حين استشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وقعت بعد ذلك واقعة فيها اختلاف شديد بين العلماء والمؤرخين، هي قتل عبيد الله بن عمر للهرمزان وجفينة. وهذه القصة كانت أول ما عرض على الخليفة عثمان رضي الله عنه من القضايا، وأثّرت في الأحداث اللاحقة، لأن علي بن أبي طالب كان يرى في الحكم رأيًا مغايرًا لما رآه عثمان. فيها دروس في القضاء والسياسة الشرعية، ويجب أن تُروى بحذر لأن كثيرًا من تفاصيلها فيها ضعف.
من هو الهرمزان؟
الهرمزان قائد فارسي كبير، من أمراء خوزستان، قاتل المسلمين زمنًا ثم أُسر في فتح تستر، وحُمل إلى المدينة حيث أسلم على يد عمر. ويذكر المؤرخون أن عمر فرض له عطاءً وأنزله المدينة، وكان يستشيره في أمر الفرس وبلادهم. وهذا مشهور في كتب التاريخ كالطبري وابن كثير، ولا نعرف فيه خبرًا ثابتًا في الصحاح. أما جفينة فكان نصرانيًّا من أهل الحيرة، قدم المدينة وكان يعلّم الكتابة، وأما أبو لؤلؤة فهو غلام المغيرة بن شعبة، وقد ثبت قتله لعمر في صحيح البخاري، وذكر المؤرخون أنه فارسي الأصل مجوسي، واسمه فيروز.
حادثة الطعن
روى البخاري في صحيحه، في قصة استشهاد عمر عن عمرو بن ميمون، أن أبا لؤلؤة طعن عمر وهو يصلي الفجر بخنجر له رأسان، وطعن معه عددًا من المصلين، ثم قتل نفسه حين طُرح عليه برنس. وفي الرواية أن عمر لما علم أن قاتله أبو لؤلؤة قال: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفًا. ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدّعي الإسلام. هذا ثابت في الصحيح. ولكن ما يتعلق بالهرمزان وجفينة ليس في هذا السياق من البخاري.
ما ذكره المؤرخون عن التهمة
روى ابن سعد والطبري عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أنه رأى الهرمزان وجفينة وأبا لؤلؤة يتناجون قبل الحادثة بيوم، فلما فاجأهم سقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه في وسطه، فلما قُتل عمر قال عبد الرحمن: رأيت هذا الخنجر مع الهرمزان. وروى الطبري ذلك بأسانيد مختلفة. وأما عبيد الله بن عمر فلما بلغه الخبر أخذ سيفه وقتل الهرمزان وجفينة، وروي أنه قتل ابنة أبي لؤلؤة أيضًا، وهذه الزيادة ضعيفة لا يعتمد عليها. وغضب ابن عمر الذي رأى أباه مطعونًا، وكان شابًّا شديد الغضب، وفعل ذلك دون حكم من القضاء.
ومن الثابت أن التهمة لم تثبت قضاءً بإقرار أو بينة كافية، فإن كلام عبد الرحمن بن أبي بكر شاهد واحد على قرينة، ولا يكفي لإيجاب القتل.
موقف عثمان وعلي
لما تولى عثمان رضي الله عنه الخلافة رُفعت إليه القضية. ويذكر المؤرخون أن عليًّا رضي الله عنه رأى أن يُقتل عبيد الله بالهرمزان، وقال ما معناه: أرى أن تقتله. وقال بعض الصحابة كذلك: أيُقتل عمر بالأمس ويُترك ابنه اليوم؟ وكان في الناس من يدافع عن عبيد الله لعظيم فضل أبيه. ثم قال عمرو بن العاص لعثمان: إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. أي أن القتل وقع قبل ولايتك، فلا يلزمك أن تكون أنت الوليّ المطالب بالدم.
وحاصل ما فعله عثمان أنه رأى الهرمزان لا وارث له من المسلمين، فكان الإمام وليّ دمه، فعدل عن القصاص إلى الدية، وأداها من ماله الخاص، وقيل: من بيت المال، وقيل: من ماله. وقد رُوي ذلك في الطبقات والتواريخ. وقال بعض العلماء إن عثمان اجتهد فرأى أن قتل ابن الخليفة في ظروف الفتنة يزيد الشر، ورأى مصلحة في حقن الدماء. وهو اجتهاد، وليس من القضايا القطعية.
نظر الفقهاء
القاعدة العامة في الشريعة أن القاتل يُقتل قصاصًا ولو كان ابن خليفة، قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾. والسلطان لولي الدم: إن شاء اقتصّ، وإن شاء عفا أو قبل الدية. وإذا لم يكن للمقتول وليّ فالإمام وليّه، كما قال النبي ﷺ: السلطان ولي من لا ولي له (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسّنه جمع من أهل العلم في سياق النكاح). فلما رأى عثمان هذا، عفا عن عبيد الله وألزمه الدية. وقد أنكر عليه بعضهم ذلك، ورأى بعضهم أنه كان الأولى أن يقتص.
ما صار من أمر عبيد الله
بقي عبيد الله بن عمر بعد ذلك، ثم لما اشتد النزاع بين علي ومعاوية انحاز إلى معاوية، وقاتل في صفين، وقُتل هناك سنة سبع وثلاثين، كما ذكر ابن سعد وغيره. وفي كتب التاريخ أن عليًّا قال: لو ظفرتُ به لقتلتُه. ولكن هذا مروي بأسانيد فيها ضعف، ويغلب على هذه القصة أن تكون من أخبار الإخباريين المتأثرين بالتحزب. وقد اختلف الباحثون أيضًا في ما إذا كان علي قد تحول عن رأيه بعد البيعة، واعتذر عن إقامة الحد لانشغاله بالفتنة.
الخلاصة
قضية الهرمزان مثال على أن أخطر ما يقع بعد موت الإمام العادل هو تعامل الناس مع القضايا المعلقة تحت ضغط العاطفة. فابن عمر رأى أباه مطعونًا فتحمّسه العصبية، وعثمان رأى مصلحة، وعلي رأى القصاص. والكل صحابة يجتهدون. وعلى القارئ أن يحذر من الروايات التي تحمّل عثمان نصيبًا من الفتنة بسبب هذه القضية، لأن أكثر ما يُتداول منها يعود إلى كتب الإخباريين ولا يثبت بالأسانيد الصحيحة. والثابت أن عثمان لم يعطّل الحق، وإنما اجتهد فأدى الدية.
