترمذي وأحمد والنسائي في الكبرى، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمتُ فيكم مقام رسول الله ﷺ فينا فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يُستحلَف، ويشهد الشاهد ولا يُستشهد. ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة. من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وهو ثابت عن عمر عن النبي ﷺ.

شرح عباراته

قوله: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فيه فضل القرون الثلاثة الأولى. وقد جاء ما يوافقه في الصحيحين من حديث عمران بن حصين وابن مسعود وأبي هريرة: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. فلما قام عمر بين الصحابة والتابعين في الشام، ذكّرهم بحق الصحابة، وفي ذلك سلامة المنهج: فنفهم الدين كما فهمه الصحابة، ونصون ألسنتنا عنهم.

قوله: ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يُستحلَف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، أي يتساهل الناس في اليمين والشهادة، فيحلفون بلا طلب ويشهدون قبل أن يُسألوا. وقد ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته. والمقصود ذمّ التساهل في الأيمان والشهادات بعد زمن الصحابة.

قوله: لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، وهو من أحكام سدّ الذرائع، وقد جاء مثله في الصحيحين: لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم.

قوله: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، وهو محل الشاهد في خطبة الجابية. وقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. ومعنى الجماعة كما فسّرها الترمذي في حديث قريب: هم أهل الفقه والعلم والحديث. وفسّرها آخرون بأنها جماعة المسلمين على إمام واحد. وحقيقة المعنى أن لزوم الجماعة يشمل الاجتماع على الحق وعلى ولاة الأمر في المعروف، وعدم الشذوذ عن سبيل المؤمنين. وفي الحديث: من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن، أي من فرح بطاعته وحزن لمعصيته فهذا علامة الإيمان.

الجماعة في أحاديث أخرى

ولهذه الوصية شواهد صحيحة. فقد روى البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ عن الفتن فقال له: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها. وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية. وليس معنى الصبر السكوت عن الحق، بل ألا تُرفع راية الخروج بما يفرّق الكلمة ويسفك الدماء، مع بقاء النصيحة والأمر بالمعروف.

ويُروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في تفسير الجماعة أنه قال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنتَ وحدك. وقد ذكره اللالكائي وابن عساكر وغيرهما، وفي سنده كلام، لكن معناه صحيح تدل عليه النصوص، وهو أن الجماعة المقصودة ليست كثرة العدد، بل هي الحق الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فالجمع بين لزوم الجماعة وبين التمسك بالحق هو الفقه الذي أراده الصحابة.

لماذا قالها عمر في الجابية بالذات؟

كان في الجابية آنذاك جيش الشام وقادته، وفيهم من الصحابة من حضر مع النبي ﷺ ومن التابعين الجدد ومن حديثي العهد بالإسلام من أهل البلاد المفتوحة. وكان في الأمة جيل جديد لم يرَ النبي ﷺ. فكان تذكيرهم بوصيته، وبمنزلة الصحابة، وبوجوب لزوم الجماعة، ضرورة لحفظ وحدة الصف في أرض واسعة تفتّحت للمسلمين لأول مرة. وقد أثبتت الأحداث بعد عقدين من الزمن حكمة هذا التوجيه، حين وقعت الفتنة وتفرقت الكلمة.

ما نُقل في كتب التاريخ من خطبة الجابية

ويروي المؤرخون أن عمر قال في الجابية خطبة أخرى في شأن المال والعلم: أيها الناس، من أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتِ معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا. وهذا الخبر مشهور عند المؤرخين والفقهاء ويستشهد به في فضل هؤلاء الأئمة الثلاثة، ولا يُعرف له إسناد صحيح مفصَّل بهذا اللفظ، وروايته في كتب التاريخ فيها انقطاع، فنقدّمه على سبيل الشهرة لا الثبوت. والثابت في فضل هؤلاء الثلاثة قول النبي ﷺ: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل (رواه الترمذي وابن ماجه وصححه جمع). فالأفضل أن نستدل بالحديث الثابت.

ثمرة الوصية

الوصية بالجماعة ليست شعارًا سياسيًّا بل هي أصل من أصول الدين. وقد جعل النبي ﷺ لزوم الجماعة عاصمًا من الشيطان، لأن الفرقة بابه، وكل فتنة تبدأ من الانفراد عن الجماعة. ولذلك كانت الجابية في ذاكرة التاريخ الإسلامي موضعًا لاجتماع أهل الشام على كلمة، وفيها عُقد سنة أربع وستين اجتماع بايع فيه أهل الشام مروان بن الحكم، وهو خارج موضوع الخلافة الراشدة.

العبرة

لزوم الجماعة واتباع منهج الصحابة عاصم من الفرقة. وقد قدّم عمر وصية النبي ﷺ على كل توجيه آخر حين خاطب جيشًا وسّع الله له الأرض.

المصدر: سنن الترمذي (أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة) ومسند أحمد من حديث ابن عمر عن عمر؛ صحيح البخاري ومسلم (خير الناس قرني، وتسبق شهادة أحدهم يمينه)؛ سنن الترمذي وابن ماجه (أرحم أمتي بأمتي)؛ تاريخ الطبري والبداية والنهاية؛ سورة آل عمران (آية الاعتصام).

الدرجة: الحديث ثابت (حسن صحيح غريب عند الترمذي) في خطبة الجابية؛ وخطبة المال والعلم مشهورة في كتب التاريخ دون إسناد صحيح معتمد، وهي مذكورة على سبيل التنبيه.