من أكثر أخبار الصحابة التي يقف عندها القراء حيرة قصة عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لخالد بن الوليد رضي الله عنه، والخالد هو الذي سمّاه النبي ﷺ سيف الله. فكيف يعزل الخليفة قائدًا لم تُهزم له راية؟ وما الذي دفعه؟ وهل كان في نفسه عليه شيء؟ نعرض هنا ما ثبت، وما اشتهر في التاريخ، وما قاله عمر في أسباب فعله.
ما ثبت في الصحيح من مكانة خالد
روى البخاري في كتاب المغازي، من حديث أنس، أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة قبل أن يأتي خبرهم، ثم قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. وروى أحمد من حديث أبي هريرة قول النبي ﷺ: نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار والمنافقين، وحسّنه بعض أهل العلم. وروى البخاري أن النبي ﷺ قال لما بلغه ما صنع خالد في بني جذيمة: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. وثبت في صحيح مسلم أنه قال لخالد حين وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام: لا تسبّوا أحدًا من أصحابي. فكانت لخالد منزلة عالية، ولم يعصمه ذلك من الخطأ ولا من مؤاخذة النبي ﷺ لما يستحق.
بداية الخلاف بين عمر وخالد
يذكر أهل التاريخ أن عمر كان يرى في خالد شدة في تصرفه بالدماء والأموال، وطلب من أبي بكر في خلافته عزل خالد بعد ما كان من أمر مالك بن نويرة، وهو أمر اختلف فيه المؤرخون اختلافًا كبيرًا، ولا نخوض في تفاصيله هنا لأن الروايات فيه متعارضة. ويروون أن أبا بكر رضي الله عنه أبى وقال: ما كنتُ لأشيم سيفًا سلّه الله على المشركين. وهذه الرواية مشهورة على الألسنة، ولا نقف لها على إسناد صحيح في الصحاح.
العزل بعد وفاة أبي بكر
لما ولي عمر الخلافة كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يتولى القيادة في الشام بدلًا من خالد. ويذكر المؤرخون، كالطبري وابن كثير، أن الكتاب وصل والجيش في اليرموك، فكتمه أبو عبيدة حتى انتهت المعركة احترامًا لخالد وحفظًا لسير القتال، ثم أخبره. فسأله خالد: يغفر الله لك، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟ فقال: إني كرهتُ أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد ولا للدنيا نعمل. وهذا الخبر مشهور في كتب التاريخ، ومصدره الأكبر سيف بن عمر، فلا يُجعل في مرتبة الأخبار الثابتة، وإن كان معناه يليق بأخلاق الرجلين.
وفي بعض الروايات أن العزل كان متأخرًا، في سنة سبع عشرة، حين كان خالد واليًا على قنسرين، فبلغ عمر أنه أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف درهم مدحه بها، فاستدعاه وسأله عن مصدر المال: أمن ماله أم من الغنيمة؟ فعزله، ويذكر بعض المؤرخين أن عمر أرسل بلالًا، وأنه ربط خالدًا بعمامته وسأله أمام الناس، وهذه من الأخبار التي ذكرها ابن كثير نقلًا عن غيره، وفي ثبوتها نظر. وخلاصة الأمر أن المؤرخين اختلفوا في زمن العزل وسببه المباشر، ولم يثبت فيه خبر صحيح مفصل، والمتفق عليه أنه عُزل وبقي يخدم تحت أبي عبيدة وأنه ظل مجاهدًا.
قول عمر في سبب العزل
نقل ابن كثير وغيره عن عمر قوله في عزل خالد: إني لم أعزله عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فخّموه وفُتنوا به، فخشيت أن يُوكلوا إليه ويُبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة. ومعنى ذلك أن عمر رأى أن تعلق الجيش بشخص خالد والنصر المتكرر على يديه كاد يوحي بأن النصر منه لا من الله. وهذا الخبر مشهور عند المؤرخين، ويوافق وصيته المشهورة لقادته، ومنها وصيته لسعد بن أبي وقاص بأن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وقد أفردناها بالذكر.
وفي القرآن ما يدل على هذا المعنى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وقد قال تعالى في حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾. فعمر رضي الله عنه نظر نظر المربّي والسياسي معًا، ورأى أن فتنة الأتباع بالقائد قد تهدم أصل التوحيد في النفوس.
موقف خالد من العزل
المشهور عن خالد أنه سمع وأطاع، ولم يتمرد ولا اعتزل، وبقي في جيش الشام يقاتل جنديًّا تحت أبي عبيدة. ويروى أنه قال: إنما كنتُ أقاتل في سبيل الله، لا لعمر، وقد أفردنا لهذه الكلمة قصة مستقلة. وفيه أن الطاعة لولي الأمر في المعروف لا تنافي الإخلاص لله.
لقاء الوفاء بعد الوفاة
توفي خالد بن الوليد رضي الله عنه في حمص أو المدينة، على اختلاف في ذلك، سنة إحدى وعشرين على الأشهر. ويذكر ابن عبد البر وابن كثير أنه أوصى بماله إلى عمر. وعُرف عن خالد أنه حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وقد ثبت ذلك في الصحيحين في قول النبي ﷺ لعمر لما قيل إن خالدًا منع الزكاة: وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله.
ولما بلغ عمر خبر موته ذكر المؤرخون أنه ترحّم عليه. ويرد في بعض الروايات أن نساء بني المغيرة اجتمعن يبكين عليه، فقيل لعمر: انههن، فقال: وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقعٌ ولا لقلقة. والنقع هنا شق الجيوب أو وضع التراب على الرؤوس، واللقلقة الصراخ. وهذا الخبر مشهور في كتب التراجم والتاريخ، وفي إسناده كلام، لكن معناه موافق لما ثبت في الأحاديث من إباحة البكاء الذي لا نياحة فيه.
ما ينبغي أن نتعلمه
أولًا: أن الثناء على الفاتح لا يمنع نقده إذا أخطأ في المال أو الدم، كما نقد النبي ﷺ خالدًا في بني جذيمة. ثانيًا: أن الإمام قد يرى مصلحة عامة في تغيير قائد ناجح، من غير أن يكون ذلك اتهامًا له. ثالثًا: أن الصحابة كانوا على قدر كبير من السمو، فلا خالد تمرد، ولا أبو عبيدة ادعى فضلًا، ولا عمر تنكر لحق خالد بعد موته. رابعًا: أن النصر من عند الله وحده، وهو الدرس الذي أراد عمر أن يرسّخه.
ولا يجوز لنا أن نبني على هذه القصة عداوة بين الصحابة، فقد أقرّ العلماء أن بين الرجلين من الاحترام ما لا يخفى، وأن عمر كان يحب خالدًا في الله، وخالد كان يحترم عمر ويثق بعدله.
