Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ثلاثة أيام من الشورى: كيف اختار عبد الرحمن بن عوف عثمان ثم بايع له علي

عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حين طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأيقن بالموت، قال له الناس: استخلف. فكان جوابه من أروع ما صدر عن إمام في أمر الإمامة. وقد روى البخاري هذا الخبر بطوله، وفيه سر طريقة اختيار الخليفة الثالث، وفيه نظام الشورى كما فهمه الصحابة. وقد أفردنا في هذه السلسلة بيانًا لسبب اختيار عثمان، ونعرض هنا خطوات التنفيذ كما رواها البخاري عن عمرو بن ميمون والمسور بن مخرمة، وما اتصل بها.

وصية عمر: ستة رجال

روى البخاري عن عمرو بن ميمون أن عمر رضي الله عنه لما طُعن قيل له: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. فسمّى علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له. فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

ولم يختر عمر ابنه، ولا قريبًا، ولا واحدًا بعينه، وإنما سمّى من مات النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ وجعل الأمر شورى. والمعنى أن الأمر ليس إرثًا ولا تعيينًا من الحاكم، بل هو اختيار من أهل الحل والعقد.

حصر الاختيار

لما فرغ الرهط من دفن عمر، اجتمعوا. وفي رواية البخاري عن عمرو بن ميمون أن عبد الرحمن بن عوف قال: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: قد جعلتُ أمري إلى علي. وقال طلحة: قد جعلتُ أمري إلى عثمان. وقال سعد: قد جعلتُ أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يتبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأُسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ والله عليّ ألا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقِدَم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتُك لتعدلنّ، ولئن أمّرتُ عثمان لتسمعنّ ولتطيعنّ. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه.

ليالي المشاورة في رواية المسور

وروى البخاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه خبرًا أطول يصف كيف جرت المشاورة ليلًا: قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجعٍ من الليل فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائمًا، فوالله ما اكتحلتُ هذه الليلة بكبير نوم. انطلق فادعُ الزبير وسعدًا. فدعوتهما له، فشاورهما ثم دعاني فقال: ادعُ لي عليًّا، فدعوته فناجاه حتى ابهارّ الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا. ثم قال: ادعُ لي عثمان، فدعوته فناجاه حتى فرّق بينهما المؤذن بالصبح.

فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر أرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر. فلما اجتمعوا تشهّد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد، يا علي، إني نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلًا. فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده. فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس، المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.

وفي الرواية نفسها ما يدل على أن عبد الرحمن لم يكتفِ بسؤال الرهط، بل شاور الناس في المدينة وأمراء الأجناد الذين حضروا الحج مع عمر. وذكرت بعض كتب التاريخ أنه سأل حتى النساء في بيوتهن، وهذا مما لا نثبته بسند صحيح، وإن كان يدل على سعة المشاورة.

ما ورد في كتب التاريخ مما لا يبلغ درجة الصحيح

يذكر ابن سعد والطبري أن عمر أمر أبا طلحة الأنصاري أن يقف بخمسين من الأنصار على باب الرهط في المكان الذي يجتمعون فيه، وأن صهيب بن سنان يصلّي بالناس حتى يتفقوا، وأن عمر حدّد ثلاثة أيام للمشاورة. وذكروا أيضًا أنه قال: فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلًا وأبى واحد فاشدخ رأسه. وفي ألفاظ هذه الروايات اختلاف وضعف، ولا يعتمد على تفاصيلها، والثابت في الصحيح ما أوردناه. واختلف المؤرخون في شهود طلحة: فمنهم من ذكر أنه كان غائبًا عن المدينة ثم قدم، وظاهر رواية البخاري حضوره وقوله: قد جعلتُ أمري إلى عثمان.

فقه الواقعة

الواقعة تضمنت أصولًا أخذ بها العلماء في باب الإمامة. أولها أن الإمام لا يستقل بالتعيين لقرابته، لكن له أن يرشح أهل الشورى، كما فعل عمر. وثانيها أن الشورى لا تقتصر على الصفوة، بل يُسأل الناس. قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، وقال لنبيه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وثالثها أن الخلافة لا تُنال بالتغلب ولا بالتحزب، فقد تنازل الزبير وطلحة وسعد لثلاثة، ثم خرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الترشح ليكون حكمًا، فلم يختر نفسه رغم أهليته.

وفي هذه القصة أيضًا ما يبين نبل علي رضي الله عنه: فقد بايع لعثمان بعد أن نُظر في أمر الناس، فلم يتخلف ولا نازع. وقد بُويع عثمان على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، فكان عليه ثقل هذه المسؤولية.

وكان عبد الرحمن في ذلك كله قدوة في الأمانة، لا ترد في كلامه محاباة، ولا يطلب لنفسه شيئًا. وكان عبد الرحمن أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين، ومن أصحاب الأموال الذين بذلوا في سبيل الله.

العبرة

أول انتقال للخلافة بعد الشيخين تم بالشورى الواسعة وتنازل ثلاثة من أهل الشورى وأمانة الحكم فيها، ثم بالبيعة العامة. وكان علي أول من احترم الاختيار فبايع.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب فضائل الأصحاب (باب قصة البيعة، والاتفاق على عثمان) عن عمرو بن ميمون وعن المسور بن مخرمة، وكتاب الأحكام (كيف يبايع الإمام الناس)؛ طبقات ابن سعد؛ تاريخ الطبري؛ سورتا الشورى وآل عمران (آيتا الشورى).

الدرجة: صحيح: وصية عمر بالستة وتسلسل البيعة ومشاورة عبد الرحمن في صحيح البخاري؛ والتفاصيل الإضافية (حرس الأنصار، وصلاة صهيب، وأمر عمر بشدخ رأس المخالف) من كتب التاريخ فيها ضعف أو اضطراب، وقد نبّهنا عليها.