في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، سنة خمس وثلاثين للهجرة، وصل إلى المدينة جموع من أهل الأمصار، ساخطين على عمال الخليفة وعلى بعض سياساته، فحاصروا داره أسابيع. وقد روى المؤرخون كثيرًا من التفاصيل، منها الصحيح ومنها الضعيف. وهذه القصة تتناول موقف الصحابة رضي الله عنهم من الحصار: لماذا أرادوا الدفاع؟ وما الذي منعهم؟ وماذا قال عثمان؟ نبدأ بالنص النبوي الذي أنذر بالفتنة، ثم نعرض ما اشتهر في كتب التاريخ بحسب درجته.
إنذار النبي ﷺ بالفتن
روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أشرف النبي ﷺ على أُطُم من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر. والقطر هو المطر، أي أن الفتن تنزل بين بيوت المدينة كما ينزل المطر، لا تخطئ موضعًا. وقد ذكر العلماء أن هذا من علامات النبوة، فإن أول الفتن بعد الخلافة الراشدة كان قتل عثمان وما تلاه، وكان مبدؤها في المدينة. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾.
الحصار
يذكر الطبري وابن كثير أن وفودًا من مصر والكوفة والبصرة قدمت المدينة في شوال من سنة خمس وثلاثين، وتناقشوا مع عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم، ثم رجعوا، ثم عادوا بعد أيام. وطال الحصار قرابة أربعين يومًا في بعض الروايات، وفي بعضها أقل من ذلك أو أكثر. وذكر المؤرخون أنهم ضيّقوا عليه حتى امتنع عن الخروج إلى المسجد، وأنه خطب الناس وكلمهم من أعلى الدار. وهذه الأمور مجملة مشهورة، وقد اتفق عليها المؤرخون، وأكثر ما يُروى في تفصيلها يرجع إلى الواقدي وأبي مخنف وسيف، وفيها اختلاف.
أبو هريرة يعرض القتال
روى ابن سعد والحاكم أن أبا هريرة رضي الله عنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: جئتُ لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين، أي حلّ القتال. فقال له عثمان: يا أبا هريرة، أيسرّك أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك والله إن قتلتَ رجلًا واحدًا فكأنما قتلتَ الناس جميعًا. فانصرفتُ ولم أقاتل. وعبارة عثمان فيها صدى قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقد أخرج هذا الخبر ابن سعد وغيره، وفي بعض أسانيده كلام، ولكنه مشهور في كتب التراجم ويوافق ما ثبت عن عثمان في مواضع أخرى من حرصه على حقن الدماء.
الأنصار وزيد بن ثابت
ويروي ابن سعد والطبري أن زيد بن ثابت رضي الله عنه جاء إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب، يقولون: إن شئتَ كنا أنصار الله مرتين. فقال عثمان: أما القتال فلا. وهذا الخبر مشهور، ويصور مدى صبر عثمان، فهو يعلم قدرته على الدفاع، ويرفض إراقة دماء المسلمين، ولو كانت دماء المعتدين. وفي بعض الروايات أنه قال: لا أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء. وهذه الكلمة مشهورة في كتب التاريخ بألفاظ متقاربة.
أبناء الصحابة على الباب
وذكر ابن سعد والطبري وابن كثير أن عددًا من أبناء كبار الصحابة وقفوا على باب الدار يحمونه، منهم الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم. وأن عليًّا أرسل ابنيه بسيفيهما ليقفا على الباب ويمنعا أحدًا من الوصول إلى عثمان. وأن الحسن جُرح، في رواية، وهذه الزيادة مختلف فيها. وكان عثمان يأمرهم جميعًا بالكف ويقول لهم: أعزم على كل من لي عليه سمع وطاعة أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله. وبعضهم يخرج بما يفيد أنه أعلن عتق من يكف من مماليكه، ولا يثبت ذلك بسند صحيح.
مقام علي في هذه الفتنة
اشتهر عن علي رضي الله عنه أنه كان من أحرص الناس على منع القتل، وذكر المؤرخون أنه أرسل الماء إلى الدار حين مُنع عنها، وأنه كلم المحاصرين ليرجعوا، وأنه تبرأ من دم عثمان بعد ذلك. ومما يُروى عنه أنه قال: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله. وقد ذكر ابن سعد وغيره هذا المعنى، وهو ما يتوافق مع حقيقة موقف علي في أحداث الفتنة، فقد كان على رأس المدافعين عن الحق، وإن اختلفت الأخبار في تفاصيل ما فعله.
لماذا لم يقاتل عثمان؟
ذكر العلماء، منهم ابن كثير وابن تيمية، أن عثمان كان قادرًا على القتال ومعه كثير من أصحاب النبي ﷺ وأبنائهم، لكنه اختار الصبر للحفاظ على دماء المسلمين، ولأن النبي ﷺ عهد إليه بعهد، كما في حديث عائشة الذي أفردناه بالذكر. وقالوا إن ما فعله عثمان كان اجتهادًا منه بحسب ما فهمه من وصية النبي ﷺ، وليس واجبًا على كل أحد في كل زمان أن يفعل مثله. وهم يميزون بين حال الإمام الذي يفضّل ترك القتال، وحال العامة الذين لا يحق لهم الخروج على إمامهم. ومما قرره العلماء أن الذين تولوا قتل عثمان لم يكونوا من أعيان الصحابة ولا من السابقين الأولين، وإنما كانوا خليطًا من الناس من أمصار شتى.
الدروس
أولًا: أن الفتنة إذا وقعت فأعظم ما يجب هو حقن الدماء، حتى لو أدى ذلك إلى خسارة أعظم. ثانيًا: أن الصحابة كانوا يمتثلون لأمر إمامهم حتى في أصعب الأوقات. ثالثًا: أن العدوان على الإمام لا يبرره ما يُنقم عليه من أخطاء، فالنصيحة والمناصحة والصبر هي الأصل. رابعًا: أن علينا ألا نقبل في تفاصيل هذا الحصار إلا ما ثبت، وألا نجعله ذريعة للطعن في أحد من الصحابة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.
